كشفت مصادر عن أن الانفراجة التي شهدتها المباحثات بين الجانبين المصري والأثيوبي حول بناء سد النهضة ، في الآونة الأخيرة وأسفرت عن اتفاق على عقد اجتماع في القاهرة على مستوى وزراء مياه وخارجية الدولتين بمشاركة السودان، قد تم إلغائه مؤخرا، بقرار أثيوبي أحادي، رغم أهمية الاجتماع لتحريك المياه الراكدة في ملف السدّ، وفوجئ الجانب المصري برفض أديس أبابا في اللحظات الأخيرة، ليتم إلغاء المؤتمر الذي كان مقرراً عقده في مارس الحالي.

يأتي القرار الإثيوبي بمثابة صفعة على وجه قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، حيث كان الاجتماع بدعوة شخصية منه خلال الاجتماع الثلاثي الذي جرى بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس السوداني عمر البشير في أديس أبابا على هامش تسلم مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي أخيراً، وتأكيد السيسي على ضرورة التوصل لرؤية تعاونية ومتوازنة لملء السدّ وتشغيله من أجل تحقيق مصالح وأهداف البلدان الثلاثة دون مساس بحقوق بعضها البعض.

وبحسب البيان الختامي للاجتماع، أعرب القادة الثلاثة عن عدم الإضرار بمصالح شعوبهم، وعن العمل المشترك لتحقيق التنمية لشعوب البلدان الثلاثة، من خلال التوصل إلى توافق في الآراء بشأن القضايا التقنية المعلقة، مع مراعاة أن البلدان الثلاثة تشارك في هذه المسألة بنفس القدر.

صدمات مصرية

ونقلت صحيفة “العربي الجديد”، عن مصادر مصرية وسودانية، اليوم السبت، أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ فوجئ الجانب المصري أمس الجمعة، بتصريحات نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية، لمسؤولين في المكتب المكلف بإدارة أعمال بناء السدّ، أكدوا فيها أن الفترات السابقة شهدت عدم الكشف عن كثير من المعلومات والبيانات الخاصة بالسدّ، وقال المسؤولون إن “المكتب ينشط حالياً لخلق الثقة لدى المواطنين، نتيجة إخفاء معلومات حول السدّ لسنوات عديدة، لكنه سيكون مسؤولاً عن كشف كل الخطوات عن السدّ بالنسبة للشعب من الآن فصاعداً.

وأكد تقرير نشرته الصحيفة إن القرار الأثيوبي هو استمرار للصدمات المصرية الخاصة بأزمة ملف سدّ النهضة الإثيوبي، خاصة وأنه مع كل تصريح رسمي مصري بوجود انفراجة، ربما يخفف من وطأة التأثيرات السلبية للسدّ على المصريين، سرعان ما تتكشف الأمور سريعاً، بمماطلة من جانب أديس أبابا تعطل كافة التحركات.

اجتماع رفيع المستوى

وأضاف التقرير أن التصريحات بإلغاء الاجتماع جاءت في أعقاب اجتماع رفيع المستوى لقيادات وزارة المياه والطاقة في إثيوبيا، مساء الأربعاء الماضي، مع شركات المقاولات العاملة في بناء سدّ النهضة، حيث التقى وزير المياه سلشي بيكيلي بالمقاولين الذين تم اعتمادهم حديثاً، والمستشارين القدامى، لبحث عملية التنسيق لبناء السدّ معاً، وتناول الاجتماع كيفية عمل كل مقاول، والتحديات التي يواجهها، وكيفية حلّ تلك التحديات، وسبل تنفيذ عمليات البناء وفقاً للخطط الزمنية الموضوعة.

ونقلت وكالة الأنباء الأثيوبية عن بيكيلي خلال الاجتماع، إن “يوم بدء المرحلة الأولى لإنتاج الطاقة ينتظره الشعب الإثيوبي والحكومة الإثيوبية بشوق”، وحثّ المقاولين على التشاور حول عملية البناء ومناقشة المشاكل التي يواجهونها، ليكونوا قادرين على الانتهاء من الأعمال في أقرب وقت ممكن.

