لم يسجل التاريخ العربي الحديث حكما عسكريا قام وظل مشرفا وشبه مجمع عليه بما يوازي الحكم المنتخب، حتى إن الجيش المصري بعد ثورة 25 يناير 2011، ظل موضع شك وتخوف شعبي بعد تولي المجلس العسكري زمام الحكم، بحيث نام مصريون تحت عجلات دباباته لمنع تحركها بداية الثورة, ثم حدث الأسوأ بعد انقلاب عسكري في 30 يونيو 2013.

ففي مصر تحديدا يأتي انقلاب جنرال إسرائيل السفيه السيسي، امتدادًا أسوأ لحكم عبد الناصر والسادات ومبارك، وجميعهم أساءوا للمؤسسة العسكرية حين سلموا البلاد ومقدراتها وحتى انتصاراتها لأعدائها التاريخيين، وعلى رأسهم كيان العدو الصهيوني، الذي اعتبر انقلاب 30 يونيو 2013 أكبر معجزة إلهية لشعب إسرائيل.

وتولت جيوش المنطقة الشعوب العربية بالقهر الذي عمق الكراهية العالم العربي لحكم العسكر، وبدا كأن اللواء محمد نجيب هو الاستثناء وليس القاعدة, وهو للأسف ما يقال عن كل سياسي وطني وكل صاحب يد نظيفة في عالمنا العربي، كلهم باتوا استثناءات، بحيث نسيت الشعوب القاعدة!

أين هو المجتمع الدولي؟ وأين هي المنظمات الدولية؟ وأين هو مجلس الأمن؟ هذه هي الأسئلة الراهنة في ظل ما يحدث اليوم في كل من مصر وسوريا وليبيا واليمن والجزائر.

إن ما وقع في سوريا باستخدام الأسلحة الكيماوية وقتل الأطفال والنساء والشيوخ يطرح السؤال التالي: من هو المسئول الجيش الطامع في السلطة والثروة والنفوذ أم المحتل الأجنبي الذي يملي عليه ما يفعل؟

هل بدأت الجيوش تترنح؟

تأسست معظم جيوش الدول العربيّة الحديثة في الفترة التي انهارت فيها السلطنة العثمانيّة في عشرينيات القرن الماضي، بينما يتبنى الجيش المصري رواية أن أول جيش نظامي تأسس من المصريين كان في العام 1824 في عهد محمد علي، وبذلك يكون أقدم الجيوش العربية.

ومن المفترض أن الجيوش العربية من المحيط للخليج، هي حصن الأمان لحدود سايكس بيكو وأراضي المسلمين المقطعة، وشعوبهم المعدومة سلامتهم من جراء أي اعتداء خارجي، ومن المفترض أيضًا أنها جيوش وطنية في تشكيلها؛ لأنها تعتمد على نظام الخدمة الإلزامية، وبنيت عقيدتها القتالية على حماية الأوطان من الاعتداءات الخارجية وعلى الولاء الوطني، أو هكذا تظن الشعوب.

وفي تطور خطير على الساحة السودانية، أعلن 15 عسكريا بينهم ضباط انشقاقهم عن الجيش وانضمامهم إلى صفوف المتظاهرين السودانيين، وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية، مقتل 21 شخصًا بينهم 5 عسكريين منذ أحداث فض اعتصام مقر قيادة الجيش في الخرطوم.

وحينما حل الربيع العربي استبشرت شعوبه بنسيم الديمقراطية التي حلت في محيطه، وبدأ الأمل يستشري في عروق الأمة العربية، وهبّت رياح التغيير في كل أرجائها؛ حيث استبشر الناس خيرًا بالقضاء على التخلف وأصبحت رءوس الديكتاتورية تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف.

لكن ما إن حل الربيع العربي حتى ظهرت “فيروسات” عسكرية لوثته وحولته إلى حمام دم لا زال يتدفق إلى اليوم، وتبين أن قادة العسكر في العالم العربي يخدمون أجندات خارجية ولا يخدمون الدفاع عن أوطانهم، وهنا لابد من التذكير بانقلاب جمال عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب، وانقلاب السفيه السيسي على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، وهما الانقلابان اللذان يمثلان عدوانا صارخا على الشرعية والمشروعية المتمثلتين في الشعب.

