شهد العام 2019 حربًا شعواء شنها العسكر ضد الصحافة والصحفيين، وضد حرية الإعلام بصفة عامة. وطوال شهور العام لم يتوقف نظام الانقلاب الدموي، بقيادة عبد الفتاح السيسي، عن القمع والكبت وتضييق الخناق على الإعلام بالتشريعات، من خلال ما يسمى قانون الصحافة الجديد، أو من خلال إنشاء مؤسسات للرقابة وتوقيع العقوبات مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بالإضافة إلى الاعتقالات والملاحقات الأمنية التى لا تتوقف، أو حجب المواقع الإخبارية وإغلاق المزيد من الصحف والفضائيات.

هذه الحرب تسبّبت فى تدهور أوضاع الصحافة، ليس على مستوى الحريات فقط، ولكن أيضا على مستوى توافر فرص العمل؛ بسبب حجب مئات المواقع الصحفية وغلق صحف، واحتكار العسكر لمعظم وسائل الإعلام، والتضييق على عمل المراسلين.

ورغم حرب الانقلاب الشعواء ضد الصحفيين، تتخاذل نقابة الصحفيين في الدفاع عن حقوق أعضائها، أمام نظام عسكري يعمل على منع أي صوت معارض.

هجمة قوية

كان المرصد العربي لحرية الإعلام قد وثّق 40 انتهاكا ضد الحريات الإعلامية خلال شهر نوفمبر الماضي، منها 8 حالات حبس احتياطي أو احتجاز مؤقت، و16 حالة تجديد حبس احتياطي.

كما وثّق المرصد، وفق تقريره الشهري الأخير، 7 حالات لانتهاكات السجون، و2 قرار إداري، و3 انتهاكات في قيود النشر، و4 حالات اعتداءات ومداهمات، منوها إلى أن عدد الصحفيين السجناء مع نهاية الشهر بلغ 80 صحفيا وإعلاميا.

ووفق “المرصد العربي” في 3 يوليو الماضي، فإن قائمة المعتقلين السياسيين داخل السجون تشمل 85 صحفيا ومراسلا ومصورا ومتدربا.

وقال: “رغم أن شهر نوفمبر شهد العديد من المحاولات لتجميل وجه النظام في مجال الحريات وحقوق الإنسان، إلا أنه شهد أيضا هجمة قوية ضد حرية الصحافة، تمثلت في مداهمة أحد أشهر المواقع الصحفية المستقلة (مدى مصر) واحتجاز 4 من محرريه لبعض الوقت، قبل أن يتم إطلاق سراحهم لاحقا.

وأشار إلى اعتقال 3 صحفيين من أحد مقاهي القاهرة، وصحفي آخر من منزله، ليصبح إجمالي من مروا بتجرية الحبس أو الاحتجاز المؤقت خلال الشهر 8 حالات، وهو ما أثار فزعا في الوسط الإعلامي الذي أصبح يشعر بالمزيد من التهديد.

وأكد المرصد أن شهر أكتوبر الماضي شهد أيضا المزيد من الانتهاكات، مثل تجديد الحبس الاحتياطي لـ16 صحفيًّا سجينًا، أنهى معظمهم المدة القانونية للحبس الاحتياطي، وهي عامان، كما تم تجديد التدابير الاحترازية لمن سبق الإفراج عنهم، باستثناء حسن القباني الذي يقبع مجددا في حبس احتياطي على ذمة قضية نشر جديدة، إلى جوار زوجته الصحفية آية علاء.

ونوّه إلى صدور قرارات وتعليمات جديدة من المجلس الأعلى للإعلام، لتشديد الشروط حول ظهور المتحدثين عبر وسائل الإعلام، وفقًا لما وصفه باعتبارات الأمن القومي، بحسب مزاعمه.

وتابع: شهد شهر نوفمبر كذلك معركة خفية بين المسئولين عن إدارة الملف الإعلامي، حيث ذكرت المعلومات أن حالة الفشل الإعلامي، التي تجسدت في انصراف الجمهور عن متابعة القنوات والصحف المحلية إلى القنوات العالمية، وقنوات المعارضة في الخارج، دفعت سلطات العسكر لإعادة النظر في شخوص وطريقة إدارة المنظومة الإعلامية.

