البيان الذي أصدره الجيش الإثيوبي الثلاثاء 11 أغسطس 2020م، حول استعداده للحرب دفاعا عن سد النهضة ضد أي هجوم محتمل والذي تسبب في أزمة ثلاثة مع كل من مصر والسودان يحمل كثيرا من الدلالات والرسائل، خصوصا في ظل التعثر المستمر لمسار التفاوض بين الأطراف الثلاثة.

موقف قوات الدفاع الإثيوبية، عبرت عنه من خلال تدوينة نشرتها عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إثر زيارة كبار قادة الفرقة الغربية الإثيوبية للسد. وقال اللواء ييرداو جبريمدهين في حديثه "إذا كان هناك من يعتزم مهاجمة السد، فإن جيشنا مستعد لحماية سد النهضة من أي هجوم". من جهته، قال العميد نيجيري تولينا، إن القوات العسكرية تراقب السد على مدار الساعة، طوال أيام الأسبوع لضمان تقدم الأعمال فيه.

وكان قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي استبعد في تصريحات سابقة اللجوء للخيار العسكري في أزمة السد، مؤكداً أنه يفضل الحل الدبلوماسي والتفاوض. إذ صرح السيسي حينها قائلاً: "مصر تتفاوض حول أزمة سد النهضة، هي معركة وستطول، كما أننا نرفض أي تهديدات". وأضاف قائلاً: "القلق لا يعني إطلاق التهديدات، التهديد وكلام الإعلام عن أي عمل عسكري، انتبه أنت تكلم الرأي العام في مصر، نحن نتفاوض والتفاوض وحده معركة ستطول".

وشهدت جولة المفاوضات الأخيرة التي يرعاها الاتحاد الإفريقي تعثرا مماثلا حيث طلبت السودان تأجيلها أسبوعا في ضوء "تغيير إثيوبيا أجندة التفاوض". وفي 21 يوليو 2020 عقد الاتحاد الإفريقي قمة مصغرة، بمشاركة الدول الثلاثة، عقب نحو أسبوع من انتهاء مفاوضات رعاها الاتحاد لنحو 10 أيام، دون اتفاق، وأسفرت القمة عن الدعوة مجدداً إلى عقد مفاوضات ثلاثية جديدة.  وتعثرت المفاوضات بين الدول الثلاث على مدار السنوات الماضية، وسط اتهامات متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا بالتعنت والرغبة بفرض حلول غير واقعية.

هل يمكن القيام بعمل عسكري؟

وكان نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبي الجنرال برهانو جولا قد هدد في تصريحات سابقة خلال شهر يونيو 2020م  الجانب المصري بتصريحات في صحيفة "أديس زمان" الأمهرية مؤكدا أن «بلاده ستدافع عن مصالحها حتى النهاية في سد النهضة». وأضاف العسكري الإثيوبي أن الحرب والانتصار في مشكلة سد النهضة ليس بامتلاك السلاح، وإنما "بمن يمتلك خبرة الحروب وفنياتها". مشددا على أن "جميع مفاتيح النصر في أيدي الإثيوبيين، وأن على المصريين أن يعرفوا أنه لا يمكن تخويف إثيوبيا، وأنه مهما حدث لن تستطيع القوات المصرية أن تدخل الأراضي الإثيوبية وتتحكم في مياه النيل»، على حد تعبيره.

ويرى عضو مفاوضات دول حوض النيل سابقا، وخبير القانون الدولي للمياه السوداني، الدكتور أحمد المفتي، أن "بدء ملء سد النهضة الإثيوبي يعني تصعيد الأزمة بنسبة 100%، حيث إن أديس أبابا بتلك الخطوة لا تترك أي خيار للسودان ومصر، إلا المواجهة أو الاستسلام، ولا توجد أي خيارات أخرى". وبشأن فرص اللجوء للخيار العسكري، أضاف أن الخيار العسكري لم يكن سهلا منذ البداية، لكن عندما يمتلئ السد بالفعل سيصبح الأمر أكثر صعوبة، وأكثر خطورة، وأنه "بعد الملء الكامل للسد سوف تكون هناك خطورة كبيرة على السودان، وبالطبع ستأخذ مصر تلك الخطورة في الاعتبار حال لجوئها للخيار العسكري".