هل انتصر الشعب؟

يعتقد كثيرون أن رياح التحرّر التي هبّت على عدد من البلدان العربية، قبل ثماني سنوات، قد خمدت، إن لم تكن قد انتهت، بعدما أمضت ثماني سنوات في مواجهة حروب سياسية وعسكرية واقتصادية وفكرية، في حين يعتقد آخرون أن جذوة “الربيع العربي” لم تنطفئ بعد، وأنها ليست حتى على وشك الانطفاء.

وبعيداً عما آلت إليه الأمور في الوقت الحالي، فإن العالم كله يعلم أن المنطقة بعد العام 2011 لم تعد كما كانت قبله، بل ويمكن القول إنها لن تكون أبدًا؛ إذ إن متغيرًا هامًا دخل على معادلة المنطقة؛ وهو أن شيئًا ما في علاقة الشعوب بالعسكر قد انكسر.

غير أن الصورة العامة للأوضاع في تلك البلدان التي ضربتها الثورات فجأة، تشي بأن الحديث عن تعثر هذه الثورات قد يكون أقرب للدقة من الحديث عن فشلها، تماماً كما أن الحديث عن تحريك هذه الحركة التاريخية ولو لشيء بسيط في بحيرة السياسة العربية المائلة دائماً نحو الركود، هو أقرب للدقة من الحديث عن أنها لم تغيّر شيئًا.

وقبل جرائم الجيش في فضي اعتصامي رابعة والنهضة في القاهرة وما تلاها من مجازر في سيناء وإعدامات، يتذكر المصريون صور الاعتداء على “فتاة التحرير” وتجريدها من ملابسها من قبل قوات الجيش، فى الاشتباكات التى هزت ميدان التحرير بوسط القاهرة منذ يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011، وكان المجلس العسكري رفقة المخابرات الحربية يديرون المشهد.

وتؤكد فتاة التحرير التي انتشرت صورها كالنار في الهشيم وقتها، أو الطبيبة الصيدلانية “غادة كمال” إن ما جرى معها ومع غيرها كان أكثر قسوة حتى مما نقلته الصور، وتقول “لا أحد يعرف لماذا يرتكب المجلس العسكرى كل هذا العنف ضد المتظاهرين”.

الجيش يسحل الشعب

بدأ كل شيء حسبما تروى غادة عندما شاهدت مع بعض المعتصمين من النشطاء سياسيين وأهالي شهداء ثورة 25 يناير اثنين من أفراد القوات المسلحة الملثمين وهما يشيران بحركات بذيئة للسيدات والفتيات المشاركات في الاعتصام، ثم جاء بعد ذلك بقليل انقضاض قوات الجيش على المعتصمين، ورأت غادة جنود يعتدون على إحدى الناشطات، فحاولت الدفاع عنها.

وتتذكر غادة “حاولت أن ألقى بجسدى عليها وكل ما أفكر فيه أن أجنبها بعضا من الضربات التي تتعرض لها”، وأصبحت غادة فى لحظات هدفا للضربات هي الأخرى، وتعرف عليها أثناء الاعتداء أحد الفردين ممن كانوا يستفزون المعتصمين سابقا، فأمر الجنود باعتقالها ، ليبدأ المشهد الذى نقلته الصور؛ حيث قام الجنود بسحل غادة على الأرض واقتادوها من شعرها إلى داخل مبنى مجلس الشعب.

يذكر أن المصادمات التى وقع خلالها الاعتداء على غادة بدأت يوم الجمعة حين حاولت قوات الشرطة العسكرية فض اعتصام نشطاء سياسيين وأهالي شهداء ثورة 25 يناير لدى مقر مجلس الوزراء ، الأمر الذى تفجرت من بعده اشتباكات دموية أوقعت حتى الآن اثني عشر شهيدا ومئات الجرحى.

Facebook Comments