كشفت نوايا قائد الانقلاب بيع الباحثين المصريين المتفوقين وتصديرهم للغرب مقابل “نسبة” من أرباحهم، عن حجم الانحطاط الذي بلغته سلطة الانقلاب للمتاجر في كل شيء وتحميله الي بيزنس يربح من وراءه العسكر، كما كشفت بالمقابل حجم الانهيار في مجال البحث العلمي الذي اهتم به الرئيس محمد مرسي وجاء السيسي ليخسف به الأرض بحسب الأرقام والإحصاءات الرسمية.

وكان قائد الانقلاب الذي اعترف ان مشاريعه فنكوش بقوله: “بنعلن عن مشاريع كتير جدا جدا لكن على أرض الواقع نسبة كبيرة جدا منها مبتمش”، أعلن عن مزاد لبيع علماء مصر والكفاءات والعقول، خلال كلمته في جلسة “مستقبل البحث العلمي” بمؤتمر الشباب الافريقي بأسوان مساء أمس. وبعدما أكد أن حكومته (التي تنفق بسفة على المؤتمرات والمشارع الوهمية) لا تنفق على تطوير البحث العلمي، واستمر في اتباع اسلوب الشحاتة: “تمويل ابحث العلمي بكان ومنين؟”، اقترح “تصدير الباحثين” للدول المتقدمة بدلا من رعايتهم والاستفادة منهم.

الأغرب ان قائد الانقلاب الذي اشتهر بالجباية ومد يده لجيوب المصريين بدلا من الانتاج والصناعة، قدم لـ «الدول المتقدمة» عرضاً غريباً يبيع بمقتضاه العقول المصرية قائلا: “لما يكون عندنا عقل متميز نبعتهولكم (تعلموه وتنفقوا عليه)، ولما ينجح في بحث علمي ما أدونا نسبة من عقله”!!.

وشرح مشروعه الغبي بقوله: “نرسل العقليات للدول المتقدمة ونتشارك مع الدول دي وناخد نسبة من علمه.. لو في علاج لمرض معين اخترعه مصري ناخد العلاج ده بنسبة مختلفة عن الدول التانية”.

من المسئول عن هجرة العقول؟

وأثارت تصريحات السيسي التي تحولت الي مضحكة وبابا للسخرية علي مواقع التواصل، عن هجرة العقول المصرية تساؤلات: ومن المسؤول عن تهجيرهم أصلا من بلدانهم؟ ولماذا نجحوا في الخارج ولم ينجحوا أو يسمح لهم بالنجاح في بلدانهم؟ وأليست هجرة العقول المصرية والعربية جريمة من طرفين أحدهما في الداخل يرسل والآخر هناك يستقبل، وهي ضمن الجزء الأخطر من جرائم التهريب والاتجار في البشر‬؟!

ويشير تصريح السيسي الغريب عن بيع الباحثين المصريين للغرب إلى اعتراف ضمني بوجود خلل داخل المنظومة المصرية بداية من التعليم، وانتهاءً بالإنفاق على البحث العلمي، ومرورا بدعم أصحاب المهارات الخاصة والمبتكرين من الطلبة والشباب، وعوامل أخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية أسهمت بشكل أو آخر في هجرة عقول مصر.

ليتحول بذلك هدف هذه المؤتمرات من تلميع السيسي الي السخرية بسبب تصريحاته العجيبة والمواقف الطريفة التي تحدث في مؤتمراته واستغلها النشطاء على مواقع التواصل للسخرية من السيسي وسلطة الانقلاب.

مقارنة بين عهد مرسي والسيسي

وتراجع حجم الانفاق بصورة ضعيفة للغاية من جانب سلطة الانقلاب على التعليم والبحث العلمي، فقد أعلنت أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا أن 0.72 هو نسبة الانفاق على البحث والتطوير من أجمالى الدخل القومي لعام 2015 وفقا للتقرير السنوي لمؤشرات العلوم والتكنولوجيا 2016.

وفي عهد الرئيس مرسي بلغت نسبة الانفاق على التعليم نحو 4.1% من الناتج القومي الإجمالي، بينما انخفضت في ظل الانقلاب الي 2.1% وحتى حين ارتفعت تدريجيا لم تصل سوي الي 4% من الناتج القومي الإجمالي، بحسب موازنة 2017/2018.

