على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، تزايدت حالات العنف الأسري، وتنوعت أشكال الاعتداء من الآباء أو الأقارب على أطفالهم، بين التعذيب الجسدي والاغتصاب والقتل، في وقائع بدت غريبة على المجتمع المصري، وأثارت ضجّة كبيرة لدى الرأي العام، وكان ضحاياها والمتورطون فيها ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة.

ما الجديد؟

آخر حلقات العنف الأسري تجاه الأطفال، لطفلة لم تكمل الخامسة من عمرها، حيث تعرضت للتعذيب الشديد على يد خالتها بالحرق والضرب.

الطفلة هبة أحمد، البالغة من العمر 5 سنوات، والمقيمة في بلبيس بمحافظة الشرقية، انتقلت للعيش مع خالتها نظرا لوفاة الأب وسجن الأم، والتي تعذبت على يد خالتها بالضرب على وجهها والحرق بأداة معدنية.

الحالة السيئة التي كانت عليها الطفلة كانت دافعا لأحد الأشخاص لطلب استغاثة لإنقاذها، عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، حيث كتب حساب يحمل اسم “أطفال مفقودة”، منشورا على موقع التواصل الاجتماعي جاء فيه “طفلة تدعى هبة انتقلت للإقامة مع خالتها التي قامت بضربها وحرقها وإلقائها في الشارع”.

وعقب إجراء كافة الفحوصات على جسد الطفلة، تبين إصابتها بكدمات في الوجه واليدين وحرق طفيف بالظهر، وأوضح الفريق الطبي المعالج لها أن حالتها أصبحت مستقرة بعد تلقيها العناية الكاملة داخل المستشفى.

الطفلة جنة

وسبقت الطفلة “هبة”، وقائع وفاة الطفلة “جنة”، التي لم يتجاوز عمرها 5 سنوات، وكانت تعيش مع خالها وجدتها بعد انفصال والديها، وراحت ضحية التعذيب على يد جدتها، بحجة تبولها لا إراديا.

وقبل عام، شهدت محافظتا الدقهلية والمنيا، واقعتين متشابهتين لقتل 4 أطفال لم تبلغ أعمارهم الـ5 سنوات على يد آبائهم، الأولى كانت على يد أبّ ألقى بطفليه في ترعة أثناء اصطحابهما للاحتفال بعيد الأضحى بأحد الملاهي، مبررًا فعلته بأنه كان يمر بضائقة مالية قائلا: “قتلتهما ليدخلا الجنة”، وفقًا لاعترافاته أمام النيابة.

فيما كانت الواقعة الثانية على يد أم عشرينية ألقت طفليها في ترعة بإحدى قرى محافظة المنيا، ولكن شاهدها أهالي القرية واستطاعوا أن ينقذوا أحدهما، وأرجعت الأم السبب إلي وقوع مشاجرة مع زوجها.

الطفلة ندى

طفلة لا يتجاوز عمرها بعد الـ6 سنوات، تخرج من بيت أبيها بينما تبدو على وجهها بوضوح ملامح الفزع والألم، أصابعها شبه ممزقة من كثرة الحروق، لا يستر جسمها الهزيل سوى قطع الملابس المهلهلة وهى تستنجد بالجيران بصوت غير واضح، فيلتفون حولها فى ذهول وشفقة، ويقدمون لها الطعام، لتأكل بِنهم المحروم من الطعام.

هذا هو حال «ندى»، الطفلة ضحية التعذيب، التى انتشر بكثافة فيديو لها، على مواقع التواصل الاجتماعى، يوضح هروبها من بيت أبيها، فور خروجه وزوجته، فيما أسرعت إلى الاستغاثة بالجيران، وآثار الجروح غائرة فى رأسها وجسدها.

الطفلة ملك

فيما كانت الطفلة «ملك» التى لم يتجاوز عمرها الـ9 سنوات، ضحية تعذيب أسرة كاملة، فى جريمة مرّ عليها 6 شهور بالعمرانية، حيث شارك فى قتلها وتعذيبها وإخفاء جثتها الأب وزوجته وأمه وأشقاؤه، بدأها الأب بالبطش بها وتجويعها وتعذيبها، حيث تعرضت الطفلة بصفة مستمرة للحروق التى شوّهت جسدها، فضلاً عن الإصابات والكدمات التى لحقت بها، وتسببت لها فى إعاقة باليد، وقطع بالشفاه، نتيجة تعذيبها على يد جدتها ووالدها وزوجة والدها.

«ملك» كانت ضحية للتفكك الأسرى والطلاق، حصلت أمها «نورا» على حكم بحضانة الطفلة، وظلت معها 4 سنوات، لم يطلب الأب رؤيتها خلالها، سوى 4 مرات فقط، وفى المرة الأخيرة جاء إلى نادى العمرانية حيث مكان الرؤية، لقضاء الوقت مع طفلته، وهناك خدع طليقته بأنه سيتجول معها قليلاً ويشترى لها الحلويات، واختطفها.