وقال المرصد: تضمنت التسريبات انتقال إدارة الملف من يد بعض الجهات والأفراد إلى جهات وأفراد آخرين، كما تضمنت التسريبات الاستعانة برجال الأعمال من المالكين القدامى للقنوات، الذين أُجبروا من قبل على بيع قنواتهم إلى شركات تابعة للمخابرات المصرية.

وأضاف: كما ظهر من آثار تلك التغييرات والمعركة المكتومة الإطاحة بأحد أبرز الشخصيات التي أدت دورا كبيرا في استحواذ المخابرات على معظم القنوات خلال العامين الماضيين، وهو ضابط المخابرات السابق ونائب رئيس شركة إعلام المصريين ياسر سليم، الذي تم القبض عليه بتهمة جنائية تتعلق بشيكات دون رصيد، لكن كان من الواضح أن الهدف هو التشهير به عبر نشر صورته مقيد اليدين في إحدى سيارات الشرطة.

تظاهرات سبتمبر

من جانبها وثّقت منظمة “مراسلون بلا حدود” اعتقال 22 صحفيًّا، منذ تظاهرات سبتمبر الماضي، التي طالبت برحيل “عبد الفتاح السيسي”، مشيرة إلى إخلاء سبيل 8 صحفيين منهم فقط، بعد ضغوط أمريكية وأوروبية وانتقادات حقوقية.

وقالت المنظمة (مقرها باريس)، منذ أيام، طالت الاعتقالات 4 صحفيين هم: “سلافة مجدي، وحسام الصياد، ومحمد صلاح، وأحمد شاكر”.

وتعد “سلافة” و”الصياد” و”صلاح” من المقربين للناشطة والصحفية “إسراء عبد الفتاح”، والقابعة رهن الاحتجاز منذ 12 أكتوبر الماضي.

ونددت “مراسلون بلا حدود” باستمرار حملة القمع الأكثر شراسة ضد الصحفيين، والمستمرة  منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.

وقالت “صابرين النوي”، مسئولة مكتب الشرق الأوسط في المنظمة: إن “الاعتقالات في صفوف الصحفيين تتوالى بوتيرة غير مسبوقة منذ انقلاب السيسي عام 2013.

حسن القبانى

وفي سبتمبر الماضي، ألقت قوات أمن الانقلاب القبض على الصحفي حسن القباني أثناء حضوره جلسة تجديد التدابير الاحترازية للمرة الثانية، بعدما سبق احتجازه في يناير 2015، قبل إخلاء سبيله بتدابير احترازية في نوفمبر 2017.

احتجاز القباني جاء بعد نحو 3 أشهر من إلقاء القبض على زوجته الصحفية آية علاء، التي تواجه اتهامات بنشر أخبار كاذبة على خلفية دفاعها عن زوجها خلال فترة احتجازه.

وفي أكتوبر الماضي، ألقت سلطات العسكر القبض على الصحفي مصطفى الخطيب، مراسل وكالة أسوشيتد برس الأميركية، من منزله في القاهرة، بسبب نشره تقريرًا عن الطلاب البريطانيين الذي تركوا مصر لدواعي أمانهم الشخصي.

وقبل ساعات من إلقاء القبض على الخطيب، ألقت مليشيات الأمن القبض على الصحفية والناشطة إسراء عبد الفتاح، وحبستها نيابة أمن الدولة العليا على خلفية اتهامها بالانضمام إلى جماعة محظورة، ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي تلك الفترة، أعلن حزب العيش والحرية عن القبض على المصور الصحفي عبد الله السعيد،  وحبسه على ذمة التحقيقات في القضية ٤٤١ لسنة ٢٠١٨ حصر أمن دولة عليا، واتهامه بمشاركة جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

فيما ألقت قوات أمن الانقلاب القبض على الصحفي بموقع مدى مصر، شادي زلط، في 23 نوفمبر من منزله، على خلفية تقرير صحفي نشره موقع مدى مصر قبل أسبوع.

وبعد ساعات، فوجئ صحفيو مدى مصر، وهم رئيسة التحرير لينا عطالله، والزميلان محمد حمامة، ورنا ممدوح، بوجود قوة أمنية في الموقع لساعات عدة، ثم اصطحابهم إلى قسم شرطة الدقي، لكن بعد مناشدات دولية ومحلية، أفرجت السلطات عن الصحفيين الأربعة بما فيهم شادي زلط، مساء 24 نوفمبر.