وبلغت الموازنة المخصصة للتعليم في عهد الرئيس مرسي نحو 93 مليار جنية، مقارنة بـ 37.6 مليون جنيه فقط في موازنة حكومة مبارك الاخير.

واحتلت مصر المركز 139 في جودة التعليم من بين 144 دولة خلال العام الذي حكم فيه الرئيس مرسي (بحسب أرقام يناير 2013) ولكن في العام الاول لسلطة الانقلاب أوضح تقرير التنافسية العالمية لعام 2013/ 2014، الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي احتلال مصر للمرتبة الأخيرة بين الدول في جودة التعليم الأساسي، حيث احتلت المرتبة 148، مما وضعها في الشريحة الأدنى من البلدان، ثم احتلت مصر المرتبة قبل الأخيرة في مؤشر التنافسية السنوي لعامي 2015 / 2016 بمجال التعليم في قائمة تضم 140 دولة.

ومنذ انقلاب السيسي وهو يركز في موازنات مصر علي دعم الجيش والشرطة وكافة الأجهزة القمعية والداعمة له مثل القضاء، بينما أهمل ميزانية التعليم والصحة وخدمات الموطنين وركز على الجباية والضرائب.

فمخصصات الداخلية في موازنة 2018/2019 على سبيل المثال، زادت 7 مليارات جنيه والوزارة طلبت 9 مليارات أخرى ونواب الانقلاب استدعوا وزيري المالية والتخطيط كي يوافقوا علي طلب الداخلية، ليصبح إجمالي مخصصات الوزارة بمشروع الموازنة 57.5 مليار جنية.

وكان المخصص للداخلية في مشروع الموازنة الجديدة 48.5 مليار جنيه، بزيادة سبعة مليارات جنيه عن موازنة العام المالي الجاري (2017/2018) التي كانت 41.4 مليار جنيه، وفي العام السابق (2017/2016) كانت 38 مليار جنيه، أي زادت 10 مليار في 3 سنوات ومع هذا يطالبون بـ 9 مليارات أخري.

وهذا بينما كانت موازنة الداخلية عام 2016/2015 تعادل 26.933 مليار جنيه، وعام 2014/2015 تقدر ب، 22.812 مليار جنيه، وقبل ثورة يناير كانت 18 مليار جنيه في العام 2010-2011.

مليون مصري طلبوا الهجرة

وفقا لبيانات وزارة الخارجية الأمريكية فقد كسرت مصر حاجز المليون متقدم للمرة الأولى، في تاريخ برنامج الهجرة العشوائية الأمريكي، حيث تقدم منها خلال العام الماضي مليون و274 ألفا و751 مصريا، مما جعل مصر تحتل المركز الخامس عالميا في قائمة أكبر الدول اتي يهاجر منها أهلها وهذا الرقم تتضح أهميته عندما نعلم أن عدد المصريين المتقدمين في 2011 حوالي 534.3 ألف مواطن، وفي 2007 نحو 558 ألف مواطن، وتلك زيادة كبيرة، مع الأخذ في الاعتبار نسبة الزيادة السكانية على مدار تلك السنوات.

كما كشفت دراسة أخرى أكثر دلالة ووضوح، أعدتها جمعية «عصر العلم» بالاشتراك مع أكاديمية البحث العلمي تؤكد أن معظم المبعوثين لاستكمال دراساتهم في الخارج لا يعودون إلى مصر، وتؤكد الدراسة ذاتها أن المتفوقين من الجامعات يهاجرون بمجرد حصولهم على شهادة التجنيد، كما أن هناك 30 ألف طالب مصري حاليا يستكملون دراساتهم الجامعية في أوروبا وأمريكا أمنيات معظمهم الحصول على جنسيات أجنبية وعدم العودة.

ونص الدستور الحالي على أن تخصص الدولة من الإنفاق الحكومي نسبة 1% من الناتج القومي الإجمالي للبحث العلمي، و2% للتعليم العالي، و4% للتعليم ما قبل الجامعي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية في العام المالي 2016/2017.

إلا أن مقترح الموازنة العامة المقدم من الحكومة الذي ناقشه البرلمان نص على تخصيص 2.3 مليار جنيه لوزارة الدولة لشئون البحث العلمي بنسبة 0.023% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ما دفع نواب لاعتبارها مخالفة للدستور.

