بعد ارتفاع تكلفة التأمين على السندات الحكومية باستخدام عقود مبادلة الائتمان إلى أعلى مستوى في ‭‭‭‭‭16‬‬‬‬‬ شهرا، نتيجة اضطراب الأسواق الناشئة حول العالم ومخاوف تحيط بالجنيه المصري، أظهرت بيانات من مؤسسة “ماركت” أن تكلفة التأمين على الديون التي أجلها خمسة أعوام ارتفعت إلى 379 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس 2017.

ونقلت “رويترز” عن رضوى السويفي، رئيسة قسم البحوث لدى بنك الاستثمار المصري “فاروس”، إن تدهور معدلات تكلفة التأمين على الديون ناتج عن مزيج من اضطراب الأسواق الناشئة عموما، وارتفاع القيمة المطلقة للدين بمرور الوقت، والمخاوف من ضغوط على الجنيه المصري أو انخفاض قيمته.

وأضافت السويفي أن مخاطر تخلف البلاد عن السداد وتقلبات أسعار الصرف مرتبطان على نحو يستحيل الفصل بينهما، موضحة أن انخفاض قيمة عملة البلاد غالبا ما يكون انعكاسا للأوضاع الاقتصادية السيئة.

يأتي ذلك في الوقت الذي ناقض وزير المالية في حكومة الانقلاب محمد معيط، نفسه بتصريحين مختلفين، كشف من خلالهما التخبط والإرتباك والفشل.

وقال وزير مالية الانقلاب: “للأسف الشديد، نستدين من أجل سداد أعباء الديون، والرئيس عبد الفتاح السيسي أعطى لموضوع الديون أولوية، عن طريق وضع إستراتيجية لتخفيض الدين والسيطرة عليها”.

وقال معيط في تصريحه الآخر والذي ناقض به تصريحه الأول: “إن مصر تستهدف طرح إصدار سندات بالعملة الأجنبية على الأقل في الربع الأول من 2019، وأن مصر تعتزم طرح سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار، خلال العام المالي الجاري 2018-2019”.

في الوقت الذي ارتفع الدين الخارجي لـ94 مليار دولار هذا العام، بعد أن تتسلم مصر الشريحة الخامسة بقيمة ملياري دولار من صندوق النقد الدولي، قبل نهاية الشهر الجاري.

عيوب هيكلية بالاقتصاد

وأبدى الباحث الاقتصادي أحمد البهائي، دهشته من أنّ هناك من يردد أن نسبة رصيد الدين الخارجي إلى الناتج المحلي ما زالت في حدودها الآمنة، على الرغم من أنها اقتربت من 50%، متناسين أنّ الاعنماد على هذا المؤشر يتطلب اقتصادا متوازنا، بمعنى مساهمة الناتج المحلي الإجمـالي بالنـصيب الأكبر في حجم الإنفاق القومي، بشقيه الاستهلاكي والاستثماري، كما تناسوا أن الاقتصاد المصري يعاني من عيوب هيكلية، وأنّ الإفراط في الاقتراض من الخارج من أجل سد الفجوة التمويلية، وحل أزمة نقص العملة الصعبة في السوق، زادت من أعباء خدمة الديون المستحقة (فوائد القروض وأقساطها)، ما ساهم في اقتطاع جزء كبير من إجمالي النـاتج المحلي للوفاء بالتزامات المديونية الخارجية، بل واللجوء الى الإقتراض من جديد من أجل الوفاء بتلك الالتزامات على حساب تمويل الواردات.

وأكد البهائي، خلال مقال له، اليوم الخميس، أنه نتيجة عدم قدرة الحكومة (الانقلابية) على تمويل الواردات من السلع، ساهم فـي حـدوث انخفاضٍ في حجم العرض الكلي من السلع والخدمات، مع تزايد حجم الطلب الكلي، الأمر الـذي ما زال يـدفع الأسـعار نحو الارتفاع، وبالتالي ساهم في زيادة عجز الموزانة والديون والضغوط التضخمية.

