“يا باشا خلاص، الشعب كده ركب” من تسجيلات لاسلكي شرطة المخلوع مبارك عصر يوم 28 يناير 2011، وفي الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس الذي يوافق الذكرى السابعة لثورة 25 يناير، كشفت الاستعدادات الأمنية القصوى التي تجريها سلطات الانقلاب بإيعاز من السفيه عبد الفتاح السيسي، في جميع الأماكن الحيوية بالقاهرة والمحافظات، وبناء حصون حول ميدان التحرير، بالرغم من عدم وجود دعوات قوية للنزول، التأثير النفسي التاريخي الذي تركته ثورة يناير في نفوس الشرطة، حيث أنه اليوم الذي ردد فيه صبيان اللواءات “الشعب ركب يا باشا”، وتحول هذا اليوم من عيد إلى شبح يطارد الشرطة أينما كانوا ويذكرهم بانتفاضة المظلوم ضد الظالم.

وقبل سبع سنوات وتحديدًا مع الساعات الأولى لثورة 25 يناير في 2011، ظهرت مشاهد عديدة تبرز طبقية هذه المؤسسة المنبوذة بمصر، والتي منها عبارة “إحنا أسيادهم” التي قالها مدير الأمن بدمنهور، بعد الثورة بفترة قليلة، والتي تلخص سياسة تعامل جهاز الشرطة مع المصريين.

تقول حسناء مصطفى، طبيبة شاركت في إسعاف الثوار أن: “مشهد انسحاب الشرطة أمام المتظاهرين هو تاريخي فلم يحدث مثله في تاريخ مصر، ونتمنى تكراره مستقبلا مع هذه المؤسسة التي لم يتم اقتلاع جذور الفساد داخلها كأكبر أخطاء الثورة”.

من جانبه قال نجاد البرعي المحامي الحقوقي في تصريح صحفي إن: “يوم 25 يناير تحول من عيد الشرطة إلى شبح ثوري يطارد هذة الهيئة، لما كان فيه من ثوار عزل أجبروا قوات مدججة بالأسلحة على الفرار في الشوارع والميادين والتخلي عن الأقسام والسجون”.

وأضاف البرعي أن: “الشرطة فقدت الثقة في قدرتها على مواجهة الشعب وأنها باتت تنام هذة الليلة في أحضان الجيش نفسها بالجيش وهو ما يراه فاضل دليلًا على عجز النظام الذي يدرك أن هناك غضب حقيقي يمكن أن ينفجر في أي لحظة”.

مشاعر الكراهية

بينما قال جمال عيد الناشط الحقوقي ومدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، في تصريح صحفي أن :”الشرطة تعلم جيدا أن مشاعر الغضب والاحتقان لم تترك صدور المصريين يوما ما، فما بعد 30يونيو عادت الشرطة لارتكاب جرائم مختلفة من الإخفاء القسري إلى القتل وإغلاق المكتبات”.

وأضاف عيد أن: “الاحتفال بعيد الشرطة هو مناسبة رسمية تحمل مشاعر الكراهية والغضب بسبب ممارسة الشرطة مع المواطنين جعلت بينهم وبينها ثأرًا ينتظرون القصاص له في أقرب وقت، مشيرا إلى أن ضحايا القتل خارج إطار القانون على يد الداخلية خلال الأعوام الماضية، قد يصل عددهم إلى أكثر من 2000 قتيل في سلسلة من جرائم ومجازر متتالية شهدتها مصر خلال السنوات الماضية”.

يشار إلى أنه في 2011 ضاق الخناق بين الشعب جراء انتهاكات الشرطة، حيث اختار الشباب يوم الخامس والعشرين من يناير يوم عيد الشرطة، عن قصد وعمد لينهوا مسلسل الإهانة والإذلال الذي عاشت فيه مصر، يقول الناشط السياسي أحمد سيد أن :”ما آلت إليه أحداث ثورة يناير لم يكن متوقع، فالهزيمة نفسية حيث انكسرت هيبة الشرطة وجبروتها، ونجح الشعب في تقليص حجمهم من الوحش إلى النعامة التي كانت تجري أمام المتظاهرين، واختبئوا أعلى أسطح المنازل وداخل معسكرات الجيش”.

