الجندي في الجيش المصري “ملطشة” لكل ضابط وصف ضابط في الكتيبة التى يؤدى فترة الخدمة فيها، وهو يتلقى كمًّا من الإهانات والشتائم، بجانب السخرة وتلبية أوامر القائد وتنفيذ كل ما يحتاج إليه، حتى في بيته وليس في موقع الخدمة فقط .

بعض الجنود يوجَّهون لخدمة أسر الضباط وشراء متطلباتهم، أي أنهم يقومون بدور الخادمة طوال مدة تجنيدهم، خاصة خريجي كليات التربية والآداب، حيث يوجَّهون لإعطاء دروس خصوصية لأبناء الضباط. وفريق ثالث يُسخَّر داخل الكتائب والمواقع العسكرية لجمع أموال للقادة سواء الحلاق أو الحائك “الترزى” أو البائع في الكانتين أو غيرهم .

في هذا التقرير يروي مجندون سابقون وحاليّون في الجيش ما حدث- وما زال يحدث- معهم أثناء مدة خدمتهم العسكرية.

يقول مجند سابق بإحدى الكتائب العسكرية بمدينة أبورديس بجنوب سيناء، ويُدعى جاد منصور: في اليوم الأول من وصولي الوحدة الأساسية بعد قضاء 40 يومًا في مركز التدريب، سأل قائد الكتيبة، وكان برتبة مقدِّم أركان حرب، عن شخص يجيد التعامل مع الحيوانات”.

كان السؤال غريبًا بالنسبة لمُستجد، لكن لكونه من محافظات الصعيد- حيث الاهتمام بالزراعة وتربية الماشية- اختاره قائد الكتيبة بعد رفع إصبعه ليكون مسئولًا عن مزرعة الكتيبة، أو بالأحرى كما يقول “مزرعة القائد”، التي تشمل عددًا من الماشية والأشجار المثمرة، وهو الأمر الشائع بالنسبة للمزارع التي يمتلكها قادة الكتائب التابعة للواء.

ورغم امتعاضه مع مرور الوقت من دوره الذي يؤديه، فضَّل جاد قضاء فترة خدمته الإجبارية في هذا المكان، ويقول: “لما بسمع اللي بيحكيه زمايلي أو اللي كنت بشوفه بعيني من تكدير وإهانة وضرب وطوابير ونظافة كنت أحمد ربنا إني بعيد عنهم”.

ويضيف جاد أن “ما يفعله لم يكن أبدًا مشابهًا لما رسمه في مخيلته عن عمل الجيش والمعارك التي يخوضها، والعمليات العسكرية التي يُروج لها على شاشات التلفزيون، لكن في النهاية قضيت فترة التجنيد الإجباري في خدمة حيوانات القائد بدلا من خدمة الوطن”.

مسئول الكانتين

مجند آخر يُدعى محمد إسماعيل، بكالوريوس تجارة، ويقضى مدة خدمته العسكرية في الغردقة، يقول إنه اُضطر أن يكون مسئولا عن “كانتين” الكتيبة خلال فترة غياب زميله، لكنه فوجئ بأوامر تُلزمه بالاستمرار في مسئوليته عندما حقق خلال فترة قصيرة صافي ربح عجز زميله عن تحقيقه.

يضيف محمد: “رغم أنني كنت مسئولًا عن محطة رصد الطائرات داخل الكتيبة، لكن القائد اختار عسكريًّا “مؤهل متوسط” عشان يكون مسئول عن محطة الرصد، وشاف أنه من الأفضل بالنسبة له أن أكون مسئولًا عن الكانيتن، واتضح لي ساعتها أن كل اللي يهمه هو الفلوس من خلال سبوبة الكانتين” .

ويتابع قائلاً: “في أول يوم في الكتيبة القائد بيسأل مين معاه حرفة زي السباكة أو النجارة أو الزراعة والقيادة والحلاقة، واللي بيقع عليهم الاختيار بعدها يبعتهم القائد أو ممكن يجامل بيهم قائد تاني أعلى منه لو احتاج حد منهم يخلصله شغلانة في كتيبته أو حتى في بيته، ودا خلا عساكر كتير ميقولوش إن معاهم صنعة، لأن كل ما تكون مجتهد تزيد مسئولياتك في الجيش”.

مرضى

ويروي “عمرو. س” أنه “في كتيبة واحدة كان في أكثر من حالة مَرَضية يُفترض أنها تحصل على إعفاء من أداء الخدمة العسكرية، لكن بدلاً من ذلك، يدخل هؤلاء الجيش، ويقول لهم القادة: قدموا تظلمًا بعد ما تترحلوا على وحدتكم الأساسية”.

