لا تكمن قيمة الراحل السفير إبراهيم يسري الذي فارق عالمنا يوم الإثنين في معاركه الكبرى التي خاضها فقط بل في استمرار عطائه حتى أنفاسه الأخيرة، لم يمنعه عن ذلك مرضه أو شيخوخته، في تطبيق مباشر للحديث النبوي الشريف “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.

قبل يومين من وفاته كان الفقيد على خط حوار وطني جديد داعما ومؤيدا كعادته، ويوم الخميس الماضي وفي ذكرى عيد ميلادة التاسع والثمانين كان متفاعلا مع محبيه ومتابعيه عبر الفيس بوك وتويتر، ناقلا أبيات كامل الشناوي التي غناها فريد الأطرش (جئت يا يوم مولدي عدت أيها الشقي.. الصبا أفلت من يدي وغزا الشيب مفرقي.. ليتك يا يوم مولدي كنت يوما بلا غد)، وكأنما كان الرجل يرثي نفسه بتلك الأبيات، وطيلة تردده على المستشفى للعلاج كان حريصا على طمأنتنا أولا بأول عن حالته الصحية.

كان الرجل بحق نموذجا للعطاء بلا حدود، ورغم ولوجه التسعين من العمر إلا أنه كان يبدو أكثر شبابا وتدفقا من كثيرين لا يزالون في عقد الثلاثينات أو الأربعينات، بكثرة مبادراته، وأفكاره الجريئة التي كان يمكن أن تعرضه لما لا يحمد عقباه، لكنه لم يكن يأبه لتلك التبعات، فقد كان كما حكى لي أكثر من مرة يتوقع القبض عليه في أي لحظة.

لذلك فإنه أعد للأمر عدته، وجهز حقيبته، وحين تداعى عدد من الرموز المناهضة للانقلاب لتأسيس الجبهة الوطنية قبل عامين وكان هو في طليعتهم، لم يجدوا خيرا منه ليكون على رأس هذه الجبهة، لكن الخوف ساورهم عليه وهو الذي يقيم في مصر تحت قبضة رجال السيسي، إلا أن الرجل تصدى للمهمة بكل شجاعة، ولم يشغل نفسه بما يمكن أن يصيبه من أذى، وشارك بكلمة في المؤتمر الصحفي لتأسيس الجبهة.

وقبل مشاركته في تأسيس الجبهة الوطنية كان الراحل قد شارك في تأسيس وترؤس جبهة الضمير التي تأسست في مرحلة الاستقطاب السيسي في عهد الرئيس مرسي عقب تأسيس جبهة الإنقاذ، وكانت جبهة الضمير تحت قيادته هي صوت العقل والاعتدال في المشهد المرتبك والملتهب، كما أن الراحل أعلن من داخل بيته في المعادي بيان القاهرة الذي شاركه فيه أيضا بعض الرموز الوطنية في مايو 2014، ورغم الخطر الذي كان يتهدده دوما إلا أنه أصر على البقاء في مصر، ورفض أن يلحق بأبنائه في الولايات المتحدة.

لم يبخل الراحل بالنصيحة للساسة والإعلاميين المناوئين للحكم العسكري، لم يرفض طلبا للتعليق في أي قناة، ولم يتوان عن إرسال ملاحظاته ونصائحه لتطوير أداء هذا الإعلام، وكم كان يحزنه ذلك التلاسن بين بعض الرموز المناهضة للإنقلاب داعيا إياها لتوحيد صفوفها، وتصويب بوصلتها لإنقاذ مصر من هذا الحكم العسكري الفاشي.

معارك وطنية عديدة خاضها السفير إبراهيم يسري من خلال عمله الدبلوماسي كمساعد لوزير الخارجية للقانون الدولي والمعاهدات الدولية حيث عارضت الخارجية في منتصف الثمانينات (بدفع منه) إقامة قاعدة أمريكية في رأس بناس كما عارضت مرور سفن أمريكية نووية في قناة السويس (قبل أن تسمح أوامر عليا بذلك)، كما أنه كان عضوا فاعلا في مفاوضات طابا وهو الموقف الذي تذكرته له سلطة الإنقلاب فأرادت استمالته من خلال منحه وساما رفض أن يستلمه من “المؤقت” عدلي منصور حتى لا يعد ذلك اعترافا بالانقلاب أو قبولا ضمنيا به.

