ما الذى جعل دولة مثل "إثيوبيا" تتحدى مصر وبهذه الطريقة الفجة، على المستويين الرسمى والشعبى؟ وما الذى جعل النظام المصرى عاجزًا عن الرد مقيد الحركة؟ الحقيقة هو الفرق بين نظامين وشعبين؛ نظام ديمقراطى منتخب، فى مقابل نظام مستبد منقلب. فى النظام الأول تجد الشعب كله، على اختلاف طوائفه وأعراقه، مصطفًّا حول قيادته معلنًا تقديم التضحيات لأجل إنجاح قضيته، أما النظام الثانى فشعبه منقسم، والغالبية لا تثق به لانتفاء الشفافية، ولأنه كثيرًا ما أبرم اتفاقات من وراء ظهره باع خلالها الماء والأرض والغاز.

 

عشرات الصفحات الإثيوبية (بالعربية) دشنها شباب إثيوبيا، يتحدثون فيها بلغة وطنية صرفة، بعيدًا عن تقديس المسئولين وعن التغنى بحضارة الأسلاف وعن "تحيا إثيوبيا 3 مرات"، إنما دعمًا لقضيتهم التى يعتبرونها أولى خطوات النهضة القومية. ولم تسلم تلك الصفحات من ألسنة لجان إلكترونية مصرية لا تجيد سوى السب والشتم والتهديد، فيكون الرد مزيدًا من الحجج والأدلة التى تؤكد حقهم فى بناء السدود وحجز المياه، إضافة إلى التندر والسخرية من المصريين الذين يستقوون بنظامهم الذى لا يمارس قوته إلا عليهم.

 

إذًا نحن أمام نظام أدار القضية باقتدار، نجح فى الإيقاع برأس النظام الآخر حتى حصل على توقيعه ليتم بناء السد، ثم هو الآن يتجهز لملئه وتشغيله، غير آبه بهذا الطرف الذى لا يشغله هذا السد وما ينتج عنه من كوارث قدر انشغاله بالقبض على الإخوان ومنع عودتهم إلى الساحة. وإدارة القضية تعنى التخطيط لها منذ زمن، وتوقع ردات الفعل عليها، واستغلال الأجواء العامة لكسب متعاطفين جدد، والعمل على العديد من المحاور. لقد استطاعت إثيوبيا تحييد السودان، رغبًا ورهبًا، وعقدت معاهدات عسكرية مع روسيا التى أمدتها بأنظمة حديثة للدفاع الجوى، غير صداقتها المتينة مع الكيان الغاصب، ثم انظر إلى عدد الدول المانحة والشركات الدولية التى أسهمت فى بناء السد لتدرك أن موقفنا أضعف مما تتخيل؛ ما جعل الطرف الإثيوبى يملى علينا شروطه المتعسفة.

 

فى جلسات المشاورات التى انتهت أول أمس، قلبت إثيوبيا الطاولة؛ بتقديمها ورقة تقول ضمنًا "لا للمفاوضات وحتمًا ستقبلون بالأمر الواقع"، وفى تفاصيل الورقة كوارث بما تعنيه الكلمة؛ حيث طلبت أن تتخلى دولتا المصب (مصر والسودان) عن حقوقهما التاريخية فى مياه النهر، وأن يعترفا لها بحق غير مشروط فى استغلال النيل الأزرق بشكل أحادى، مؤكدة أنها لن تقدم أى ضمانات للدولتين فى فترات الجفاف.

وإذا وضعنا ما جاء فى هذه الورقة مع تصريحات لمسئولين إثيوبيين أطلقوها مؤخرًا تأكدنا أن الأمر قد حُسم، وأن إثيوبيا تتحدث بلسان الثقة، وأن ليس أمامنا إلا انتظار الموت عطشًا. لقد صرح نائب رئيس الأركان (أن الشعب الإثيوبى شعب بطولى لا يخاف الموت، وهذه حقيقة تعرفها مصر.. وأن جميع مفاتيح النصر فى أيدينا، ولن تستطيع مصر دخول الأراضى الإثيوبية)، أما رئيس الوزراء أبى أحمد فقال: (لن نركز إلا على سد النهضة، أرجو أن تفهمونا.. وقرار تعبئة السد لا رجعة فيه).

 

وكيف تعامل النظام الانقلابى مع الأزمة منذ البداية؟ قام رأسه –كما ذكرت- بالتوقيع فى 23 مارس 2015م على اتفاقية المبادئ التى أهدرت حقوقنا التاريخية فى مياه النهر، وسمحت بإقامة السدود، وما تم هذا التوقيع إلا لكسب شرعية فى الحكم، وبضغوط من عواصم كبرى اعتادت الضغط عليه. أما بعد التوقيع فكان هناك تعتيم مقصود على القضية وعدم تداولها على الشعب، والتهوين من مخاطر السد على مصر وأنه لتوليد الكهرباء وليس لحجز المياه، وخزعبلات أخرى مثل أنه بُنى على أرض هشة وسينهار قريبًا، إضافة إلى الحديث عن امتلاكنا لمخزون ضخم للغاية من المياه الجوفية لا نحتاج معه لمياه النيل، وحديث آخر عن استعدادات القوات المسلحة لتحلية مياه البحر..

 

والآن.. لا تجد ردة فعل تناسب الحدث، اللهم إلا عددًا محدودًا من الإعلاميين و"خبراء النظام!" الذين شخصوا القضية فى "أصابع الإخوان" و"تركيا" التى تلعب فى إثيوبيا –إى والله حدث هذا. قالها "جمال الدين حسين" وغيره، وأكدها الخبير الدكتور "هانى رسلان"، مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام والمتخصص فى ذات القضية؛ حيث قال: (جماعة الإخوان "الإرهابية" تقوم بإدارة صفحات إثيوبية باللغة العربية للوقيعة بين البلدين، وكذلك تبث "الجزيرة" سمومها)، وفى حين يتحدث "رسلان" وغيره من المصريين بهذه اللغة يتحدث الإثيوبيون بلغة أخرى؛ فقد رد أحدهم على "رسلان" قائلًا: (سد النهضة لن يضر مصر، بل ستنال حصتها، ولكن لا يمكنها التمتع والإسراف بحقنا بعد الآن؛ لأن أولاد إثيوبيا الأيتام قد بلغوا الحُلم، وآن لهم أن يأخذوا حقوقهم)، وهذا هو الفرق بين مستشار نظام انقلابى ومواطن فى بلد ديمقراطى، أحدهم يتحدث بلسان العقل والمنطق، والآخر يبحث عن شماعة لتبرير خطايا نظامه.  

Facebook Comments