على نحو مُتسارع صعّد الأعضاء المستقلون وأنصار حرية التعبير في مجلس نقابة الصحفيين، موقفهم الرافض للائحة جزاءات المجلس الأعلى للإعلام، أحد مؤسسات الانقلاب للصدّ عن حرية التعبير في مجتمع يئِن من المشاكل المتنوعة والآنية.

سبب التصعيد هو قرارٌ من مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى، بحجب موقع صحيفة “المشهد”، يسارية التوجه، 6 أشهر وتغريم الجريدة الورقية 50 ألف جنيه، رغم دفاع رئيس تحريرها مجدي شندي عن السفاح عبد الفتاح السيسي، ومذابحه ضد رافضي الانقلاب.

وكشف محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين، عن نية عدد من الزملاء التقدم بمذكرة رسمية لمجلس النقابة بتشكيله الجديد، لإحالة الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد للجنة التحقيق النقابي، وذلك على خلفية إصدار لائحة جزاءات المجلس الأعلى للإعلام.

وقال عبد الحفيظ، في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي: “بعد التداول مع عدد من الزملاء أعضاء مجلس نقابة الصحفيين.. سنتقدم بطلب إلى مجلس النقابة لإحالة مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، للتحقيق النقابي، لمخالفته القانون والدستور وإصداره قرارًا بحجب موقع جريدة المشهد وتغريم أصحابها ٥٠ ألف جنيه؛ إنفاذًا للائحةٍ معيبةٍ مطعونٍ على شرعيتها.

وكان المجلس الأعلى للإعلام قد أصدر قرارًا بحجب الموقع الإلكتروني لجريدة المشهد، وذلك على خلفية ارتكابه بعض التجاوزات المهنية، بحسب الخطاب الصادر عن المجلس.

لماذا المشهد؟

ويرى مراقبون أن الإجراء الذي اتخذه مكرم جاء بعدما أماطت الصحيفة اللثام عن عملية تزوير إرادة الجماهير بتعديلات دستورية مشوهة تخدم الفرعون القابع في قصره والتمديد له، لتظل الأنهار تجري من تحته.

ونشرت “المشهد”- عبر موقعها الإلكتروني- تفاصيل استعدادات الانقلاب للاستفتاء في 23 و24 أبريل، حيث تستعد الأحزاب المقربة من السلطة بكشوف ناخبين يحصلون حال التمام على “شنط مواد غذائية”، وتبرعات تحت التهديد تتراوح بين 3500 و17 ألف جنيه بأوامر من قسم الشرطة لأصحاب المحال والمصانع.

وذلك بالتزامن مع قرار الهيئة الوطنية للانتخابات رقم “23 لسنة 2019” الخاص بالتغطية الإعلامية للاستفتاءات والانتخابات القادمة، يتضمن قيودًا شديدة على الصحفيين والإعلاميين، أخطرها “أن تأتي التغطية في نطاق إلقاء الضوء على البرامج الانتخابية للمترشحين أو مناقشة موضوعية ومحايدة للموضوع المطروح للاستفتاء، وعدم خلط الرأي بالخبر، وعلى عدم إجراء أي استطلاع رأي أمام لجان الانتخاب أو الاستفتاء أو في نطاق جمعية الانتخاب أو الاستفتاء، وعدم سؤال الناخب عن المرشح الذي سينتخبه أو سؤاله عن الرأي الذي سيبديه أو أبداه في الاستفتاء”!.

وقال خالد البلشي، عضو المجلس السابق ورئيس تحرير موقعي “كاتب” و”البداية” المحجوبين بقرار من داخلية الانقلاب، ردًّا على تطبيق لائحة جزاءات الأعلى للإعلام: “المجلس الأعلى للإعلام برئاسة الأستاذ مكرم محمد أحمد يواصل انتهاكه للقانون والدستور والمنطق، ويبدأ تطبيق لائحته المشينة بحجب موقع المشهد وتغريم الجريدة الورقية ٥٠ ألف جنيه، ننتظر الاجتماع الأول لمجلس النقابة خلال ساعات للخروج بموقف موحد رافض للائحة، وإجراءات قانونية لمواجهة هذا التحدي الصارخ للمهنة وللنقابة وللقانون وللمنطق، سنسقط لائحة العار، وسيظل العار يلاحق من كتبوها”.