وفي اليوم التالي، أعلنت نيابة أمن الدولة العليا عن إصدارها إذنا بتفتيش مقر موقع “مدى مصر” الإلكتروني بحي الدقي، وذلك بعدما عُرض على النيابة محضر تحريات جهاز الأمن الوطني والذي زعم إنشاء جماعة الإخوان الموقع لنشر أخبار وشائعات كاذبة لتكدير الأمن العام.

وألقت مليشيات الأمن القبض على المصور الصحفي حسام الصياد، وزوجته الصحفية المستقلة سلافة مجدي، مع المحامي محمد صلاح في مقهى بالقاهرة، فيما لفقت نيابة أمن الدولة لهما تهم الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة وقررت حبسهما لمدة 15 يوما. كما تم إلقاء القبض على أحمد شاكر، الصحفي بـ”روز اليوسف”، من منزله في مدينة طوخ، في محافظة القليوبية.

المرتبة الـ163

وقالت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، في تقرير لها عن المصاعب التي يتعرض لها الصحفيون في مصر، إن مصر تعد من أكبر الدول التي تعتقل صحفيين في العالم، وتأتي في المرتبة 163 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة التي تعدها منظمة مراسلون بلا حدود.

وأضافت أن قوات أمن الانقلاب تقوم وبشكل متزايد باعتقال المعارضين والصحفيين، بناء على تهم غامضة، ولأنهم نشروا “معلومات مزيفة”، أو أنهم أعضاء في “جماعة محظورة”.

الاعتقال العائلي

وقال قطب العربي، الوكيل السابق للمجلس الأعلى للصحافة، إنه رغم أن الصحافة تعيش أسوأ أيامها، إلا أن ما جرى يؤكد فشل كل إجراءات النظام العسكري في السيطرة على الصحافة والإعلام، سواء من خلال التأميم والتحكم المباشر، أو غلق الصحف المعارضة، وحجب المواقع المخالفة لتوجهات الانقلاب، وحبس مئات الصحفيين على مدار الأعوام الماضية.

ويشير العربي، فى تصريحات صحفية، إلى وجود ظاهرة جديدة وهي الاعتقال العائلي للصحفيين، كما جرى مع حسن القباني، وزوجته الإعلامية آية علاء، والصحفية سلافة مجدي، وزوجها المصور حسام الصياد، وهو ما يمثل قمة الجنون وتجاوز كل حدود اللامعقول لدي نظام الانقلاب العسكري.

وأوضح أن الاتهامات التي يتم تلفيقها للصحفيين المعتقلين واحدة، أيا كانت انتماءاتهم السياسية، أو توجهاتهم الفكرية، وهي تهم مساعدة جماعة إرهابية في نشر أخبار كاذبة، دون وجود أي دليل مادي حول هذه الاتهامات إلا محاضر الأمن الوطني.

ويضيف العربي: ما حدث مع القباني وزوجته آية علاء، يمثل قمة الفجور من النظام العسكري، حيث اعتقلت آية، بسبب الدفاع عن زوجها في وسائل الإعلام في اعتقاله لأول مرة، وبعد شهرين يتم استدراج زوجها حسن القباني للأمن الوطني، وبعلم نقيب الصحفيين، للحديث عن حل مشكلة زوجته، ويظل رهن الإخفاء القسري 70 يوما، ليظهر بعدها على ذمة قضية نشر أخبار كاذبة، دون نظر الى أن لديهما طفلتين لم تتجاوز أكبرهما 9 سنوات”.

وأكد أن زيادة الهجمة الأمنية على الصحفيين، تشير إلى أن الزمام أفلت من يد اللواء عباس كامل، الذي يدير ملف الإعلام منذ الانقلاب العسكري، وأن سياسة فرض الرأي الواحد، وممارسة الإرهاب الفكري ضد حرية التعبير، لن تحقق النجاح المرجو للنظام.

واتهم العربي نقابة الصحفيين بالتخاذل في الدفاع عن المهنة وأصحابها، موضحا أن نقيب الصحفيين الذي صدع الدنيا بعدم وجود إخفاء قسري بمصر، كان على اتصال دائم طوال الفترة الماضية مع الأجهزة الأمنية لمعرفة مكان القباني، الذي اختفى بعلمه وبعلم كل أعضاء مجلس النقابة.

Facebook Comments