أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي “آبى أحمد” تخوفات المصريين، خاصة أن “آبى أحمد” تجاوز كل الخطوط الحمراء، ومنها التهديد بالحرب من أجل حماية سد النهضة من أى هجوم عسكرى من الجانب المصري.

التصريحات كشفت عن ضعف العسكر وفشلهم في التفاوض، بجانب عدم قدرتهم على التلويح بضرب سد النهضة أو التهديد بعمل عسكرى.

ويؤكد خبراء وسياسيون أن هذا الفشل لم يكن ليحدث إلا بتخطيط ورعاية صهيونية للضغط على مصر وإضعافها, وتواطؤ من قائد الانقلاب الذي وقع على وثيقة تنازل مصر عن حقها في مياه النيل, ومنع بناء أي سدود تؤثر على حصتها فيها.

هل من الممكن أن تتسبب أزمة سد النهضة في حرب بين مصر وإثيوبيا؟ وهل يستطيع العسكر حسم هذا الخيار للحفاظ على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل؟ ولماذا هذه الجرأة الغريبة في تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبى؟ هل هناك قوى خارجية تساعده أم أنه أدرك ضعف نظام العسكر الذى يهيمن على مصر منذ الانقلاب الدموى فى 3 يوليو 2013؟

كان رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، قد قال إنه إذا اضطرت بلاده إلى خوض حرب بشأن سد النهضة، فيمكن لها أن تحشد الملايين من أجل المواجهة.

وقال آبي أحمد خلال جلسة استجواب في البرلمان الإثيوبي، بشأن أزمة سد النهضة: “البعض يقول أشياء بشأن استخدام القوة من جانب مصر، يجب تأكيد أنه لا توجد قوة يمكن أن تمنع إثيوبيا من بناء السد.

وأكد أنه إذا كانت هناك حاجة إلى الذهاب إلى الحرب، فيمكننا حشد الملايين، وإذا تمكن البعض من إطلاق صاروخ، فيمكن للآخرين استخدام القنابل.

واستطرد “لكن هذا ليس في صالحنا جميعا، مشددا على أن إثيوبيا مصممة على إنهاء مشروع سد النهضة، لأنه “مشروع ممتاز”، بحسب قوله.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن آبى أحمد قوله: “سد النهضة سيستمر كما هو مخطط له، ولا يمكن لأحد أن يوقف إكمال هذا المشروع الحيوي والمفصلي للبلاد، مؤكدا أن إثيوبيا ستواصل بناء السد واستخدامه لتوليد الطاقة دون إلحاق أي أذى بالاحتياجات المائية للبلدان المجاورة.

وأضاف أن “التأخير في بناء سد النهضة كان سببه الأساسي مشاكلنا الخاصة، كان لزامًا علينا أن ننهي العمل بالسد قبل سنوات ماضية”.

واستطرد “يمكن أن نتشارك مع مصر تنمية اقتصادية خضراء في إثيوبيا من خلال الانضمام إلى هذه الخطوة، لزراعة أكثر من 20 مليار شتلة من الأشجار، التي يمكن أن تسهم في الحد من آثار تغير المناخ على منطقة حوض النيل، وتحسين الموارد المائية للحوض”.

عسكري جاهل

وتعليقا على تصريحات آبى أحمد، أشار الباحث حازم عبد الرحمن إلى أن هناك أفكارا كثيرة لمواجهة الأزمة لدى الخبراء العسكريين والاستراتيجيين, مثل خيار احتلال السد عسكريا وتخريبه وتعطيله دون التدمير الكامل له, بحيث لا يعمل, وتضيع على إثيوبيا المليارات الخمسة من الدولارات التي استخدمتها في تمويله, وتسقط أحلامها غير المشروعة, ومعها المؤامرة الصهيونية ضد مصر.

وقال: هناك فرص كثيرة لتفكيك إثيوبيا وتفتيتها إلى دويلات صغيرة انطلاقًا من المتناقضات والصراعات العرقية والأيديولوجية بدعم الحركات الانفصالية، وهذا الخيار من أسهل الخيارات المتاحة، ولكن المشكلة في الإرادة السياسية التي يحتكرها عسكري جاهل ثبتت عليه اتهامات بالعمالة والخيانة.

وأضاف عبد الرحمن، في تصريحات صحفية، أن سياسة مصر الثابتة عبر عنها تصريح تاريخي هدد فيه وزير الدفاع الراحل المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، بتدمير أي سدود على نهر النيل, مؤكدا أن مصر ستستخدم القوة الشاملة ضد ما يهدد حصتها من مياه نهر النيل، ولم يكن تهديد أبو غزالة جديدا على السياسة المصرية تجاه أطماع إثيوبيا في الاستئثار بمياه النيل دون غيرها؛ فعندما اعتزمت إنشاء سد كبير على النيل لتوليد الكهرباء، في عهد جمال عبد الناصر بعث بخطاب إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي، جاء فيه: “نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدًا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركًا مصريًا غير مسبوق، فامتثلت إثيوبيا بعد نصيحة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، وقللت ارتفاعه من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط.

