كشفت ممارسات نظام العسكر فى مصر ونظم الاستبداد والديكتاتورية فى العالم عن فشلها فى مواجهة انتشار فيروس كورونا، وبدلا من الاعتراف بهذه الحقيقة المرة لجأت تلك الأنظمة المتعفّنة إلى إعلان الحرب على الصحافة والصحفيين تحت مزاعم وشعارات لا أساس لها، منها نشر معلومات غير صحيحة، أو تزييف الحقائق، أو عدم الرجوع إلى المصادر الرسمية، وتشويه صورة النظام، وإثارة الفوضى والبلبلة، أو تحريض الشعوب ضد الأنظمة الحاكمة .

هذا ما فعله نظام العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي، حيث قررت سلطات الانقلاب إغلاق مكتب صحيفة الجارديان البريطانية وسحب اعتماده، وتوجيه إنذار إلى مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” في القاهرة؛ على خلفية نشر تقارير عن توسع انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) في دولة العسكر، بخلاف الأرقام المعلنة رسميًا.

وهو ما لجأ إليه أيضا النظام الصيني الديكتاتوري المستبد، حيث أعلنت الحكومة الصينية أنها ستلغي اعتماد الصحفيين الأمريكيين الذين يعملون في صحف “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال”، وذلك انتقاما من القيود التي وضعتها إدارة ترامب على وسائل الإعلام الحكومية الصينية العاملة في الولايات المتحدة.

جاء القرار الصيني فى سياق التصعيد في الحرب الإعلامية بين البلدين، في خضم وباء كورونا، ما سيؤدي إلى طرد الصحفيين الأمريكيين فعليا من الصين.

وقالت السلطات الصينية، إنه لن يُسمح للصحفيين بالعمل في هونج كونج أو ماكاو، وهو ما كان يفعله الصحفيون المدرجون على القائمة السوداء في الماضي.

كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت، الشهر الماضي، عن أنها صنفت خمس وسائل إعلام صينية رسمية على أنها “بعثات أجنبية”، مما يعني أنها سوف تُعامل كأسلحة للحكومة الصينية.

وفي نفس الوقت ألغت الصين أوراق اعتماد الصحافة لثلاثة صحفيين من “وول ستريت جورنال” في بكين، وأمرتهم بمغادرة البلاد في غضون خمسة أيام، ردا على قصة بعنوان “الصين هي الرجل الحقيقي المريض في آسيا”.

حملة قمعية

وفى دولة العسكر التى تشن حملة قمعية غير مسبوقة ضد حرية الصحافة، تضمنت غلق مئات الصحف والفضائيات إلى جانب حجب أكثر من 600 موقع إلكتروني واعتقال عشرات الصحفيين، نشرت “الهيئة العامة للاستعلامات” بيانا- عبر حسابها على “تويتر”- أعلنت فيه إغلاق مكتب صحيفة الجارديان البريطانية وسحب اعتماده، وتوجيه إنذار إلى مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، بدعوى خرق القواعد المهنية.

لكن الهيئة اضطرت إلى حذف البيان والتغريدة، بعد وقت قصير من نشرهما، وبعدما تداولتهما مواقع إخبارية عربية وعالمية. ولم تصدر سلطات العسكر أي توضيح بشأن البيان أو حذفه .

وقال مصدر مسئول في وزارة الإعلام بحكومة الانقلاب، رفض الكشف عن اسمه، إنه بعد ورود تعليمات إلى الهيئة بإصدار القرار من إحدى الجهات السيادية، وردتهم تعليمات جديدة بالتراجع فورا عن القرار، دون تقديم تفسير واضح.

وكانت هيئة الاستعلامات قد قالت، في تغريدتها قبل الحذف، إن “مصر قررت غلق مكتب صحيفة (الجارديان) البريطانية وتوجيه إنذار لمراسل صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية في القاهرة، بالرجوع إلى المصادر الرسمية في الأخبار التي تبثّ عن مصر والالتزام بالقواعد المهنية”.

وزعمت الهيئة أن مراسلي الصحيفتين لم يلتزما بالقواعد المهنية في الأخبار التي تم بثها عن موضوع فيروس كورونا في مصر، واعتمدا على مصادر غير موثوقة، ولم يتواصلا مع المصادر الرسمية الموثوقة والجهات الرسمية .

يشار إلى أن الجارديان البريطانية و”نيويورك تايمز” الأمريكية كانتا قد نشرتا، نقلا عن متخصص بعلم الفيروسات في منظمة الصحة العالمية وجامعة “تورونتو”، تقريرا مفاده أن عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر يتجاوز 19 ألفا، بينما الرقم الرسمي المعلن 126. مما أدى إلى هجوم كتائب السيسي الإلكترونية والمطبلاتية على مراسلي الجارديان ونيويورك تايمز، واتهامهم بأنهم ينتمون لـ”جماعة الإخوان المسلمين”، على زعم مطبلاتية السيسي .