إدانات دولية

ونشرت هيئة الإذاعة البريطانية تقريرًا، سلطت فيه الضوء على قرار نظام الانقلاب عبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أمس، بإصدار لائحة الجزاءات التي يمكن أن توقع على جميع المؤسسات والجهات الإعلامية التي تخضع لقانون تنظيم الصحافة والإعلام في مصر، ومنها منصات التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد مشتركيها على 5,000 مستخدم.

ووصفت “بي بي سي” هذا القرار بأنه بمثابة طوق جديد من العسكر لتقييد حرية الرأي في مصر، موضحة أن اللائحة تتضمن توقيع عقوبات في عدة حالات، من بينها نشر أو بث شائعات، أو أخبار مجهولة المصدر، أو النقل عن مصادر إعلامية أخرى، أو استخدام منصات التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات دون التحقق من صحتها من مصادرها الأصلية.

ولفتت إلى أن مسودة هذه اللائحة المثيرة للجدل طرحت قبل عدة أشهر، ولاقت رفضًا كبيرًا حول ما يمكن أن تفرضه من عقوبات على المؤسسات الصحفية، حيث يراها البعض تكميمًا لصوت وسائل الإعلام ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وقالت “بى بى سى”، إنه عملاً بالقانون الجديد، يمكن لسلطات الانقلاب أن تغلق بموجب قرار قضائي أي موقع تعتبر أن مضمونه يشكل تهديدًا للأمن القومي أو يعرض اقتصاد البلاد القومي للخطر، وذلك في الوقت الذي تم فيه إغلاق أكثر من 500 موقع إخباري أو لمنظمات غير حكومية، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير التي مقرها في القاهرة.

وأشارت وكالة فرانس برس مؤخرًا، إلى أن أنه خلال العام الماضي تم اعتقال العديد من مستخدمي الإنترنت والمدونين المعروفين بانتقادهم لحكومة الانقلاب، ويتهمهم نظام السيسي بالانتماء إلى مجموعات محظورة أو نشر معلومات خاطئة.

وأضافت الوكالة أن الآلاف سجنوا بموجب قوانين صارمة تُفرض منذ عام 2013، ويقول نشطاء حقوقيون، إن مفكرين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان احتجزوا ووجهت لهم عدة تهم مُعلبة، من بينها الانتماء لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وتكدير السلم العام، وهي اتهامات تتكرر مع جميع المعارضين.

تدمير المهنة

ورأى مراقبون أنه بصدور اللائحة، تكتمل القرارات اللازمة لبدء العمل بقانون تنظيم الصحافة واﻹعلام الذي أُقر في يوليو الماضي، وهي اللائحة التي اعتبر أعضاء في مجلس نقابة الصحفيين أنها ستكون أول تطبيق عملي للقوانين التي ستدمر مهنة الصحافة، وإسكات ما تبقى من الصحافة.

وأكدوا أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أصدر اللائحة قبل تشكيل مجلس نقابة الصحفيين الجديد؛ بهدف تفادي اعتراض النقابة عليها وجعلها أمرًا واقعًا، لا سيما وأن اللائحة تسري على كل ما يُعرض على الشاشات من برامج وأفلام وإعلانات، والصحف المطبوعة، وكل ما يُنشر على الإنترنت بالمواقع الإلكترونية أو صفحات التواصل الاجتماعي، أو الحسابات الخاصة التي يزيد عدد متابعيها على خمسة آلاف متابع.

وحذّروا من أن قوانين تنظيم الصحافة واﻹعلام تأتي تماشيًا مع توجه سلطة الانقلاب للتوسع في الرقابة على الصحف ووسائل اﻹعلام، في واقع رصدته منظمات دولية معنية بحرية الصحافة ذكرت تراجع مصر في مؤشرات الحرية.

فبحسب تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود، تحتل مصر المركز 161 من بين 180 دولة فيما يتعلق بحرية الصحافة.

Facebook Comments