قال المحلل السياسي وكاتب عمود “سجلات الثورة العربية” لدى موقع “أوبن ديموكراسي”، ماجد مندور، إن السيسي يتصور أنه بإعادته الآن تجسيد موجة القمع الوحشي التي تلت انقلابه في 3 يوليو 2013 فإنه سيحصد ثمارًا مشابهة.

مؤكدًا “يبدو أنه لا يريد أن يصدق أنه فقد تمامًا الشعبية التي كان يحظى بها حينذاك، وأن صورة “المنقذ” حلّ محلها صورة “الفاسد” سارق المال العام”.

وتحت عنوان “مصر: الرعب مستمر”، كتب يقول: إن نظام يحاول استحضار أشباح عام 2013، وهو يقمع المعارضين له الذين خرج بعضهم يوم 20 سبتمبر يتظاهرون ضده، حينما قتل واعتقال آلاف المصريين المعارضين للانقلاب، متبعا أسلوب الصدمة للترويع وليضمن اغتصابه للحكم.

ولكن قائد الانقلاب يتناسى أن الشعب كشفه، ولم يعد يخدع المصريين بقصة أنه المنقذ الذي أنقذهم من الإخوان ومن فوضي ثورة يناير، بعدما ظهر عاريًا كجنرال فاسد ينهب قوت الشعب المصري لا في صورة المنقذ الذي سعى إعلام الانقلاب لإظهاره بها.

https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/egypt-horror-continues/

الاثنين 23 سبتمبر 2019، وخلال اجتماع بين الرئيس ترامب والمستبد العسكري المصري، أعلن ترامب دعمه للديكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يواجه احتجاجات شعبية ضد حكمه، وذلك لأول مرة منذ تولي ترامب الرئاسة.

وفي مرة سابقة، سُمع ترامب وهو يصف السيسي بأنه “ديكتاتوره المفضل”، مما يدل على دفء العلاقة بين الاثنين.

تصريحات ترامب سبقت مظاهرات اندلعت ضد السيسي ووصلت ميدان التحرير لأول مرة منذ الانقلاب، في أعقاب فضح المقاول محمد علي- الذي عمل عن كثب مع الجيش لعدة سنوات- فساد السيسي والمؤسسة المؤسسة العسكرية، والإنفاق الفخم على القصور الرئاسية، في وقت يزداد فيه الفقر والصعوبات الاقتصادية بين غالبية الشعب المصري.

استدعاء قمع 2013

وردًا على هذه الاحتجاجات، شنت قوات الأمن أكبر موجة من الاعتقالات في عهد السيسي، حيث بلغ عدد المعتقلين 2300 على مدار أسبوعين، وشمل ذلك اعتقال 111 قاصرا، وتم استخدام التعذيب ضدهم.

وسعى نظام السيسي لإظهار أن الشعب يدعمه عبر مظاهرات مصطنعة واختار مدينة نصر لها، وبالتحديد ميدان رابعة، حيث وقعت أسوأ مذبحة في التاريخ المصري الحديث.

حالة القمع الشديد التي قام بها النظام استهدفت استدعاء أشباح قمع عام 2013 لتخويف المعارضين، حيث تم ذبح المئات من المحتجين عقب انقلاب 2013.

مشهد القمع الثاني

ضمن عملية القمع جرى إعادة اعتقال الناشط علاء عبد الفتاح، الذي يقضي حكما تحت المراقبة لمدة نصف يوم، وأطلق سراحه بعد قضاء عقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات بدعوى خرقه قانون الاحتجاج، وذلك كجزء من حملة القمع التي شنها السيسي في كل أنحاء مصر، على الرغم من أن علاء لم يدع للاحتجاجات، ولم يكن على صلة بمحمد علي.

وتم وضع علاء في وقت لاحق بسجن شديد الحراسة وتجريده من ملابسه الداخلية، وتعرض للضرب والإهانة، يرافقه المحامي محمد الباقر، وهو محام بارز في مجال حقوق الإنسان، تم اعتقاله أثناء حضوره التحقيق مع محام يدافع عن علاء في محنته.

أيضا جرى اعتقال إسراء عبد الفتاح كجزء من حملة الاعتقالات والقمع، وقام أفراد من قوات الأمن يرتدون ملابس مدنية باختطافها من سيارتها بالشارع، وتعرضت للتعذيب والضرب والإهانة والتعليق من السقف، ما اضطرها للإضراب عن الطعام احتجاجا على ظروف أسرها وتعذيبها.

