من جديد عادت أزمة فشل إدارة مسئولي دولة العسكر فى ملف “سد النهضة” إلى الصدارة، بعدما شهد الاجتماع الأخير فشل مصر والسودان وإثيوبيا، أمس السبت، في التوصل إلى اتفاق حول سدّ النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل، ومن المقرّر أن يؤثّر على حصّتي مصر والسودان من المياه.

فى حين قالت وزارة الموارد المائية والري بدولة الانقلاب في مصر، إن مفاوضات سد النهضة “وصلت إلى طريق مسدود”؛ نتيجة لتشدد الجانب الإثيوبي ورفضه كافة المقترحات التي تراعي مصالح مصر المائية.

وجاء بيان وزارة الموارد المائية عقب اجتماع لوزراء الموارد المائية من مصر والسودان وإثيوبيا، في العاصمة السودانية “الخرطوم”.

وأُعلن عن سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تبلغ تكلفته أربعة مليارات دولار في عام 2011، وتم تصميمه ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في إفريقيا، من خلال توليد كهرباء تصل إلى أكثر من 6000 ميغاوات.

وتدّعي السلطات الإثيوبيّة أنّ السد يحمل منافع اقتصادية لإثيوبيا والسودان، لكن مصر تخشى أن يقيد الإمدادات المحدودة بالفعل من نهر النيل الذي تُستخدم مياهه في الشرب والزراعة والصناعة.

وفى محاولة لامتصاص الغضب، غرّد المنقلب عبد الفتاح السيسي على حسابه بفيسبوك قائلا: “أؤكد أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها ملتزمة بحماية الحقوق المائية المصرية في مياه النيل، ومستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي وفى إطار محددات القانون الدولي لحماية هذه الحقوق”.

ليرد عليه وزير خارجية إثيوبيا «جيدو أندرجاتشيو»، والذى قال وفق ما كتبه الإعلامي عبد الفتاح فايد، مدير مكتب الجزيرة مباشر بالقاهرة على حسابه بفيسبوك: “‫الخلاصة في موضوع سد النهضة ما قاله وزير خارجية إثيوبيا بالنص: إن السيسي وقع على اتفاق السد، وإن الحكومة المصرية وافقت على كل شيء، وما تقوله لشعبها مجرد استهلاك إعلامي..‫ هل سمعتم عن أحد يوقع اتفاقًا ثم يتفاوض بعد ذلك؟ ‫حتى هذه المفاوضات المزعومة جزء من ديكور الإلهاء الإعلامي”.

 

فشل منقطع النظير

وفي وقت سابق، نقلت “العربي الجديد” اللندنيّة عن مصادر دبلوماسية مصرية أنّ الدول الغربية التي دُعي سفراؤها إلى اجتماع مع مساعد وزير الخارجية المصري للشئون الإفريقية، حمدي لوزا، الشهر الماضي، لإطلاعهم على موقف المفاوضات المتعثر “لم تبد حتى الآن مواقف واضحة بشأن الضغط على أديس أبابا”، ولبعض الدول، مثل إيطاليا وفرنسا، مصالح مباشرة في استمرار العمل بوتيرة متسارعة في السدّ بمشاركة بعض مستثمريها، بينما تنظر دول أخرى إلى إثيوبيا كدولة واعدة بنظام سياسي حديث يمكن الرهان عليه والتعاون معه والاستثمار فيه.

وذكرت المصادر أنّه لا توجد في الأفق أي بادرة للقاء حاسم بين السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، نظرًا لاتساع الفجوة بين الواقع العملي والتصريحات التي يدلي بها الأخير في المناسبات المختلفة.

وبحسب المصادر، فإنّ “خبراء الري يرون أنّ المعالجة السياسية للقضية منذ توقيع الاتفاق الثلاثي في مارس 2015 لا تسير بشكل صحيح، لأنها تركز على الخطابات الدعائية، لا على الأرقام والإحصائيات”، وأن حل القضية حاليًا يتطلب “تغييرًا جذريًا في سياسة مصر” ويتطلب أيضًا “حلًا سياسيًّا بالدرجة الأولى”.