ويذكر عمرو أن الكتيبة التي كان بها بمنطقة فايد بمحافظة الإسماعيلية كان بها أكثر من حالة مَرَضية تستدعي الإعفاء من دخول الجيش، منها من كان عنده انزلاق غضروفي، وآخر كان يعاني من السمنة المفرطة وصعوبة الحركة، وثالث يعاني من صعوبة في السمع.

ويضيف: “كان عندي حَوَل في العين، ومشيت في الإجراءات لمدة 6 شهور لحد ما أخدت شهادة بعدم اللياقة الطبية، رغم إن فترة التجنيد بتاعتي كانت سنة واحدة، وخلال الفترة دي، كان القائد يقول إن كل واحد في الجيش له مهمة، ولأن حالتي لا تسمح أن أقف خدمة ليلية، كانت مهمتي تنظيف الحمامات، وفي أوقات قلة العساكر، بيجبروني أقف خدمة”.

خيار وكوسة

قبل عامين، أثارت صورة تُظهر مجندًا بالجيش المصري جالسًا على “أقفاص” خضار يبيع الخيار والكوسة، أمام منفذ بيع للقوات المسلحة، جدلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن مع مرور الوقت، لم تعد صور المجندين الموزعين على منافذ البيع التابعة للجيش والشرطة، والعربات المتنقلة بالميكرفونات، أمرًا مثيرًا للدهشة، بل ليس غريبًا أن ترى الآن رُتبًا عسكرية عالية تمارس هذا النشاط علانية.

في ميدان الثقافة بمحافظة سوهاج، كان ضابط برتبة نقيب- وتحت إمرته مجندان بلباس عسكري- يعرض أصناف بضاعته (لحوم وخضراوات ومعلبات وغيرها) كأنه تاجر ماهر لم يدرس العلوم العسكرية داخل الكلية الحربية.

يقول “علي. م”: “أنا جبت واسطة عشان أخرج برا الكتيبة، وأقضي فترة الخدمة بتاعتي في منفذ من منافذ القوات المسلحة، لأني سمعت إن الشغل في الكتيبة كله إهانة ومعاملة ميري رغم إن العساكر في الكتيبة بيقولوا إنهم مش بيعملوا حاجة غير النظافة طول اليوم”.

يضيف علي: “كنت بروَّح كل يوم أنام في البيت وأرجع تاني يوم الصبح كأني موظف حكومي، لكن الفرق بيني وبينهم إني كنت بقضي 16 ساعة في المنفذ، وكمان مكنتش بأخذ راتب شهري غير 350 جنيهًا، وفي الغالب كنت بدفع ضعف الفلوس دي مرتين مواصلات وأكل وشرب، لكن في سبيل راحتي كنت باخد الفلوس من أبويا وكأني طفل صغير”.

بخلاف المئات من منافذ البيع التي يديرها مجندون، يتوسع مفهوم السُخرة ليشمل استهلاك المجندين في مشاريع الجيش وأعماله المدنية بلا مقابل .

عرض عسكري

يقول محمد شعبان، ضابط احتياطي سابق بالجيش، قضى 3 سنوات في منطقة شلاتين: إن السبب وراء عمل المجندين في أشياء ليس لها علاقة بالأعمال العسكرية، أن القيادات العسكرية يرون أن البلد ليست في حالة حرب، وهو ما يبرر عدم تدريب المجندين على أسلحة متطورة.

ويتحدث عن مدة 6 أشهر قضاها خلال فترة التأهيل العسكري داخل كلية الضباط الاحتياط، ويقول إنه طوال هذه المدة لم يُدربوا إلا على العرض العسكري الذي قدموه في حفلة تخرجهم، وذلك حتى تخرج الحفلة بالشكل الجمالي الذي يُبهر جنرالات الجيش، في حين أن هذه العروض لا تُعتبر دليلاً على التفوق العسكري للجيش.

عبد القوي سلامة، مجند سابق قضى عامين في شمال سيناء، يقول: كل ما فعلته في فترة التدريب العسكري هو الرماية في وضع الرقود، لكن لم نتدرب على الرماية في وضع الوقوف أو الحركة كما يحدث في المعارك على أرض الواقع، وبدلاً من ذلك، دربونا على الخطوة العسكرية كل يوم، تمهيدًا للعرض العسكري الذي حضره قائد سلاح المشاة بمركز تدريب “المشاة 1” بمنطقة دهشور.