ويعتبر مؤشر رصيد المديونية الخارجية بالنسبة إلى الصادرات الطريق الأمثل لمعرفة ما إذا كانت الديون الخارجية لمصر في حدودها الآمنه أم لا، نظرا لأن حصيلة الصادرات من النقد الأجنبي تمثل المصدر الرئيسي لسداد أعباء الديون وتمويل الواردات، فالزيادة في حجم المديونية الخارجية ساهمت في زيادة الأعباء المترتبـة عليهـا من أقساط وفوائد، تلك الأعباء تستقطع الجزء الأكبر من النقد الأجنبي لسدادها، ما ساهم في ظل محدودية موارد النقـد الأجنبـي إلـى زيـادة الـضغوط التضخمية، نتيجة عجز الحكومة عن تمويل وارداتها مـن الـسلع والخـدمات.

وقال البهائي إنه ترتب على ارتفاع أعباء خدمة المديونية الخارجية المسدّدة انخفاض القدرة الاستيرادية للاقتصاد الـمصري المعتمدة على المصادر الحقيقية للنقد الأجنبي من 23% عام 2016 إلى 15% عام 2018، والتي يمكن الحصول عليها من قسمة الرصيد المتبقي من صافي الصادرات (طرح خدمة أعباء الدين الخارجي من قيمة الصادرات) على قيمة الواردات مضروب في مائة، خصوصا إذا علمنا أن في 2016 و2018 كانت قيمة الصادرات (20.4،24)، وأعباء خدمة الدين الخارجي (5.2،13.6)، وقيمة الواردات (66،68)، كذلك في الوقت نفسه ارتفعت العمليات الإستيرادية الممولة بالقروض الخارجية من 77% عام 2016 إلى 85% عام 2018، التي يمكن الحصول عليها من خلال طرح المقدرة الاستيرادية للاقتصاد لكل عام من مائة .

تفاقم الديون وفوائدها

وأضاف أن انخفاض عوائد تلك المشروعات وعجزها عن الوفاء بالالتزامات الناشئة عـن تلـك القروض، وفي ظل محدودية موارد الدولة من النقد الأجنبي، وارتفاع معدلات الفائدة على القـروض الخارجيـة، أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، وبالتالي زيادة أعباء الدين الخارجي، ما جعل الاقتصاد عرضة لمشكلات مالية واقتـصادية كبيرة، حيث توصف المديونية الخارجية لمصر بأنها متفاقمة لإرتفـاع متوسـط نسبتها إلى إجمالي قيمة الصادرات عن 350%، ليؤكد لنا فشل السياسات النقدية والمالية في اعتمادها على القروض الخارجية وعلاج الإختلالات الناجمة عن الزيادة في المديونية الخارجية، حيث انتقلت الحكومة من مرحلة التوسع والإفراط في الاقتراض من الخارج إلى مرحلة الإدمان، وهذا ما يؤكّده تصريح محافظ البنك المركزي، طارق عامر.

وكان “عامر” صرح بأن “ليس لدينا أي قلق من مستوى الدين الخارجي، وقدراتنا أكثر بكثير، ونتحمل دينا خارجيا أكثر بكثير من ذلك”، وهو ما اعتبره خبراء اقتصاديون مكمن الخطورة، فقد سلطت مؤسسات اقتصادية دولية عديدة الضوء على ديون مصر الخارجية، ووضعها ضمن سبع دول ناشئة معرّضة لمخاطر، بسبب ارتفاع تكلفة الديون وسعر الفائدة، على الرغم من وصول الاحتياطي النقدي المصري إلى مستوى مرتفع، إلا أنه يوصف بالهش الضعيف؛ بسبب التزام مصر على المدى القريب والمتوسط بسداد أقساط وفوائد ديون خارجية وودائع من دول أجنبية، خصوصا أنه تم بناؤه في الأساس من الحصول على قروض خارجية، وقد يسبّب ذلك ضغوطا سلبية على تصنيف مصر الائتماني، ويضعف المقدرة على السداد في الآجال المحددة.

فيما أعرب “البهائي” عن خشيته من تكرار المشهد الأرجنتيني عام 2002، وهنا سيكون أشد ضراوة في مصر عنها في الأرجنتين، أو تكرار السيناريو الذي تعرّضت له مصر خلال حكم الخديوي إسماعيل عام 1882 عند إنشاء قناة السويس.

Facebook Comments