أمام الضربات التي يتلقاها الجيش والشرطة بشكل شبه يومي في شمال سيناء من جانب المسلحين المتمردين، يتجه نظام انقلاب 3 يوليو، برئاسة الطاغية عبد الفتاح السيسي، نحو الاستعانة بمليشيات قبلية لمواجهة تمدد التنظيمات المسلحة، وخصوصا تنظيم “ولاية سيناء” فرع تنظيم داعش المحلي بمصر.

والهدف من ذلك هو الحد من خسائر القوات التابعة للنظام في الجيش والشرطة، وهو ما يمثل اعترافًا بفشل القوات النظامية والجيش المصنف التاسع عالميًا، في مواجهة عدة مئات من المسلحين، كما يمثل اعترافًا بفشل العملية الشاملة التي استمرت أكثر من عامين، ورافقتها حملة إعلامية ضخمة ثبت أنها مجرد أكاذيب وروايات عسكرية مفبركة.

وتشهد سيناء تطورات سريعة ومتلاحقة، كان آخرها ما أعلنه أمس الجمعة بيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، عبر صفحته على “فيس بوك”، حول مقتل 7 مواطنين بسيناء وصفهم بالتكفيريين، وضبط أسلحة وأحزمة ناسفة وهواتف محمولة وعربة دفع رباعي.

وهو البيان الذي لا يمكن التأكد من مدى صحته وصحة فحواه؛ لأن النظام  يفرض سياجا من السرية والتعتيم على كل ما يجري في سيناء، ويهدد بمحاكمة وسائل الإعلام التي تقتحم المجال لكشف حقيقة ما يجري بسكين قانون الإرهاب الصادر في 2015م، والذي يفرض على جميع وسائل الإعلام الالتزام حرفيًا ببيانات المؤسسة العسكرية.

على خطى “صحوات العراق”

وأمام خسائر النظام الكبيرة في سيناء، تتجه المخابرات العامة والحربية والمؤسسة الأمنية نحو الاستعانة بمليشيات قبلية على غرار مليشيات الصحوات العراقية، التي تمكنت منذ عدة سنوات من القضاء على مليشيات تنظيم داعش في العراق.

وتدير المخابرات هذه الاستعدادات بشكل مباشر في ظل تصاعد المواجهات بين تنظيم ولاية سيناء والقبائل الموالية للنظام، حيث دأب التنظيم على استهداف من يصفهم بالعيون والجواسيس الذين يتعاملون مع الجيش والشرطة وتصفيتهم ميدانيا ونهب أموالهم أو حرقهم بصورة وحشية مروعة.

ورغم فشل هذه الفكرة في 2017، إلا أن النظام يجدد التجربة لعلها تنجح هذه المرة في ظل الخسائر الباهظة التي تقع على القبائل الموالية للنظام، وعلى رأسها قبيلة الترابين التي تقود المواجهات القبلية ضد المسلحين، واستغلالها لنزعة الثأر والانتقام. ويدعم النظام- عبر المخابرات- هذه المليشيات القبلية بقدرات تسليحية عالية تفوق ما يملكه المسلحون من أجل شن معركة ضد التنظيم بعد عيد الفطر.

وفي الثالث من رمضان الجاري، جرى عقد لقاء مع عدد من مشايخ قبائل بسيناء، وتم الاتفاق على بدء التجهيزات لهذه المعركة.

ويتمثّل التجهيز الأول في حشد أكبر عدد من القبائل والمشايخ، ودعوة شبابها للاندماج في المجموعات العسكرية التي تديرها المخابرات في شمال سيناء منذ سنوات؛ بهدف التحضير للمعركة. وتتجه المخابرات نحو تجهيز حوالي ألف متطوع من شباب القبائل وتزويدهم بالسلاح والمعدات الخفيفة والمتوسطة وسيارات دفع رباعي لمواجهة المسلحين في مدن رفح، والشيخ زويد، وأطراف العريش، وبئر العبد، ومناطق وسط سيناء.

وستشهد مرحلة ما بعد عيد الفطر مواجهات دموية بين أهالي سيناء، في ظل حملة إعلامية تستهدف تشجيع التنظيم القبلي الجديد والمسلح، التابع للنظام، ضد التنظيمات المسلحة المناوئة للنظام، وذلك بإسناد مباشر من قوات الجيش والمخابرات، بما يضمن نجاح هذه المعركة.

تحفظ سيناوي

وتنقل صحيفة “العربي الجديد” عن إبراهيم المنيعي، أحد أبرز مشايخ سيناء، تحفظاته على هذه التوجهات بتكوين مليشيات قبلية ضد تنظيم ولاية سيناء ومسلحيه، موضحا أن “أهالي سيناء يدركون خطورة المرحلة الحالية، ويعون جيدا ما لهم وما عليهم، كما أنهم يجيدون لغة السياسة، ويدركون أن كل شيء بثمن، ووقت الخدمات المجانية انتهى بلا رجعة ويعرفون أين مصلحتهم، مع ضرورة الإشارة إلى أن حق العودة إلى أرضهم، التي هُجّروا منها قسريا خلال السنوات الماضية، يُعتبر مطلبا قبليا وحقا مشروعا بالنضال السلمي”. لكنه رأى أن “محاربة الإرهاب منوطة بالدولة وحدها، ومن صميم عملها حفظ الأمن والحدود على كل الاتجاهات، ومن يريد مساعدة الدولة فهذا شأنه وحده فقط. أما نظام الميلشيات فإن أضراره أكثر من منافعه وعواقبه كارثية على الجميع”. وأضاف “نريد دولة قانون وليس دولة مليشيات. كلنا رأينا وسمعنا تجاوزات ما يُسمَّون بالصحوات.. هذا رأيي الشخصي، وأنا مع ما يقرره شعب سيناء، لأني كلي ثقة بأنه سيختار ما في مصلحته”.