العملية الشاملة

ويذكر السيد عاطف، مجند سابق قضى سنة واحدة داخل الجيش، أنه خلال حديثه مع صف ضابط في الكتيبة أخبره الأخير أنهم يسيرون وفق مبدأ “ريح العسكري يتعبك واتعب العسكري يريحك”، لذلك كان صف الضباط ومعهم الضباط يبدعون في اختراع الأعمال الشاقة التي تُنهك المجندين وتبدد قواهم البدنية لدرجة لا يستطيعون معها مقاومة التعب خلال فترة الحراسة الليلية.

ويقول إنه أُرسل في أواخر فترة خدمته العسكرية للمشاركة في “العملية الشاملة سيناء 2018” التي أطلقها عبد الفتاح السيسي، وكان تسليحه “آر بي جي” رغم أنه لم يُدرَّب على استخدامه، ويضيف: “حتى الأسلحة اللي كانت مع زملائي كانت سيئة وقديمة ومختلفة عن اللي بنشوفها في التلفزيون”.

وبحسب عاطف، فإن معظم هذه الأعمال تحمل إهانة وإساءة لآدمية المجندين، خاصة الحاصلين منهم على شهادات عليا، ويذكر منها تسوية أرضية الملعب وجمع القمامة حول مبيت الضباط والقادة وري الأشجار أو الوقوف في وضع الثبات لفترة طويلة بدعوى تدريبهم على قوة التحمل وغير ذلك الكثير.

الانتحار

هذه الضغوط النفسية تدفع الكثير من المجندين إلى الانتحار أو الهروب من الخدمة. يروي الحاج “ناصر. ع”، والد أحد المجندين الذين قضوا خلال فترة الخدمة العسكرية، أن ابنه انتحر منذ عامين بسبب سوء معاملة أحد الضباط له، في حين قالت الأجهزة الأمنية إن أسباب الوفاة كانت طبيعية.

الوالد الذي ما زال يرفض قبول التفسيرات التي قُدمت له عن أسباب الوفاة، قال: “كان بيشكيلنا كتير من الضابط دا وإزاي كان بيعامله ويحمله فوق طاقته؛ لأنه رفض يشتغل في مكتبه “سيكا”، أي مسئول عن خدمته، لحد ما في مرة قالنا إنه مش عايز يرجع الكتيبة تاني، فضغطت عليه يرجع عشان يخلص جيشه ويشوف مستقبله، وبعدها بكام يوم جالنا خبر وفاته”.

في عام 2016، نشرت شبكة “بي بي سي” تحقيقًا بعنوان “موت في الخدمة”، جرى العمل عليه لأكثر من عامين، وحققت الشبكة في وفاة 13 حالة لمجندين بين عامي 2008 و2015، وصنَّفت السلطات 10 منها أنها حالات انتحار، لكن بعد تحقيقات وجيزة، طُويت العديد من هذه القضايا بسرعة.

ومع تزايد شكوى المجندين من تعرضهم لانتهاكات بالغة، يلجأ بعضهم إلى التدخين أو الإدمان خلال فترة التجنيد الإجباري، ويبرر أحد المجندين، وُيدعى محمود فيصل لجوئه إلى التدخين، بقوله: كنت بحاول أنسى اللي بيحصل، وكنت بفرغ كل غضبي في السيجارة، وكنت أعرف ناس لما بتنزل إجازة بتجيب معاها مخدرات.

انتهاء الخدمة

لهذه الأسباب، ليس غريبًا أن يكون اليوم الأخير للمجندين فى الجيش أشبه بالعرس أو الخروج من السجن، ورغم ذلك، لا تنتهي فترة التجنيد الإجباري بالنسبة للمجندين وضباط الاحتياط بانتهاء المدة الأساسية التي يقضونها داخل الوحدات العسكرية، بل يبقون على قوة الاحتياط 9 سنوات، والكثير منهم يُستدعون أكثر من مرة خلال هذه الفترة.

يقول وليد محروس، مجند سابق كان مسئولًا عن الأمن في الكتيبة، أنه اُستدعي حتى الآن 3 مرات منذ أنهى خدمته العسكرية في محافظة السويس عام 2018، وفي كل مرة كما يقول “كنا مضطرين نروح الكتيبة لأن دا أمر عسكري، واللي يخالفه ممكن يتسجن أو يدفع غرامة، رغم أننا زي كل مرة نمارس اللا شيء بنشاط”.

Facebook Comments