 

استجداء ترامب

في وقت سابق، قالت رئاسة الانقلاب المصرية- في بيان لها- إنها تتطلع لقيام الولايات المتحدة بدور فعال، خاصة في ضوء وصول المفاوضات بين الدول الثلاث لطريق مسدود. ورحبت الرئاسة المصرية بالتصريح الصادر عن البيت الأبيض بشأن المفاوضات الجارية حول سد النهضة، حيث ذكر بيان للبيت الأبيض أن الإدارة الأمريكية تدعم المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق تعاوني ومستدام.

من جانبه، حذر مركز أبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” من “خطر تحوّل أزمة المياه إلى نزاع تنتج عنه عواقب إنسانية حادة” إذا لم يتمّ التوصل إلى اتفاق لتقاسم الموارد بين مصر وإثيوبيا.

وتخشى مصر من أن المرحلة الأولى من عملية ملء خزان سد النهضة إذا تزامنت مع فترة جفاف شديد في النيل الأزرق في إثيوبيا ستؤدي إلى تراجع كبير بمنسوب المياه في السد العالي بأسوان، بما يجعلها عرضة لخسائر اقتصادية وإنسانية ضخمة، وفقا لوزارة الخارجية المصرية.

على الجانب الآخر تتمسك إثيوبيا بسعيها لعدم إضاعة مزيد من الوقت، بعد تعثر العمل على إنهاء السد لبضعة شهور لأسباب لوجستية وفقا لإعلان رئيس الوزراء الإثيوبي، من أجل بدء توليد الكهرباء في أقرب فرصة ممكنة.

وتتوقع الخبيرة بالشأن السوداني إيناس مزمل، أن يلعب السودان دور الوسيط لتهدئة الأمور بين مصر وإثيوبيا “مع حفظ مصالحه كطرف أساسي في المشكلة”، مع استبعاد الحل العسكري حيث تقول: “الإقليم كاملا بما فيه السودان يميل إلى تحقيق الاستقرار، بما يعني استمرار المفاوضات لفترة أطول لحين الوصول لشكل من أشكال التوافق قبل تشغيل السد، حتي إن كان هذا التوافق غير مرضي بشكل كامل لجميع الأطراف”.

كوارث بالجملة

الباحث نادر نور الدين علق بقوله: إن من أهم النتائج المترتبة على بناء سد النهضة على الاقتصاد المصري رفض إثيوبيا الالتزام كتابة عبر معاهدة جديدة بتحديد حصة ثابتة للمياه لمصر تلتزم بها مستقبلا ولا تمس الحقوق المكتسبة لمصر وما تستقبله من مياه عبر آلاف السنين، وبالتالي فإن حصة مصر من النهر غير محددة، وهي في مهب الريح والتناقص المتتالي مستقبلا.

“نور الدين” ذكر أن من ضمن تداعيات سد النهضة هو احتمال اختفاء الأسماك من نهر النيل لفترة قد تمتد إلى خمس سنوات؛ بسبب حجز الطمى وعوالق مياه النهر خلف السد الإثيوبي ونقص التنوع الإحيائي المائي، وتقليل مساحات الزراعات ذات الاحتياجات المائية المرتفعة في مصر مثل القصب، وبالتالي زيادة فجوة السكر (32 % حاليا) وتقليل مساحات الأرز، وهو محصول الحبوب الوحيد الذي تكتفي منه مصر ذاتيا، ومعه البرسيم وبنجر السكر والموز والخضراوات الورقية، بالإضافة لتقليل حصة مصر السنوية من مياه النيل بكمية تتراوح بين 10ـ 12 مليار متر مكعب سنويا، ما يكفي لزراعة 2.5 مليون فدان، وبالتالي ستنقص المساحة الزراعية بنفس النسبة.

كما أشار إلى نقص كميات مياه النيل المتدفقة إلى البحر المتوسط، وبالتالي زحف مياه البحر المالحة إلى أراضي الدلتا والمياه الجوفية، وإيقاف جميع مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي في مصر وحصول نقص كبير في كميات مياه المصارف الزراعية التي تعيد مصر استخدامها في الري مرة أخرى.

Facebook Comments