 

يوم الفصل الثوري

بعد الزخم الذي كان في يوم 25 يناير وما تبعه من ردود فعل حكومية في يومي 26 و27 تتحدث عن «مؤامرات» و«مظاهرات غوغاء» و«شرطة التزمت أقصى درجات ضبط النفس» رغم وجود قتلى منذ اليوم الأول للثورة منها ما كان في السويس «المدينة المشتعلة»، توقع أغلب المتظاهرين أن يكون يوم الجمعة الذي اختاروا له صفة «الغضب» أن يكون «كبير» وليس مجرد تجربة تصيب أو تخيب، كما توقعوا لـ25 يناير.

انقطع الإنترنت وتوقفت خطوط الموبايل عن العمل بتنسيق بين شركات و«جهات سيادية»، لكن بعد أن نفذ السهم عبر صفحة «كلنا خالد سعيد»، بالدعوة لخروج مسيرات من المساجد والكنائس في مختلف محافظات الجمهورية، ليستجيب ملايين من أماكن أبرزها «الاستقامة، ومصطفى محمود، والفتح، ودوران شبرا، وامبابة».

اختلف يوم 28 يناير منذ صباحه الباكر، فهتاف «سلمية» لم يعد مؤثرًا في أفراد التشكيلات الأمنية التي أفسحت الطريق للمتظاهرين يوم 25، ففي ذلك اليوم «جمعة الغضب» وبعد مواجهات الأيام الثلاث الأول كان العنف سيد الموقف، لدرجة حصار أفراد الشرطة للمصلين في المساجد كما كان في «الاستقامة» بميدان الجيزة، وتصويب أفراد آخرين من الشرطة نفسها خراطيم المياه لمصلين آخرين أعلى كوبري قصر النيل، قبل دهس عدد منهم بالمدرعات وضربهم بالخرطوش وقنابل الغاز.

كان اليوم مختلفًا، حتى على مستوى استجابة المتظاهرين، فالرد على حصار المصلين في «الاستقامة» كان الهتاف وكسر الكردون الأمني، ليتقهقر رجال الشرطة من الميدان إلى محل عمر أفندي، ويدعوا المتظاهرين يبدأوا رحلتهم لميدان التحرير التي رأوا فيها أفراد أمن مديرية أمن الجيزة متحصنين بسورها، مغلقين بابها وخلعوا لافتة الحزب الوطني بالجيزة، أما على كوبري قصر النيل وبعد ساعات انتصر المتظاهرون، الذين كان بعض من زملائهم على بعد أمتار منهم في داخل المقر الرئيسي للحزب الوطني الذي لم يكن وحده ما احترق في «جمعة الغضب»، بل آلت أقسام شرطة في مختلف المحافظات إلى المصير نفسه.

بعد المعارك، لم تحاول قوات الشرطة التي تمركز بعضها عند مدخل شارعي قصر العيني ومحمد محمود المؤدي لوزارة الداخلية، تكرار ما فعلته يوم 25 يناير بفض الميدان الذي أحكم المتظاهرين قبضتهم عليه، وهو ما أكده الوضع في مناطق منها شوارع وسط البلد، التي جرى المجندين فيها «بالظبط زي حركة شخصيات أفلام الكارتون»، بحسب وصف الناشط السياسي خالد عبدالحميد، الذي قال إنه لمس قلق المتظاهرين في نهاية اليوم «لأنه مبقاش فيه حاجة، بقوا هما والفضا وبس».

يحكي من عاشوا يوم 28 يناير وإلى يومنا هذا عن مشهد شهير متكرر لضباط وجنود خلعوا ملابس الشرطة وجروا في الشوارع مولين الأدبار، وهو ما رأه خالد ويقول عنه «مش هنسى عسكري سألني عند دار القضاء عن الطريق لمحطة مصر علشان يسافر بلده وسألني إذا الناس هتضربه، وطلب مني 10 جنيه وخلع لبس الشرطة، الموضوع كان انتهى فعلاً، وأيوة الشعب ركب وانتصر»، وقناعة الانتصار في «يوم الفصل الثوري» هي ما تجعل ناشطًا مثل خالد يقول دومًا عن يوم 28 موجهًا حديثه إلى «الثور المضادة» ورجالها، «إحنا عارفين إنكم عارفين إن إحنا عارفين إن إحنا انتصرنا، وإنها مكانتش مؤامرة، وإن الشعب هو اللي اتحرك وانتصر، وان هو اللي كسرهم، وهو إلى هيكسرهم ولو بعد حين، المرة الجاية».