مشهد القمع الثالث

انتقلت قوات الأمن لتنفيذ حملة اعتقالات أخرى لعدد من الشخصيات السياسية، بتهمة الانضمام لجماعة أنشئت على خلاف القانون، والتخطيط لإسقاط الدولة، وكانت هذه المجموعة (من أفراد أحزاب رسمية) تحاول تشكيل ائتلاف جديد، يدعى تحالف الأمل، لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.

ومن بين المعتقلين عضو البرلمان السابق زياد العليمي، والصحفي هشام فؤاد، وعمر الشنيطي مؤسس شركة “مالتيل غروب” للاستثمار، وحسام مؤنس مدير حملة المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي.

فعليًّا يمكن القول، إن جهاز الأمن المصري اعتقل بهذه الاعتقالات “الأمل” نفسه، حيث انضم المعتقلون إلى قائمة طويلة من أعضاء الأحزاب السياسية القانونية التي شن عليها النظام حملات قمع واعتقالات، مثل عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية، الذي اعتقل في فبراير 2018، ولا يزال في الحبس الانفرادي.

مشهد القمع الرابع

عمر عادل، 29 عاما، سجين يعاني في الحبس الانفرادي؛ قُبض عليه في عام 2014 وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 15 عامًا، ولم يكن لديه أمراض خطيرة عند اعتقاله، مثله مثل العديد من السجناء في السجون المصرية، ولكنه الآن يعاني من خطر الموت في السجن.

وتقول تقارير حقوقية، إن عادل قضى ثلاثة أيام في الحبس الانفرادي يصرخ ويتوسل مع خاطفيه لإطلاق سراحه من الحبس، ولكن دون جدوى من زنزانته التي حجمها 4.5 متر مربع، وبدون نوافذ أو تهوية مناسبة.

قضية عادل ليست فريدة، وانتقل من قبر (سجن) إلى قبر، إذ تتراوح تقديرات الوفيات في السجون المصرية بين 60 و717، في الفترة من 2016 إلى 2018، كنتيجة مباشرة للإهمال الطبي والتعذيب والاكتظاظ.

مشهد القمع الخامس

بائعان متجولان يحاولان بيع بضائعهما في قطار درجة أولى؛ بسبب عدم تمكنهما من البيع في مناطق أخرى بسبب الأمطار الغزيرة، ولم يشتريا تذكرة لعدم قدرتهما على دفع ثمنها.

قام قائد القطار بالإمساك بهما، وخيرهما ما بين القفز من القطار وهو يتحرك أو يسلمهما إلى الشرطة. بالنسبة للشباب الفقراء، يفوق الخوف من عنف الشرطة بكثير الخوف من القطار المتحرك، لهذا قفز الشابان فمات أحدهما تحت عجلات القطار، ونجا الآخر بأعجوبة.

المشهد الافتتاحي

كل ما جرى، كانت المقدمة له واللحظة الفاصلة بالنسبة للنظام العسكري الجديد هو حشد جماهيري في 30 يونيو 2013 ضد الرئيس الإسلامي محمد مرسي، بحيث يبرر هذا تدخل الجيش ويزيل الرئيس مرسي من السلطة.

وللرد على احتجاجات من اعتصموا في رابعة في حرارة الصيف، وغيرها ضد هذا الانقلاب العسكري وإبعاد رئيس منتخب بالقوة من منصبه، مطالبين بعودته، دعا وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي لتفويضه وتنظيم تجمع حاشد لتمكينه من “محاربة الإرهاب”.

وكان هذا تمهيدًا لمذبحة كبيرة وموجة من القمع تتبعها، سعى السيسي لها من خلال محاولة خلق تجمع جماهيري لتبدو قراراته كأن لها قاعدة من الدعم الاجتماعي للجرائم القادمة، وينشر المسئولية عن القتل والقمع بين الجماهير، لتبدو عملية “قمع مجتمعي” بمشاركة جماهيرية.

وفي أحد أيام أغسطس الحارة، تحركت قوات الأمن ضد أنصار الرئيس مرسي فقتلت 1150 في يوم واحد، ليتحول هذا المشهد الافتتاحي للقمع الجماهيري الذي سيتبعه، مع ظهور نوع من القومية المتطرفة وجنون العظمة الذي يبرر ما سيأتي.

من هنا يمكن فهم كل المشاهد التي تبعت هذا اليوم، الذي كان المشهد الافتتاحي في مأساة تتكشف كل يوم في صورة قمع مستمر، وهو ما سعى السيسي لاستحضاره هذه المرة (في صورة المنقذ السابق) وهو يقمع مظاهرات 20 سبتمبر، ولكنه يفعل ذلك هذه المرة وهو في صورة الفاسد التي كشفتها فيديوهات محمد علي.

Facebook Comments