بلاغ الصاوي

كتائب السيسي والمطبلاتية لم يتوقفوا عند حد الإغلاق والإنذار للصحيفتين، بل تقدم عمرو عبد السلام المحامى ببلاغ للمستشار حمادة الصاوي، نائب عام العسكر، ضد ديكلان والش رئيس مكتب القاهرة لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية– أيرلندي الجنسية- ورئيس مكتب القاهرة لصحيفة الجارديان البريطانية، يطالب فيه بإصدار قرار بضبطهما وإحضارهما ومنعهما من مغادرة البلاد، بوضع اسميهما على قائمة الممنوعين من السفر، لمنع هروبهما خارج البلاد، والتحقيق معهما عن الجرائم التي ارتكباها، لنشر تقرير يؤكد أن تقديرات عدد المصابين من المواطنين داخل جمهورية مصر العربية بفيروس كوفيد-19، المعروف بكورنا، قد تجاوز الـ19310 مصابين.

وزعم البلاغ أن هذا التقرير يهدف إلى زعزعة الأمن العام، وإثارة الفتنة والبلبلة، وبث روح الإحباط واليأس بين المواطنين.

خطيئة كبرى

من جانبهم انتقد صحفيون حملة العسكر على مكاتب الصحف الأجنبية بالقاهرة، معتبرين أن تورط الهيئة العامة للاستعلامات برئاسة ضياء رشوان– وهو نقيب الصحفيين فى نفس الوقت- فى قرار إغلاق هذه الصحف خطيئة كبرى.

وحذروا نظام العسكر من التمادي فى هذه الحملة، مطالبين صحف العالم ونقابات الحقوقيين ومنظمات حقوق الإنسان باتخاذ موقف حاسم إزاء هذا التجاوز من جانب نظام العسكر فى مصر.

واعتبر صحفي بموقع “بي بي سي” بمكتب القاهرة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن قرار سلطات العسكر يعكس واقع تعاملها مع غالبية المواقع الأجنبية بمصر، مع قصر يدها عن المس بالصحفيين الأجانب، خوفا من ردود فعلهم الدولية .

وأكد الصحفي أن سلطات العسكر تلجأ للكثير من الإجراءات للتضييق على موقع مثل بي بي سي، الذي يتأهب في أي وقت لإغلاق مكتبه بالقاهرة، بعد أن استكمل تجهيزات مكتبه في العاصمة الأردنية عمان .

وأشار إلى أن سلطات الانقلاب تتعنت في إصدار تصاريح خاصة للتصوير أو تجديدها، كما يتربص الأمن بالمراسلين ويراقبهم خلال جولاتهم الميدانية، بالإضافة إلى قطع خطوط الهواتف الأرضية، والإنترنت وإضعافها في محاولة لطرد المكتب من القاهرة .

تكميم الأفواه

وأكد الكاتب الصحفي سيد أمين، عضو نقابة الصحفيين، أن هناك حالة من الترصد لتلك المواقع ومكاتب الصحف العالمية.

وقال أمين، فى تصريحات صحفية: رغم أنني لا أدري مدى صحة ما نُشر حول أعداد المصابين بمرض كورونا في دولة العسكر، إلا أنه كان يجب على سلطات العسكر بدلا من إغلاق مكتب صحيفة أو طرد مراسل صحفي، أن تطالب الصحيفة بصورة من البحث موضوع الأزمة والمتعلق بوباء كورونا وانتشاره فى مصر، ويتم تفنيده بطريقة علمية، وتلزم الصحيفة بنشر الرد .

وأضاف أن هذا يعنى أن سلطات العسكر كان يجب أن تستغل الحدث للتدليل على شفافيتها، وعدم مصادرتها لحرية التعبير والبحث والتقصي، وأن توجد من بين ثنايا البحث ما يثبت عدم صدقه، لكن هذا لم يحدث، ما يؤكد أن دولة العسكر تضيق ذرعا بحرية الرأي والتعبير، وتكمم الأفواه ولا تسمح بالرأي والرأي الآخر .

مخالفة قانونية

وقال عبد الرحمن عاطف، المحامي والحقوقي، إن “إغلاق مكاتب وسائل الإعلام بمصر وآخرها صحيفة الجارديان البريطانية خطوة مخالفة للقانون وضد حرية الرأي والتعبير”، مشيرا إلى أن نظام السيسي يعتقد أنه بإغلاقه جريدة كالجارديان، سيستطيع إخفاء الحقائق من أجل استمرار بعض المصالح الداخلية كالسياحة والاستثمارات الأجنبية .

وأكد عاطف، فى تصريحات صحفية، أن هذا التخوف الذي أبداه النظام من إغلاق صحيفة الجارديان البريطانية قد يضر أكثر مما كان ينفع باعتقادهم، لأنهم لم ولن يدركوا أن اقتصاديات العالم أصبحت مرهونة بالحالة الأمنية والاستقرار الداخلي لأي دولة في العالم .

Facebook Comments