وكأنّ دماءهم ماء وكأن أرواحهم هواء، وكأنهم لا أسماء لهم ولا جنسية ولا امتداد لأنفاسهم المثقلة بالقهر والتعب في عروق الوطن، تجاهلهم إعلام العسكر ولم يرد ذكرهم في أيّ] من نشراته ولا برامجه التي تطنطن على مدار الأربع وعشرين ساعة بوطنية جنرال الخراب، وهكذا قُتل في صمت مريب 4 عمال مدنيين، أمس السبت، في هجوم شنه مسلحون قرب مطار العريش، بمحافظة شمال سيناء.

جاء ذلك حسب وسائل إعلام عربية وأجنبية عدة، وغابت المواقع الإخبارية والفضائيات التي تديرها المخابرات المصرية عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، باستثناء نقل الوكالة المصرية الرسمية بيان إدانة بحريني يشير إلى الحادث، دون تفاصيل!

الخبر ذكرته البحرين!

وقالت الخارجية البحرينية في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية لبلادها: إنها "تدين بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف مبنى حكوميًا قرب مطار العريش"، وأشارت المنامة إلى أن الحادث أدى إلى "مقتل وإصابة عدد من الأشخاص"، مؤكدة دعمها لانقلاب جنرال إسرائيل السفيه السيسي في "مواجهة الإرهاب".

وفي وقت سابق اليوم، أفاد إعلام عربي بينه فضائية "العربية" الإخبارية، بأن مسلحين مجهولين استهدفوا سيارتين تقلاّن عمالاً مصريين قرب مطار العريش، وليس مبنى كما ذكر بيان الإدانة البحريني، وأسفر الحادث الذي لم تنقله وسائل إعلام مصرية، عن مقتل 4 عمال وإصابة آخرين، وفق المصادر ذاتها.

ولم تعلن أية جهة مسئوليتها عن الحادث ولا حتى "داعش" المخابراتية، التي تدير مخابرات السفيه السيسي فرعها في مصر المسمى بـ"ولاية سيناء"، وتشهد مصر تشديدات أمنية موسعة منذ قتل الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا بالبلاد، الذي وافته المنية الإثنين الماضي أثناء جلسة لمحاكمته بالقاهرة.

ويأتي ذلك أيضًا بالتزامن مع استنفار أمني واسع مع انطلاق بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم، ويفتح حادث مقتل العمال الأربعة وسكوت إعلام السفيه السيسي عن ذكرهم، الحديث مجددا عن مقايضة سيناء وهي واحدة من الأفكار التي أشار إليها الصحفي مايكل وولف، في كتابه النار والغضب، والتي قال إن "إدارة ترامب تعمل عليها كجزء من صفقة القرن".

وتقع شبه جزيرة سيناء في موقع تاريخي بين مصر وفلسطين، وتضمّ حاليا منتجعات على الساحل الجنوبي الذي تغمره الشمس، وأيضا يوجد بالمناطق الوعرة منها تنظيم داعش المخابراتي، والتي تحوّلت إلى ساحة معركة مفتوحة بين الجيش و"داعش".

حصة السيسي!

ظهور "داعش" المسرحي في سيناء، والزعم بأنهم الذين اسقطوا طائرة الركاب الروسية، أسهم في زيادة التنسيق بين الجيش والاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تحرّكات مشتركة لتدمير أنفاق الإمدادات من وإلى مدينة غزة المحاصرة، وعلى الرغم من أن معاهدة الاستسلام الساداتية الإسرائيلية تعود إلى أيام السادات، فإن التعاون المباشر بين العسكر والصهاينة بقي محل إثارة للجدل.

ويقول مهند صبري مؤلّف كتاب "سيناء.. عماد مصر، حياة غزة، كابوس إسرائيل: "إن المئات من المدنيين قُتلوا، بينهم نساء وأطفال، ودُمّرت البنى التحتية من قبل الجيش المصري، بالإضافة لتدمير المئات من الأشجار المثمرة في مزارع يملكها السكان المحليون".

وعلى الرغم من الانتقادات التي توجه للسفيه السيسي بسبب ملفه في مجال حقوق الإنسان، فإن مقايضة سيناء ومنحها وطنا بديلا للفلسطينيين وفق اتفاق القرن بات أمر مُسلّم به، فهو وزير الدفاع الذي قاد انقلاباً على الرئيس الشهيد، محمد مرسي، عام 2013، وشنّ بعد ذلك حمل موسّعة لقمع معارضيه حفاظا على أمن المواطن الإسرائيلي.

وتُعدّ شبه جزيرة سيناء منطقة مهمة لخطط الصهاينة عبر ذراعهم السفيه السيسي، فالعسكر يتعاملون مع إسرائيل وقبرص عبرها، ومن ثم فإنهم يحتاجون إلى مناطق سرية آمنة غير مأهولة بالسكان، خاصة مع تنامي الحديث عن وجود مخزونات غازيّة في منطقة شرق البحر المتوسّط، تصل إلى نحو 120 تريليون قدم مكعب، بالطبع ستسرقها إسرائيل ويحصل السفيه السيسي على حصته.

تقول غيلا غمليل، وزيرة ما يسمى بـ"المساواة الاجتماعية" لدى الاحتلال، لصحيفة "إسرائيل"، إنها تفضّل إقامة دولة فلسطينية في سيناء بدلاً من التفكير بإقامة دولة بين إسرائيل والأردن، وبيّنت أنه "إذا كان لا بد من إقامة دولة فلسطينية فعلية فإن هذا سيكون مشكلة إقليمية ليس فقط بالنسبة إلى إسرائيل"!

Facebook Comments