وذكر أنه عندما عادت إثيوبيا إلى هذه المحاولات في عهد الرئيس السادات أرسلت القاهرة رسالة رسمية عبر وزير خارجيتها: إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شيء يعوق وصول حقنا في الماء كاملًا، فلا سبيل إلا استخدام القوة, وقد تكرر التهديد بإعلان الحرب على إثيوبيا في عهد المخلوع حسني مبارك عندما تأزمت العلاقات وشرعت إثيوبيا في استئناف خططها التنموية لمواردها من مياه النيل، وإقامة السدود لتوليد الكهرباء, وهو ما قوبل بتهديد مصر بإعلان الحرب، عبر تسريبٍ صوتي منسوب لمبارك, قال فيه إنه مستعد لضرب السد بطائرة “توبوليف”– قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت– في حال أقدمت على تنفيذ تهديدها.

ويكيليكس

ولفت عبد الرحمن إلى وثيقة سربها موقع «ويكيليكس» عام 2013، جاء فيها أن مبارك طلب في أواخر حكمه من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا على بناء سد, وفي عهد الرئيس محمد مرسي قال على الهواء مهددا: “إذا نقصت قطرة واحدة من ماء النيل فإن دماءنا هي البديل”.

وأوضح أن سياسة مصر الثابتة لحماية حصتها من مياه نهر النيل كانت الخيار العسكري, الذي كان ناجحا في كل مرة يتم التلويح به فيها, لكن الحكم العسكري الذي جاء بعد انقلاب 3 يوليو 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي كان أول خروج على سياسة مصر الثابتة لحماية حقوقها في مياه النيل, وهي تستند في ذلك إلى حقوق تاريخية بموجب اتفاقيتي 1929 و1959 اللتين تمنحانها 87% من مياه النيل، وهو ما يقدر بـ55 مليار متر مكعب سنويا. مشيرا إلى أنه بموجب هاتين الاتفاقيتين تمتلك مصر حقّ الموافقة على مشاريع الري في دول المنبع, لكن إثيوبيا تجرأت اليوم لتعلن أنها ترفض الاعتراف المباشر أو غير المباشر بأي معاهدة سابقة لتحديد حصص المياه, ولم يكن ذلك ليحدث إلا بتخطيط ورعاية صهيونية للضغط على مصر وإضعافها, وتواطؤ من قائد الانقلاب الذي وقع على وثيقة تنازل مصر عن حقها في مياه النيل, ومنع بناء أي سدود تؤثر على حصتها فيها.

واعتبر عبد الرحمن أن سد النهضة الذي يهدد الحياة في مصر, ويجعلها عرضة للغرق برأي أذرع الانقلاب وخبرائه إذا ما أقدمت على ضرب السد الإثيوبي, مع إغفال أن الخيار العسكري يمكن أن يكون هو أحد الحلول, إذا ما تم التفكير فيه جيدا من كل الزوايا بحيث تقل أو تنعدم الأخطار المحتملة من العمليات الموجهة نحو السد؛ فهناك طوفان المياه على الوادي والدلتا, وهو خيار مدمر.

وتساءل لأولئك الذين يحذرون من ضرب سد النهضة عسكريا بسبب ما ينتج عنه من مخاطر؛ فما هي نصائحهم إذا انهار هذا السد ذاتيا كما يقول خبراء آخرون؟, وهم يؤكدون أن هذا سيحدث, وأن طبقات الطمي ونوع التربة من العوامل التي تجعل العمر الافتراضي لأي سد في إثيوبيا يتراوح ما بين 5 سنوات و 20 عاما على الأكثر، بسبب النحت للأراضي.

إسرائيل

وقال الكاتب الصحفى عبد البارى عطوان: إن تصريحات عبد الفتاح السيسي بشأن مياه النيل وسد النهضة تحمل تهديدا واضحًا لإثيوبيا لا يحتاج إلى تفسير، موضحا أن تخفيض حصّة مِصر من المياه يعني “إعلان حرب” لا يُمكن أن يمر دون التصدّي له بكُل الوسائل .

وأشار إلى أن هناك أصواتا سياسيّة وعسكريّة داخِل مصر بدأت تُروّج لحتميّة الحل العسكري وتدمير السد الإثيوبي إذا لم يتم احترام المطالب المِصريّة، لأنّ مِصر التي زاد عدد سُكّانها عن 100 مليون نسمة تحتاج إلى حصصٍ مياه أكبر، وليس تقليصها، بسبب الزيادة السكانيّة الهائلة، كما أن 95 بالمئة من أراضيها صحراء قاحلة، ومياه النيل بالنّسبة لها، ومُواطنيها، مسألة حياة أو موت.

