أسبوع واحد يفصل بين استشهاد الرئيس محمد مرسي والرحيل المفجع لسفير الضمير الوطني والإنساني، إبراهيم يسري.

يأبى يونيو/ حزيران إلا أن يمعن في إهانتنا وسحقنا، وتذكيرنا بأنه يهزمنا ويكسرنا منذ النكسة الأولى 1967 وحتى النكسة الثانية والأفدح 2013، إذ في الأولى احتل الصهاينة أرضنا، جزئيًا، وفي الثانية احتلوا قرارنا وإرادتنا، كليًا، وصاروا يحكمون من خلال الدمية القبيحة التي وضعوها في قصر الحكم.

رحل السفير إبراهيم يسري أولًا، وهو من هو في مسيرة نضال الجماعة الوطنية المصرية دفاعًا عن الأرض والعرض والدم، فكان من المنتظر أن يكون عزاؤه مناسبةً وطنية كبيرة، تستعاد فيها إرادة مواصلة النضال، وتتردّد مفرداته، لكن الذي حصل أن ما تسمى"الجماعة الوطنية" لم تستطع، أو لم تجرؤ، أو لم تعبأ بالتداعي إلى إقامة عزاء يليق بالرجل في مسجد عمر مكرم، أو في أي دار مناسباتٍ في أي مكان على أرض مصر، بل إنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة الذهاب إلى قريته الصغيرة، والسير خلف النعش الذي يحمل جثمانه إلى مثواه الأخير، وأقصى ما صدر عن عدد محدود ممن يصنفهم الناس رموزًا منشورات عزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

تابعت ما جرى في الجنازة، فوجدت الكل غيابًا، أو بالأحرى الوطن في غيبوبة، فعندما لا تلمح وجه سياسي أو قائد حزب أو دبلوماسي سابق أو حالي، في جنازة شهيد الحق والواجب، السفير إبراهيم يسري، في مسقط رأسه، فاعلم أن الراحل النبيل هو الحي، بينما الوطن ميت في جلده وشبع موتًا.

ظننت إنني أتجنّى على"الجماعة الوطنية"، حين قيل إن سرادق عزاء سيقام في مسجد عمر مكرم في ميدان التحرير، بعد يومين من الوفاة، إذ ينتظرون وصول ابنه من الولايات المتحدة، غير أن فترة يومين وجمعتين مرت، حتى الآن، ولم يأت العزاء، لا في "عمر مكرم"، أو حتى في قاعة صغيرة في مقر واحد من الأحزاب التي تعد نفسها من منابر النضال الوطني.

بعد سبعة أيام فقط من وفاة السفير يسري، كان الإعلان عن رحيل الرئيس الشهيد محمد مرسي، داخل قاعة المحكمة، بعد أن قضى ستة أعوام أسيرًا عند السلطة التي تسعد بها إسرائيل، وتعتبر وصولها إلى الحكم أهم انتصاراتها على العرب، وبالطبع مع اندلاع موجات الحزن في كل بقاع الأرض على الرئيس، بقي الحزن سجينًا في صدور المصريين، لا يغادرها إلا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن يملك القدرة على التعبير عن نفسه في جنازةٍ شعبيةٍ أو سرادق عزاء في بيت الرئيس أو مسقط رأسه، ذلك أن القوات الباسلة، بمختلف فروعها وأسلحها، كانت قد رفعت استعداداتها إلى الدرجة القصوى، لمواجهة من تسوّل له نفسه الإفصاح عن مشاعر الحزن على رئيسٍ اختارته غالبية المصريين في أول وآخر انتخابات حقيقية تعرفها مصر في تاريخها كله.

في هذه الأجواء، بالطبع، لم يتذكّر أحد أن عزاءً يليق بالسفير إبراهيم يسري، كان يجب أن يقام، إذ سريعًا للغاية، وجدت ما تسمى"الجماعة الوطنية" نفسها مدعوةً إلى مهمةٍ قومية أكبر من الحزن ومن التذكّر، ذلك أن الوطن المزيف يخوض معركةً مزيفة، هي حرب الكرة، فيصبح لا صوت يعلو على صوت حفل افتتاح البطولة الأفريقية، وتصير القضية الأولى على جدول أعمال الحوار الوطني، هل كان الصوت القبيح المنبعث من عقيرة جنرال الدم في أثناء الافتتاح ناتجًا عن مشكلة فنية في الإخراج، أم معجزة ربانية، وفي الضفة الأخرى من بحيرة الوطن الآسنة، هل كانت قهقهة الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين، في لقاء تلفزيوني، بعد استشهاد الرئيس خطأً عفويًا أم تعبيرًا عن أمر خفي؟.

وهكذا يمضي الوطن واثق الخطوة على طريق الهراء.

نقلا عن صحيفة "العربي الجديد"

Facebook Comments