رسائل النظام وأهدافه

نظام الانقلاب إذًا يتجه لإشعال حرب أهلية في سيناء، عبر تشكيل تنظيم مسلح جديد مدعوم من المخابرات والأجهزة الأمنية لمواجهة تنظيم “ولاية سيناء” والمسلحين في سيناء، وهي روشتة تدمير لكل سيناء ما يثير كثيرا من الألغاز والتساؤلات حول الجدوى والهدف من إشعال هذه الحرب الأهلية في هذا التوقيت.

وإذا كانت المؤسسة العسكرية المصرية، المصنفة التاسع عالميا وفقا  تصنيف موقع “جلوبال فاير باور”، في فبراير الماضي، إلى جانب المخابرات الحربية والعامة وجهاز الشرطة، لم يتمكنوا من تركيع التنظيم والمسلحين، فهل تستطيع هذه المليشيات القبلية أن تحقق الهدف بالقضاء على التنظيمات المسلحة؟ وهل يملك هذا الشباب الخبرات القتالية التي يمكن بها مواجهة احترافية مسلحي التنظيم التي أعجزت الجيش نفسه؟ أم أن النظام يريد أن يجعل من هذا الشباب السيناوي طعما لاصطياد تنظيم ولاية سيناء ومسلحيه، وبذلك فإن النظام في حقيقة الأمر يضحي بهذه المليشيات القبلية ويدفع بها إلى صدارة المواجهات.

الأمر الثالث أن النظام بهذه الخطوة إنما يكشف عن رؤية سطحية تقوم على تقنين الأعمال المليشياوية، في تأكيد على تهاوي دولة القانون التي سقطت بالفعل مع بيان انقلاب 3 يوليو 2013م، ومن هذا اليوم أعلن السيسي أنه لا صوت فوق صوت القوة والسلاح؛ فبقوة الدبابات وأزيز الطائرات  دبر انقلابه وأطاح بنظام شرعي منتخب لأول مرة في تاريخ مصر، وداس ببيادته على اختيار الجماهير؛ فبأي وجه يرى السيسي في الأعمال المليشياوية المسلحة في سيناء خرقا للقانون؟ وعن أي قانون يتحدث إذا كان هو من داس على الدستور والقانون؟  

الأمر الرابع أن هذه الخطوة إنما تعكس الحقيقة المليشياوية للنظام ذاته، فهو من يعتقل الأبرياء بلا تهمة وينهب أموال الشرفاء بلا دليل، ويغتال مئات الشباب في تكريس لمفهوم المليشياوية وقطاع الطرق وقانون الغاب.

وأمام الجرائم المروعة التي ترتكبها قوات السيسي في سيناء وغيرها، فإنه هو نفسه من يعطي المشروعية لأعمال العنف المضادة؛ فبالعنف دبر انقلابه وبالعنف والسلاح اغتصب الحكم، وبالعنف والسلاح يحكم البلاد بالحديد والنار؛ فلماذا يلوم غيره على اتباع هذه الأساليب الإرهابية إذا كان هو الإرهابي الأكبر في مصر والعالم؟!.

خامسًا: هل يمكن الثقة في الجيش والشرطة رغم عدم اكتراثهم لما يجري لأنصار النظام من أهالي سيناء على يد تنظيم ولاية سيناء؟ وهل يمكن الثقة في النظام وهو حتى اليوم لا يعترف بالقتلى المدنيين المتعاونين معه ولا يتم منحهم أية امتيازات مادية أو معنوية، كما يحصل مع العسكريين المقتولين في المعارك مع ذات العدو؛ في تأكيد على التمييز الحاصل في التعامل مع المشاركين في الحرب على ما يسمى بالإرهاب؟. وبالتالي فإن المدني المتعاون مع قوات الأمن لا يحظى بالتكريم لا في حياته ولا بعد مماته.

إضافة إلى ذلك، لماذا اقتطع النظام “500” جنيه من الرواتب الشهرية لعائلات المواطنين الذين تضرروا من ممارسات الجيش في سيناء سواء من قتلوا عن طريق الخطأ أو أصيبوا بشظايا الجيش العشوائية؛ دون توضيح من الجهات المختصة، خصوصا أن القرار يأتي في وقت حرج تمر فيه المنطقة بأكملها، في ظل دخول شهر رمضان من جهة، وانتشار فيروس كورونا من جهة أخرى؟.

وهل يحظى ضحايا هذه المليشيات القبلية الجديدة بذات التكريم الذي يحظى به ضباط الجيش والشرطة إذا قتلوا أو أصيبوا؟  أم أن التمييز سيبقى ويذهب هؤلاء ضحايا بلا ثمن تنفيذا لروية سطحية تعكس انعدام الكفاءة والأخلاق، وتلاشي معاني الوطنية الصادقة ودولة القانون.

Facebook Comments