انتقدت الدوائر والسفارات الغربية في القاهرة مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي يعده نظام العسكر ووجهت تحذيرات شديدة اللهجة لنظام الانقلاب العسكري.

وقالت إن القانون الجديد يفتح الباب أمام السيطرة الحكومية على العمل الأهلي والتضييق على عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية.

وكشفت مصادر دبلوماسية غربية عن أن “الدوائر والسفارات في القاهرة المهتمة بملف الجمعيات الأهلية في مصر وإبداء الرأي في مشروع القانون الجديد الذي أطلعتها عليه وزارة خارجية الانقلاب، أبدت قلقها خلال المناقشات الدائرة حاليا، بشأن بعض المواد التي تراها تفتح مداخل للسيطرة الحكومية على العمل الأهلي والتضييق على عمل المنظمات الأجنبية، المدعومة من العواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، وكذلك فروع المنظمات الإقليمية العاملة في مجالات التنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان”.

ورغم أن المشروع من بين ملامحه هضوع عصابة العسكر لإملاءات الغرب بإلغاء الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية، والذي كان سيشكل بقرار جمهوري بعضوية ممثلين لكل الأجهزة السيادية كالمخابرات العامة والرقابة الإدارية والداخلية والدفاع، إلا أن هناك بعض المواد التي ما زالت تقلق الدوائر الغربية، وترغب في إزالتها أو تعديلها.

حظر الأنشطة الحزبية

وزعمت المصادر: “نلحظ تقدما كبيرا في هذا المشروع، ليس فقط بسبب إلغاء الجهاز القومي وتخفيف قيود العمل والترخيص للمنظمات الأجنبية، ولكن اتضح أيضا أن المشروع (الذي لم يعلن بشكل رسمي في برلمان العسكر حتى الآن) ليس فيه أي جريمة معاقب عليها بالحبس، على عكس القانون الحالي الذي يعج بعقوبات الحبس والحل والتصفية والمصادرة”.

ويتضمن القانون الحالي رقم 70 لسنة 2017 فرض عقوبة الحبس التي تصل إلى 5 سنوات لكل من أنشأ جمعية لممارسة أنشطة محظورة، ولكل من تلقى أو أرسل أموالاً من أو إلى جهة أجنبية بالمخالفة للقانون، ولكل من امتنع عمدا عن تمكين وزارة التضامن من متابعة وفحص أعمال الجمعية، ولكل من نقل مقر الجمعية إلى مكان غير المخطر به. وهو ما دفع الجمعيات المصرية والجهات الأجنبية المانحة والمراقبة على حد سواء إلى إطلاق مطالبات في ديسمبر الماضي بإلغاء كل العقوبات السالبة للحرية من هذا القانون، والاكتفاء بالغرامات والعقوبات الإدارية.

وأضافت المصادر أن “إصرار حكومة الانقلاب على استخدام ألفاظ مائعة وحمّالة أوجه، مثل النظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة، في ما يتعلق بضوابط عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، يمنح الوزارة المعنية، والوحدة الجديدة التي ستنشأ بها لمتابعة عمل تلك المنظمات، مساحة للتضييق والعقاب وحتى التصفية، وهو ما يقلق الجهات المانحة، التي ما زالت تعلق مساعداتها للعمل الأهلي في مصر على إصدار هذا القانون بصورة تساعد على نجاح مخططاتها التنموية في مجالات عدة”.

شبهة ترصد

ووفقا للمصادر، فإن هناك 5 مواد في المشروع تستخدم تعبيرات “النظام العام والأمن القومي والآداب العامة” كأمور لا يجوز الإخلال بها لحماية الجمعية الأجنبية من الحل؛ إذ يشترط لإنشائها أن يكون لها نظام أساسي مكتوب يتفق مع نموذج تحدده اللائحة التنفيذية التي ستصدر للقانون، وموقع عليه من جميع المؤسسين، ويجب ألا يتضمن هذا النظام الأساسي أي مواد تنص على الإخلال بتلك المصطلحات الثلاثة، التي تزخر بها التشريعات المصرية، وتستخدم غالبا لتوسيع رقعة التجريم.