وقائع التعذيب ألقت بظلال واسعة على نسب العنف ضد الأطفال، حيث أظهرت الإحصائيات الرسمية أن هناك نحو 11 ألف شكوى، منها عنف أسري بنسبة 35% وعنف جنسي 56%، وفق تصريحات صحفية لصبري عثمان مدير خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للأمومة والطفولة.

استشاري علم النفس السلوكي محمد هاني، لفت إلى أن هناك العديد من الأنماط السلوكية الغريبة عن المجتمع المصري ظهرت خلال الفترة الماضية، مرجعا ذلك إلى ارتفاع نسبتي الفقر والجهل، والاتجاه إلى استخدام القوى الناعمة المتمثلة في الأفلام والمسلسلات والفن الهابط، بصورة تكرس العنف والسلوكيات الخاطئة.

ويقول أمين عام الائتلاف المصري لحقوق الطفل هاني هلال إنه لا بد من إعادة النظر في قانون الطفل بالمادة رقم “7 مكرر أ” من قانون الطفل، وهي المادة التي تنص على مراعاة حق التأديب المباح شرعا، ومنع تعرض الطفل لأي شكل من أشكال الإيذاء.

وأضاف هلال، في حديث له، أن العنف ضد الأطفال تفشى في المجتمع لارتفاع نسب الطلاق والانفصال وغياب المسئولية الاجتماعية عند الأهالي، مشيرا إلى أن نسبتي الفقر والجهل المتفشيين في المجتمع المصري من أسباب وقوع مثل تلك الجرائم المأساوية.

التفكك الأسرى

وشدد على أنه كنتاج للعنف الأسري الذي يمارس ضد الأطفال وتفكك الأسرة يهرب الكثير من الأطفال من المنازل، مما يعرضهم لخطر سرقة الأعضاء أو العمل متسولين أو أن يصبحوا مجرمين.

وقالت الأمينة العامة للمجلس القومي للطفولة والأمومة عزة العشماوي: إن العنف ضد الأطفال بمصر في تزايد، خصوصًا العنف الأسري، وهو ما أرجعت سببه إلى النزاعات الأسرية وحالات الطلاق المتزايدة.

وبحسب جهاز التعبئة والإحصاء المصري، ارتفعت نسب الطلاق في العام الماضي مقارنة بعام 2017، إذ سجلت عدد حالات الطلاق 211 ألفا و521 حالة بالعام الماضي مقابل 198 ألفا و269 حالة في 2017 ليرتفع معدل الطلاق من 2.1 لكل ألف في 2017 إلى 2.2 لكل ألف من السكان عام 2018.

الباحثة ميرفت مصطفى، قالت إن أحد أسباب زيادة حالات العنف الأسري ضد الأطفال، هي ارتفاع نسبة الطلاق التي شهدت تزايدًا مستمرًا، حيث سجلت زيارة قدرها 6.7 % عام 2018 مقارنة بعام 2017، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

العنف ضد الأبناء

في أبريل الماضي، أطلق الأزهر الشريف مبادرة “أولو الأرحام” التي استهدفت التوعية بخطورة العنف الأسري، ومعالجة أهم أسبابه، وكيفية نشر قيم الود والمحبة بين أفراد الأسرة، مؤكدًا أن ترابط الأسرة هو “صمام الأمان” للمجتمع وأداة تطوره، وبثت هذه الحملة 7 رسائل إعلامية على البوابة الإلكترونية للأزهر الشريف، كان آخرها في مايو الماضي.

الدكتورة سامية خضر تضيف أن انهيار القيم وغياب الدور التربوي، الذي كانت تقوم به الأسر والمجتمع، هما من المشكلات التي تؤدي إلى العنف والاغتصاب والقتل “يعني زمان كان الأب بيقعد مع الأسرة أطول فترة ممكنة فبيبقى فيه توجيه ونصح، لكن دلوقتي ده مبقاش موجود”، ترى كذلك أن أساليب التربية تختلف من بيئة إلى أخرى، بحسب درجة الوعي، وبالتالي فإن وجود حملات توعوية وتربوية تخاطب الأسر أمر ضروري “لأنه لحد دلوقتي في أسر بتعاقب بالملعقة السخنة، واللسع والحرق، وبيعتبروا ده أساس التربية”.

تشير “خضر” إلى أهمية دراسة والاطلاع على تجارب الدول الأوروبية التي تتعامل بحزم شديد مع قضايا العنف الأسري، خاصة العنف ضد الأطفال، وتعد أستراليا أبرز هذه الدول، والتي وضعت قانونًا يمنع المدانين في قضايا عنف أسري من دخول أراضيها، وكذلك طردهم إذا تورطوا في هذا النوع من القضايا.

Facebook Comments