هذا المجنون الذي رفع علم فلسطين في مدرجات استاد القاهرة الدولي (ستاد ناصر سابقًا)، كيف سوّلت له نفسه الإقدام على هذا التصرّف الطائش، وكأنه ينفذ عملية انتحارية في صفوف العدو؟. هل ظن هذا المتهور أنه في “جلاسجو” يجلس بين جماهير “سيلتيك” الأسكتلندي، أم توهم أنه في فرنسا، ضمن مشجعي نادي سانت إيتيان؟.
كيف تناسيت، يا صديقي، أنك في قاهرة جديدة ومختلفة كليًا عما تعلمت من الأهل والمدرسة وكتب التاريخ والأدب، تلك القاهرة التي يكرهها الأعداء الذين صاروا يملكون فيها أكثر مما يملك أهلها، ويتحرّكون فيها بحرية لا ينعم بها سكانها الأصليون؟. أي مسّ من الجنون، أو قبس من الوعي السليم، صور لك أنه لا يزال بالإمكان أن تهتف لفلسطين في الزمن الصهيوني المسيطر على البلاد وحكامها؟.
هل صدقت أن احتفاء صحف مصرية قبل ثلاث سنوات بما فعلته جماهير نادي سيلتك الأسكتلندي في أغسطس/ آب 2016، حين رفعت أعلامًا لفلسطين ولافتاتٍ تدين جرائم الاحتلال الصهيوني، يمكن أن يجعل إقدامك على رفع العلم الفلسطيني في مباراة لمنتخب مصر العربية عملًا مشروعًا يمكن أن يمر من دون عقاب شديد؟. وهل تصورت أن ما قامت به جماهير “سانت إيتيان” الفرنسي برفع العلم الفلسطيني والهتاف ضد المحتل وجرائمه، في العام نفسه، يمكن أن يحدث في مصر حاليًا، ويعود مرتكب هذا الفعل “المجرم” إلى بيته سالمًا؟.
كلا، يا عزيزي. أنت تعيش في وهم كبير، منفصلًا عن واقع متصهين، تحكمه قوانين وضوابط مكتوبة بالعبرية، تحكم وتتحكم في كل شيء، حتى الهتاف في الحناجر والغضب في الصدور، ولابد أنك أدركت ذلك، ويد باطشة تنتزعك من بين أقرانك الذين هتفوا “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين”، واقتادتك إلى غرف التحقيق والمساءلة، لتجد نفسك، في نهاية المطاف، على الأرجح، متهمًا بالعبث بالأمن القومي، مدرجًا في قضية إرهاب.
ألا تذكر أنه، قبل شهور مضت، أعلنت “إسرائيل” عن تسيير رحلات جماعية إلى القاهرة لحضور مباريات أمم أفريقيا، بطولة الهتاف العربي لمحمد أبو تريكة، فاقترحت مجموعات من الجماهير المصرية، المتهورة مثلك، أن تهتف ضد الكيان الصهيوني في الدقيقة 73 ولم يسمح لهم أحد بذلك؟. ألم تعلم أنه منذ وضع عبد الفتاح السيسي على كرسي الحكم في مصر، بات التضامن الحقيقي، الواضح، مع الشعب الفلسطيني أحد مسوغات قرارات الاعتقال بحق الناشطين المعارضين؟. ألم تصل إليك أخبار أن “الكوفية الفلسطينية” باتت تأتي ضمن الأحراز التي تحتويها محاضر الشرطة، عند القبض على الناشطين المعارضين، من أول محمد عادل، أحد قيادات حركة السادس من أبريل، الذي يقبع في سجون السيسي، غير مسموح له بالعلاج من متاعب صحية تنهش شبابه منذ سنوات، والذي تضمن محضر اعتقاله أن من بين المضبوطات الخطيرة بحوزته “كوفية فلسطينية عليها شعار حماس”، وليس انتهاء بأحد قيادات الاشتراكيين الثوريين، هيثم محمدين، والذي لم تكن تفارق كتفيه الحطة الفلسطينية؟.
يا عزيزي: لقد ولّى الزمن الذي كانوا يسمحون فيه برفع علم فلسطين والهتاف الصاخب لها للتغطية على فسادهم وجرائمهم ضد الإنسان.. هذا ليس زمن السادات الذي كان فيه قوميون وناصريون ينتفضون كلما فاحت رائحة تطبيع سياسي واقتصادي، وينشئون أحزابًا تتغذى على “القضية” وليس زمن حسني مبارك وأحمد أبو الغيط وفتحي سرور الذي كان يتمدّد على فراش التطبيع، لكنه يسمح لنواب مثل سعد الكتاتني ومحمد البلتاجي بالمشاركة في أسطول الحرية لرفع الحصار عن غزة، ويتدخل لاستعادتهم من السجان الصهيوني ويكرمهم، ويقول إنهم فخر لمصر.. هذا ليس زمن محمد مرسي الذي قال “لن نترك غزة وحدها”، ففقد سلطته وحياته كلها.
يا عزيزي الذي لا يعرف أحد اسمه، أو مصيره: أنت في زمن بات معه المتحدّث باسم جيش الاحتلال يتحكم في إيقاع خطبة الجمعة وموعظة الكنيسة، وتجليات المثقف.
سلام عليك أينما كنت.
نقلاً عن “العربي الجديد”

Facebook Comments