كما يحظر المشروع على الجمعيات ممارسة أنشطة حزبية أو نقابية أو تكوين جمعيات سرية أو سرايا، وهذا بحسب المصادر “أمر مفهوم وطبيعي” إلا أن المشروع يعود ويحظر عليها “ممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي” من دون توضيح المقصود بهذه المصطلحات، فهناك العديد من الفعاليات والأنشطة التي يمكن اعتبارها تهدد النظام العام من قبل سلطات أو أجهزة متطرفة في تقييد المجال العام، أو مغالية في تطبيق القانون.

ويعيد المشروع في موضع آخر بمادة أخرى التأكيد على “حظر تمويل نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب، أو النقابات المهنية، أو العمالية أو ذي طابع سياسي أو ديني، أو يضر بالأمن القومي للبلاد، أو النظام العام، أو الآداب العامة، أو الصحة العامة، أو يحض على التمييز أو الكراهية أو إثارة الفتن” ما يعبر بحسب المصادر عن “قلق مبالغ فيه لدى حكومة الانقلاب من تحركات المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ورغبتها في إحكام وثاقها وعدم فتح مساحات أمامها للعمل في المجالات السياسية والثقافية والحقوقية تحديدا، خاصة مع استخدام مصطلح “إثارة الفتن” الذي يمكن استغلاله لمنع أنشطة كثيرة في تلك المجالات المزعجة لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي”.

وفي مادة أخرى، يجيز المشروع لوزير التضامن الاجتماعي أن يصدر قرارا بإيقاف النشاط أو إلغاء التصريح من الأساس، وذلك فقط “لأسباب تتعلق بتهديد الأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام” دون اللجوء إلى القضاء، وهنا ترى المصادر الدبلوماسية الغربية “وجود شبهة ترصد بتلك المنظمات” ومحاولة لخداع الدوائر الغربية بتخفيف قيود تصاريح العمل، مقابل تشديد الإجراءات العقابية والسماح بتدخلات إدارية مباشرة في أي وقت لوقف الأنشطة أو منع التمويل.

ألفاظ مائعة

ووفقاً للمشروع فإن المنظمات الأجنبية التي سيصرح لها بالعمل ستخضع لإشراف وحدة إدارية حكومية، بدلاً من الجهاز المركزي المشرف على المنظمات الأجنبية، ستحمل اسم “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي” وستقوم أيضا بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حاليا في وزارة التضامن، وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويين المحلى والإقليمي والدولي.

وسيتوجب عليها تقديم رقم حسابها المصرفي وحساباتها الفرعية التي تتلقى عليها أموالها فيحظر عليها تلقي الأموال أو الإنفاق إلاّ من خلاله، وعليها أيضا تقديم تقرير إنجاز بصفة نصف سنوية، وتقديم تقرير بشأن ميزانيتها المعتمدة من محاسب قانوني معترف به.

واعتبرت المصادر أن وضع نصوص بتلك الصورة في مشروع يروج له كوسيلة لإنهاء مشاكل العمل الأهلي والتمويل الأجنبي في مصر “أمر ليس مبشرا”، خصوصا أن النظام ما زال يعمل على محاولة توجيه الدعم الغربي إلى جمعيات بعينها تابعة للنظام أو يديرها موالون له، رغم عدم تمتعها بالخبرة الكافية في مجالات العمل التنموي والإنساني والحقوقي.

وسبق أن قالت مصادر حكومية إن خارجية شبهة ترصد تستطلع حاليا آراء بعض الدول الغربية، على رأسها الولايات المتحدة، في مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي من المفترض أن يصدر هذا العام بحسب وعد عبد الفتاح السيسي لتلك الحكومات، خصوصا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته الأخيرة إلى واشنطن في أبريل الماضي، علما أن السيسي سبق وتعهد نهاية العام الماضي بتعديل القانون الحالي الصادر في مايو 2017، ومنذ ذلك الحين لم تعلن حكومة شبهة ترصد رسميا تفاصيل مشروع القانون الذي أثمرته حوارات مع الجمعيات الأهلية المحلية والأجنبية والمانحين الأجانب أجرته بشكل أساسي وزارة التضامن الاجتماعي بالمشاركة مع مؤسسة “مصر الخير” الموالية للنظام والتي تدار بواسطة جهات وشخصيات على علاقة مباشرة بالسيسي.

Facebook Comments