كتب- أحمدي البنهاوي:

 

رغم  أن أغلب أعمال الشاعر الهندي الأصل محمد إقبال بالفارسي وجزء منه بالأردية، إلا أن الذكرى الـ79 لوفاته، يجب أن تمر بفائدة أن من أبدع ترجمة شعره وافضلهم عبد الوهاب عزام، والشيخ الصاوي شعلان، ومحمد حسن الأعظمي، إبداع جعلنا نشعر أنه كتبها بالعربية، مثل قصيدة "الشكوى" الشهيرة والتي ترجمها صاوي الشعلان في ديوان "صلصلة الجرس".

 

إذا الإيمان ضاع فلا أمانَ …. ولا دنيا لمن لم يحي دينَا

 

ومَن رَضِيَ الحياة بغير دِين …. فقد جعل الفناء لها قرينَا

 

تُسانِدُها الكواكب فاستقرَّتْ …. ولولا الجاذبيَّة ما بَقِينَا

 

وفي التوحيد للْهِمَمِ اتحادٌ …. ولن نصل العلا متفرِّقينَا

 

كما يصف الكافر قائلاً:

 

إنَّما الكافر تيهانِ 

 

له الآفاق تيهْ 

 

وأرى المؤمن كونًا 

 

تاهت الآفاق فيهْ

 

أو تلك القصيدة الشهيرة:

 

مَلَكْنَا هذه الدنيا القرونَا …. وأخضعها جدودٌ خالدونَا

 

وسطَّرْنا صحائفَ من ضياء …. فما نَسِيَ الزمان ولا نسِينَا

 

وكنَّا حين يأخذنا قويٌّ …. بطغيان ندوسُ له الجبينَا

 

تفيضُ قلوبنا بالهدي بأسًا …. فما تغضي عن الظلم الجنونَا

 

أو قصيدته التي يقول فيها:

 

خُذوا إيمانَ إبراهيمَ تَنْبُتْ ..لكم في النَّارِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ

 

أو بيتين آخرين كما هذين:

 

الخطوة الأولى لنهضة أمةٍ

 

تحريرها بالعزم والإصرار

 

لو أمكن التطهير أمكن بعده

 

أن يسهل التعمير للأفكار

 

وتميز شعر إقبال بذوبانه وراء شعلة الإسلام التي ملأت العالم نورًا وحرارة، وقد قضى حياته في البحث عن تلك الأمجاد التي مضت، وأولئك الأبطال الذين رحلوا وغابوا في غياهب الماضي، فشِعره يوقظ العقول، ويهزُّ النفوس، ويُربي الآمال في الصدور، ولا عجب إذا كان شعره يملأ القلوب حماسة وإيمانًا، وكان وقعه في النفس كبيرًا وعميقًا، فقد سالت في شعره دموعه ودماؤه، وفاضت فيه مهجته ودعاؤه!"، بحسب موقع قصة الإسلام.

 

جمال الشعر فاق الترجمة

غير أن محبي الشعر وعلماء اللغة يرون أن الترجمة قد تؤثر سلباً وقد تؤثر إيجاباً وترفع من شأن النص، كما هو حال قصائد إقبال التي ترجمت قبل عشرات السنين، وعليه اطلق بعض العرب "الشاعر الروحاني"، فرغم أصوله الأعجمية إلا أن جمال شعره واضح حتى بعد الترجمة.

 

ويلخص الكاتب الإسلامي عبدالغفار عزيز في خاطرة له أمس: "٢١ ابريل ذكرى وفاة الشاعرالاسلامي الكبير #محمد_اقبال..كان شاعرا ملهما يترجم روح القرآن والسنة إلى أدب رفيع لنرنو من خلاله إلى الغد المشرق للإسلام".

 

مواقفه السياسية

كان إقبال معاديًا للاستعمار البريطاني، وحاول الإنجليز استمالته وإغراءه بالمناصب، فعرضوا عليه منصب نائب الملك في جنوب أفريقيا فرفضه.