إزاء ذلك، فإن مصر لا تملك خيارا  آخر إلا اللجوء لعمل عسكري لتدمير سد النهضة إذا ما بدأت أديس أبابا في حجز المياه؛ لأن ذلك يمثل عدوانا صارخا وتهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. وبالتالي فإن سيناريوهات العمل العسكري يمكن أن تدور حول المسارات الآتية:

الأول: دعم الجماعات الانفصالية المسلحة لشن هجمات بالوكالة على الحكومة و«سد النهضة». ولن يكون إيجاد مثل هذه الجماعات أمرًا صعبًا، فهناك أكثر من 12 جماعة مسلحة في إثيوبيا. بعضهم يعمل على قلب نظام الحكم، والآخر يهدف إلى إقامة دولة مستقلة. يبدو أن المخابرات المصرية  قد حاولت استخدام هذا الخيار، إذ أعلنت إثيوبيا، في مارس الماضي، عن تصديها لهجوم مسلح استهدف «سد النهضة»، وقالت إن المسلحين ينتمون إلى «حركة 7 مايو» المعارضة والمحظورة. كما أعلنت أديس أبابا أيضًا، في أواخر يوليو الماضي، عن نجاح السودان في توقيف مجموعة مسلحة قالت إنها تحركت من إريتريا لاستهداف «سد النهضة». ورغم أن القاهرة لم تتهم مباشرة بالوقوف وراء هذه التحركات، إلا أن اتهامات غير رسمية وجهت إليها.

الثاني: التدخل العسكري المباشر.  إما عبر توجيه ضربة عسكرية بالطائرات أو بصواريخ موجهة أو بعل كوماندوز وقوت خاصة. مع الوضع في الاعتبار التفوق الكاسح للقوات المسلحة المصرية التي تحتل المرتبة الـ9 عالميا في تصنيف الجيوش وفق تصنيف "جلوبال باور فاير"، بينما يحتل الجيش الأثيوبي المرتبة الــ41. والقوات العاملة بالجيش المصري تبلغ 454 ألفا وفي أثيوبيا 162 ألفا فقط. وميزانية الجيش المصري 4.4 مليار دولار والجيش الأثيوبي 340 مليون دولار فقط.

 لكن ثمة عقبات تحد من قدرة الجيش المصري على شن هجوم على أثيوبيا. أبرز هذه العقبات عدم امتلاك مصر أي نوعية متطورة من الأسلحة تكون قادرة على ضرب السد  رغم الصفقات المليارية التي أبرمها السيسي خلال السنوات الماضية. إضافة إلى  بعد المسافة بين مصر وإثيوبيا والتي تصل  إلى 2500 كم، فرغم تفوق مصر على إثيوبيا عسكريا كما ونوعا، فإن الطائرات المقاتلة التي تمتلكها مصر لا يمكنها الطيران كل هذه المسافة دون التزود بالوقود. كما أن الدول المجاورة لأثيوبيا تخشى من رد الفعل الإثيوبي إذا ما ساعدت مصر في ضرب السد. كما يحد من قدرات مصر على توجيه ضربة عسكرية لأثيوبيا أن للأخيرة علاقات وتحالفات دولية وثيقة وهناك قوى كبرى مثل الصين وفرنسا تربطها علاقات وطيدة باديس أبابا، وربما يشكل توجيه مصر ضربة عسكرية لسد النهضة رد فعل غاضبا من هذه الدول. أضف إلى ذلك مشكلات مصر الداخلية، إذ تعاني من وضع اقتصادي بالغ البؤس، فضلا عن الوضع السياسي المأزوم  لنظام السيسي الذي ربما يستبعد فكرة الدخول في حرب قد تشكل تهديدا لبقائه، لا سيما إذا فشلت العملية أو لم تسفر عن حل للأزمة.

Facebook Comments