وقالت لجنة التعليم والبحث العلمي في البرلمان ضمن تقرير للجنة الخطة والموازنة إن الاستحقاق الدستوري يستوجب إنفاق 30 مليار جنيه على البحث العلمي، بفارق 27 مليار جنيه عما تضمنته الموازنة المقترحة.

وبناء على ما سبق لجأت اللجنة إلى حيلة محاسبية أجرت بها تعديلًا على تبويب النفقات على نحو أضافت معه نفقات قطاعات أخرى إلى بند التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، في مسعى منها لتمرير الموازنة دستوريًا.

البحث العلمي “ممنوع”!

وتؤكد التقارير الأجنبية أن البحث العلمي في مصر بات “منطقة محرمة”، حيث يجري منع العديد من الباحثين من القيام بأبحاث معينة بدعاوي الامن القومي وكذا “تسييس المؤسسات الأكاديمية، ونقص النزاهة الأكاديمية” مثل تقرير مجلة المونيتور الامريكية “البحث العلمي محرم علي المصريين” وتفاصيل منع باحثين جديين من البحث بل واعتقال بعضهم.

ويشير التقرير لمشكلة اخري هي التمويل الذي يمثل عقبة أخرى تواجه الباحثين المصريين، ففي الوقت الذي يوجد فيه عجز محلي عن تمويل الابحاث، لا تسمح السلطات بالمال الاجنبي، وتعتبر تلقي تمويلات من متبرعين أجانب، أو جامعات أو غيرها من المؤسسات “أعمال تجسس”.

ويشير “المونيتور” لأنه “من الناحية القانونية والدستورية، مسموح بالتدفق الحر للمعلومات ويعتبر أمرا مشروعا، “لكن بشرط عدم تهديد الأمن القومي”، وهو مصطلح مراوغ يؤدي إلى توسع مظلة المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها، بحسب الشريف.

ويقول “جاسر رزاق” المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: “العقلية الأمنية تحكم كافة أشكال حياتنا، بغض النظر عن مجال بحثك، سواء كان المعمار أو البناء أو المثلية الجنسية أو الدين، فإن المنطق الأمني يجعل الحصول على معلومات ووثائق مهمة شاقة جدا”.

وواصل قائلا: مؤسسات الجيش والمخابرات يرفضان أن يتم إخبارهما بما ينبغي عليهما فعله. وأشار التقرير الامريكي إلى أن هناك عوامل كثيرة تعرقل البحث العلمي في مصر منها وجود أجيال من الأساتذة الفاسدين سياسيا واجتماعيا، بجانب البيئة المعادية، ما يجعل الباحثين الطامحين للتخلي عن آمالهم في مصر، ونقلها إلى شواطئ أخرى أكثر ترحيبا واختلافا.

وضرب مثالا أخرا بـ “محمد الجوهري” الذي كان باحثا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ثم سافر إلى الولايات المتحدة ليتعلم ويكتسب قدرات لم يستطع اكتسابها في ظل النظام التعليمي المصري، وأصبح الآن باحثا بـ معهد “أتلانتك كاونسل” البحثي.

ونقل عن “الجوهري” قوله: “لم نتعلم في مصر كيفية تنفيذ بحث صحيح، أو أسلوب مراجعة وانتقاد الأوراق البحثية”، ووصف مركز الأهرام بأنه: “مقبرة الباحثين”، وأكد أن “أعمال الباحثين الشباب يتم سرقتها ونسبها إلى آخرين من الكبار”.

وأشار إلى أن القيود لا تقتصر بحسب على البحث السياسي لكن تمتد إلى المجالين الأكاديمي والعلمي أيضا.

وتطرق المونيتور إلى حالات باحثين أخرين مثل حالة الباحث إسماعيل الإسكندراني الذي اعتقل جرت محاكمته عسكريا وحكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهمة كاذبة هي “نشر أخبار كاذبة بهدف الإضرار بالمصالح القومية وإزعاج السلام العام” لأنه فضح الفشل الامني للجيش في سيناء واختراق الموساد لسيناء وتجنيده المصريين.

كما أشار الموقع الأمريكي إلى هروب العديد من الباحثين من مصر، مثل عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، والذي يدرس كذلك بجامعتي هارفارد ونوتردام، وهو متهم بالتآمر مع جهات أجنبية لتقويض الأمن القومي المصري، وحكم عليه بالإعدام في أحد القضايا.

Facebook Comments