وتصاعدت المعارك القانونية عبر ساحات القضاء منذ تقاعده عن العمل الدبلوماسي عام 1995، وكانت أشهر تلك المعارك هي دعواه التي أقامها ضد الحكومة لإلغاء الاتفاقية السرية لتوريد الغاز لإسرائيل، ولم يقتصر الأمر وقتها على دعوى قضائية بل امتد إلى تدشين حملة شعبية بعنوان (لا لتصدير الغاز لإسرائيل) تضامن معها الآلاف من المصريين ، ورغم التشويه الذي تعرض له الرجل في أيام مبارك بسبب تلك الحملة إلا أن القضاء أنصفه عقب ثورة يناير حيث حكمت المحكمة الإدارية العليا برفع أسعار الغاز المصدر لإسرائيل، وتقنين كمياته بحيث يسد الاحتياجات المحلية أولا.

كما أقام السفير يسري دعوى قضائية ضد إقامة السور الفولاذى على حدود غزة وإغلاق معبر رفح، ودعوى ضد إغلاق الشوارع المحيطة بمنزل السفير الإسرائيلي في المعادى والسفارة الأمريكية في جاردن سيتى، ودعوى ضد خصخصة الشركة المصرية العامة للبترول، ودعوى لإلغاء  التعاقد مع شركة بريتش بتروليم لاحتكار أكبر حقول الغاز لمدة 20 عاما، وتحويل مصر إلى مستورد لثروتها الطبيعية بشروط مجحفة، كما تقدم ببلاغ للنائب العام المصري يطلب فيه اعتقال نتنياهو عند زيارته لمصر لمسئوليته عن مقتل 1500 فلسطينى وإصابة الآلاف في هولوكوست غزة، كما شارك السفير يسري بفاعلية في المعركة القضائية حول تيران وصنافير.

كانت آخر المعارك التي خاضها الرجل ولم يكملها هي دعواه ضد اتفاقفية سد النهضة التي وقعها السيسي مع أثيوبيا والسودان والتي تعطي شرعية لبناء سد النهضة، بما يمثله ذلك من مخاطر واضحة على مصر وحرمانها من جزء كبير من حصتها المائية المقررة باتفاقات دولية، وكذا دعواه ضد اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي حرمت مصر من 3 حقول للغاز في شرق البحر المتوسط لصالح إسرائيل وقبرص، وقد وجه الرجل نداء لزملائه وتلامذته المحامين لاستكمال هاتين المعركتين بعد أن أصبح عاجزا عن الحركة والذهاب إلى المحكمة، واضعا بين أيديهم كل المذكرات القانونية التي أعدها دفاعا عن حق مصر في مياه النيل وفي غاز المتوسط.

لم يقتصر اهتمام الرجل وعطاؤه على القضايا الوطنية المصرية بل تجاوزها إلى القضايا العربية والاسلامية والدولية الأخرى، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وكان للثورتين السودانية والجزائرية، ولتداعيات الأوضاع في ليبيا اهتمام خاص لديه، حيث حرص على توجيه النصح للثوار في تلك الدول لتجنب خدع العسكر وألاعيبهم، داعيا إياهم للحفاظ على الدماء الوطنية الغالية، واستكمال ثورتيهم حتى تحققان أهدافهما.

مات إبراهيم يسري ولكن أحلامه بانتصار ثورة يناير وغيرها من الثورات العربية لم تمت، وفارق الرجل دنيانا لكن حلمه في توحد القوى الوطنية ظل صعب المنال، ولعل أعظم هدية يمكن إهداؤها إلى روحه الطاهرة هو تحقيق هذا الحلم (توحيد قوى المعارضة) الذي سيكون هو الطريق لتحقيق الحلم الأكبر بانتصار الثورة ومبادئها، وتأسيس دولة مدنية حديثة بديلا للدولة العسكرية القائمة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

فيسبوك