وبدأت أديس أبابا أخيرا مناقشات موسعة مع خبراء وفنيين ومسؤولين إثيوبيين لتقييم وضع المشروع خلال الفترة الماضية، بعدما تكبّدت خسارة بنحو 800 مليون دولار بسبب التأخير في بناء السدّ.

كان بيكيلي قد قال في تصريحات سابقة، أن إثيوبيا ستبدأ إنتاج الطاقة من سدّ النهضة الكبير في ديسمبر 2020، موضحاً أن الإنتاج الأولي المزمع سيبلغ 750 ميغاوات، باستخدام توربينين اثنين، ولفت إلى أن الحكومة تتوقّع أن يدخل السدّ الخدمة بشكل كامل نهاية 2022.

عواقب إنسانية

كما حذر تقرير صادر عن مركز أبحاث “مجموعة الأزمات الدولية”، الأسبوع الماضي، من “عواقب إنسانية” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لتقاسم الموارد بين مصر وإثيوبيا التي تبني سدّ النهضة، الذي يُعدّ أكبر سدود قارّة أفريقيا.

وأكد أن “مخاطر الفشل في العمل معاً صارخة وقد تُخطئ الأطراف بالتحوّل إلى نزاع تنتج عنه عواقب إنسانيّة وخيمة”، موضحا أن أديس أبابا تؤكد أن السدّ مشروع تنموي وطني مهم، في حين ترى القاهرة أن تعطيل تدفّق النهر سيُمثّل “تهديداً وجودياً”.

وقال التقرير إن تشغيل السدّ المتوقع أن ينتج نحو 6000 ميجاوات، سيهدد ملايين المزارعين المصريين وكذلك إمدادات الغذاء في البلاد. ودعا معدّو التقرير للتوصل إلى اتفاق أكثر شمولاً بين دول حوض النيل، لتفادي نزاعات مستقبلية تأتي بثمن اقتصادي وبيئي باهظ.

في الوقت الذي يشكل عدد سنوات ملء خزان السدّ أبرز نقاط الخلاف المندلعة بين القاهرة وأديس أبابا. ففي الوقت الذي تتمسك فيه إثيوبيا بأن تتم عملية الملء على مدار 3 سنوات، تقترح مصر أن يتم ذلك على مدى 15 سنة بسبب قلقها إزاء تأثير هذا الأمر على حاجاتها من المياه.

البنك الدولي

ونقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر دبلوماسية سودانية، أن مشاورات مصرية سودانية جرت أخيراً، بحثت مبدأ اللجوء إلى طرف دولي حاكم في المفاوضات، مشيرة إلى أن مصر تريد إعادة طرح مطلبها الخاص بإشراك البنك الدولي في المفاوضات باعتباره طرفاً أصيلاً، إذ يشارك في تمويل السدّ، عبر منح حصلت عليها أديس أبابا.

يشار إلى أن إثيوبيا كانت قد أطلقت في إبريل 2011 مشروع سدّ النهضة الذي يتم تشييده في إقليم بني شنقول، على بعد أكثر من 980 كيلومتراً عن أديس أبابا، ووعدت بإنهائه في 5 سنوات، قبل أن تُقر أخيراً بتأخر أعمال البناء في السدّ بسبب تغييرات في التصاميم، وتأخر الأعمال الكهروميكانيكية بسبب عمليات فساد من جانب شركة “ميتيك”، التي كانت تشرف على المشروع قبل أن يتدخل رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد ويبعدها عن المشروع. ووفق وكالة الأنباء الإثيوبية، فإن تأخر البناء جاء بسبب “تغييرات في التصميم”، ما أدى إلى تأخير الأعمال الكهروميكانيكية.

Facebook Comments