وأضاف عطوان “لا نعرف ما إذا كانت الإدارة الأمريكيّة ستقوم بالوساطة لنزع فتيل الأزمة، ومنع أيّ انفجار عسكريّ مُحتمل، ولكن ما نعرفه أنّ إسرائيل هي التي حرّضت إثيوبيا على بناء السّد، وقدّمت لها القُروض والخبرات الهندسيّة في هذا الصّدد من أجل تهديد أمن مِصر، وتقليص حِصصها المشروعة من المياه” .

ولا يستبعد عطوان أن تستمر الدولة الصهيونيّة في دعم الموقف الإثيوبي من خلال حثّ الطّرف الأمريكيّ على تبنّي هذا الموقف، خاصّةً أنّ إثيوبيا كافأتها، أيّ إسرائيل، بالاعتراف بها وتوثيق علاقاتها بدول إفريقية أُخرى، واستضافة بنيامين نِتنياهو رئيس وزرائها في أديس أبابا، ومُخاطبة اجتماع لمُنظّمة الوحدة الإفريقيّة.

وتابع: المُصيبة أنّ الخلافات العربيّة المُتفاقمة، وعداء بعض الدول لنظام السيسي، دفعها لتبنّي الموقف الإثيوبي، واستثمار المليارات في بناء سد النّهضة، من مُنطلق النّكاية والمُناكفة، وهذا مَوقفٌ مُعيبٌ بكُل المقاييس، يزيد من تعميق الأزمة، مشيرا إلى أن سَد النّهضة مشروعٌ مَوجَّهٌ ضِد مِصر، كُل مِصر، وستكون آثاره السلبيّة في حال عدم وقفه، ليس تهديدًا لمِئة مِليون مِصري فقط، وإنّما كُل الأجيال المِصريّة المُقبلة.

واختتم عطوان قائلا: الموقف المِصري المُتعلّق بسد النهضة يجب أن يحظى بدعم كُل الحُكومات العربيّة دون تردّد أو استثناء، بغضّ النّظر عن مواقفها تُجاه حُكم السيسي وسِياساته، فهو ليس مُخلّدًا مِثل أبو الهول والأهرامات، ومِصر هي الباقية أبدًا.

خطأ السيسي

وأكد الدكتور بدر شافعي، الخبير في الشئون الإفريقية، أن السيسي أخطأ بتوقيع اتفاق سد النهضة، الذي لم ينص للمرة الأولى على حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل، مشيرا الى أن سعيه الآن لتدويل المفاوضات ونقل القضية للأمم المتحدة لن يفيد مصر.

وقال شافعي: إن أوراق مصر للضغط كانت تتمثل في: التحكيم وهو ما ترفضه إثيوبيا، والخيار العسكري وهو ما لن يلجأ إليه السيسي.

وأشار إلى أن أوراق مصر الأخرى، التي كانت تتمثل في إريتريا وجبهة تحرير الأورومو، سقطت بعد نجاح رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” في تحييد الطرفين بالمصالحة معهما.

حياة أو موت

ويرى مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الضغط على أديس أبابا بالوسائل التقليدية لن يحقق نتيجة، مطالبا بضرورة اللجوء إلى المعالجة العسكرية ما دام طريق التفاوض قد انتهى بالفشل.

وتساءل غباشي: إذا كانت المفاوضات قد فشلت فما هو المطروح الآن من جانب العسكر للحفاظ على حقوق مصر فى مياه النيل؟ مؤكدا أن المسألة صعبة خاصة مع اكتمال السد وآليات بنائه، والذى من المؤكد أنه سيتسبب في ضرر بالغ لمصر.

وقلل من تأثير إمكانية لجوء مصر للتحكيم الدولي في أزمة بناء سد النهضة، مضيفًا: بعيدًا عن اللجوء للمحاكم الدولية ومثل هذه السيناريوهات، فالتفاوض مآله فشل ونجاحه الأكبر أصبح في تقليل الضرر في وقت البناء أو تغيير مسار النيل.

وتابع غباشي أن الجانب الإثيوبي يذكرني في تفاوضه مع مصر بشأن سد النهضة، بتفاوض إسرائيل مع الفلسطينيين في مسألة الدولة الفلسطينية، فهو يماطل ويماطل بلا فائدة.

وحول الحلول البديلة لعملية التفاوض، قال: لا أستطيع أن أحسم خيار توجيه ضربة عسكرية مصرية للسد، لكني أتصور أنه من المفترض أن تكون كل الخيارات مفتوحة لأن الموضوع مرتبط بحياة أو موت بحسب التصريحات المحسوبة على السيسي .

وحذر غباشي من أن السيسي ربما يمهد بهذه الخطوة، إلى القرار الأخطر، وهو السماح بنقل مياه النيل، إلى الاحتلال الإسرائيلي مستبعدا فكرة التحركات المخابراتية المصرية لدعم حركات التمرد في إثيوبيا، واستشهد بتصريحات رسمية تؤكد أن “مصر لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وأنها لا تعزز تيارًا على آخر داخل أية دولة”.

Facebook Comments