 

كما انه صاحب فكرة إنشاء وطن خاص بالمسلمين في شبه الجزيرة الهندية،وكانت قضيَّته الكبرى أنْ يُؤْمِنَ الناسُ، فأرسل رسالة إلى لينين، وكان محمد إقبال مشهورًا على مستوى العالم يعرفه لينينُ، ويعرفه أذناب الشرق والغرب، يقول في رسالته: "اتَّقِ الله يا لينين، فإنك قصمت ظهر الرأسماليَّة فأحسنت، فألحق بقصمك للرأسماليَّة لا إله إلا الله". ولينين هذا ثار على الحقِّ الفردي في الرأسمالية، ولكنه أخرب كل الخراب عليه لعنة الله، كفر بالله. ودخل على نادر شاه في كابل، ونادر شاه كان ملك أفغانستان آنذاك، وكتب رسالة إلى محمد إقبال يقول: "اقدَم إلينا، اقدَم إلينا". فدخل محمد إقبال فخرج الأفغان ألوفًا مؤلَّفة في الشوارع يستقبلونه، فأخذ -قبل أن يقابل الرئيس أو الملك- نسخة من المصحف وأعطاه، وقال: يا نادر شاه، والله لن تعلُوَ بشعب الأفغان حتى تأخذ هذه الوثيقة، إنني أتيت بها من الله. يعني: أن هذا القرآن من الله.

 

قدومه إلى مصر

 

وكان أول تكريم لإقبال ببلاد العرب في مصر، وهو في طريقه إلى فلسطين، لحضور المؤتمر الإسلامي الأول، عام 1931م؛ إذ رسا مركب إقبال في بورسعيد حيث قناة السويس، ثم عرَّج على الإسكندرية، حيث أقامت له "جمعية الشبان المسلمين" احتفالاً هناك.

 

وعنه يقول المترجم المصري عبد الوهاب عزام: "وشرعتُ أنشرُ ترجمةً منثورة لشعره في مجلة (الرسالة)، ولا أدري كم واليتُ نشرَ قطع من شعر إقبال، وعَرَّفتُ به! وقد دُعيت قبل وفاة الشاعر ببضع سنين، وأنا في مدينة الإسكندرية؛ إلى التحدُّث عنه. وكان الأدباء في بلاد العرب عرَّفوه بي، وعرفوني به. فتحدثت بما راع السامعين من فلسفة الشاعر وشعره، وشرعت – سنة 1936م- أنْظِمُ منظومةً، سميتها: "اللمعات"، وأهديتها إلى إقبال، ونُشِرَت مقدمتُها في مجلة (الرسالة)".

 

وترجم عزام روائع إقبال، فترجم له ديوان "ضرب كليم"، عام 1937م، إذ كان ممن أتقنوا اللغة الفارسية، واهتمَّ بفكر الرجل، ولم يترك وسيلةً إلا عرَّفَ فيها بالرجل، فكتب المقالات، وألف الكتب، وعقد المهرجانات والندوات؛ تكريماً للرجل.

 

رحلة أخيرة

وحفظ "إقبال" القرآن الكريم، والتحق بمدارس بلدته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالكليَّة الحكوميَّة، ثم أُرسل لبراعته ودقَّته إلى لندن عام 1905م ليلتحق بجامعة كامبردج، وقد حصل هناك على درجة علميَّة مرموقة في الفلسفة وعلم الاقتصاد، فرحل إلى جامعة ميونخ بألمانيا، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة، وما لبث أن عاد إلى لندن؛ لحضور الامتحان النهائي في الحقوق، فحصل على درجة عالية في القانون، وفي لندن عَمِل في تدريس اللغة العربية في جامعتها.

 

وفاضت روح الشاعر محمد إقبال إلى بارئها في 21 من إبريل 1938م، وكان يومًا عصيبًا في حياة جماهير الهند عامة والمسلمين منهم خاصة؛ فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها، واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى.

 

نعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء، ويقول عنه طاغور – شاعر الهند: "لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم"، غير أن دفن "إقبال" كان في لاهور بالباكستان، ودفن في ساحة المسجد الملكي (بادْشَاهِي مسجد).

Facebook Comments