لا يبدو العالم العربي ومصر استثناء في تاريخ الثورات والثورات المضادة، فالثورة الفرنسية استمرت 10 سنوات عقب انقضاض فئة قليلة مكروهة على زمام الأمور في الجمهورية، متذرعة بآلاف الحيل والوسائل للبقاء في السلطة.

وعندما صار ذلك متعذرًا إلا بالإرهاب أخذت هذه الزمرة تقضي على كل من كانت تظن أنه مخالف لها، ولو كان من أشد خدم الثورة الفرنسية إخلاصا، وهي صورة تتشابه مع الحالة المصرية رغم اختلاف السياقات.

خصصت صحيفة “التايمز” افتتاحيتها، التي جاءت تحت عنوان “أصم على النيل”، وتقول إن “مصر في ظل حكم السيسي حافظت على صمت القبور، فتم سجن الكثير من النقاد أو نفيهم، وتلاشت الحريات، وتم إغلاق منصات التواصل الاجتماعي، أو وضعت تحت الرقابة، فيما استدعت الشرطة ناشطي حقوق الإنسان للتحقيق معهم”.

وتشير الصحيفة إلى أنه “في عهد النظام البائد لحسني مبارك تم التضييق على المعارضة، لكن الناس كانوا أحرارا للعيش بالطريقة التي يريدونها طالما لم ينتقدوا الديكتاتور أو الجيش بشكل علني، لكن اليوم اختفت خطوط السيطرة كلها”.

 

جدار الخوف

وبعد أن أحكم الانقلاب العسكري بقيادة جنرال إسرائيل السفيه السيسي قبضته على السلطة 2013، وبنى جدرانا من الخوف، يفاجأ اليوم بمنطق الثورة، التي لا أفق في توقعاتها وماهية محركاتها.

وشهدت مدن مصرية عديدة بينها القاهرة والإسكندرية مساء الجمعة 20 سبتمبر 2019، احتجاجات طالب خلالها المحتجون برحيل زعيم عصابة تل أبيب السفيه السيسي، استجابةً لدعوات تمّ إطلاقها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيّما من جانب الفنان ورجل الأعمال في المنفى محمّد علي.

وتزايدت وتيرة الاعتقالات في مصر لتطال معارضين وناشطين وقيادات حزبية على الرغم من عدم مشاركتهم بالحراك الشعبي الذي انطلق الجمعة الماضية بعدة مدن مصرية.

وأعلنت وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب عن تصفية 6 أشخاص ممن وصفتهم بعناصر في جماعة الإخوان، وذلك في تبادل لإطلاق النار مع قوات الشرطة “أثناء مداهمة وكرهم بمدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة”، على حد زعمها.

وقالت الداخلية، في بيان مكرر ومقتضب، على صفحتها بموقع فيسبوك، إن القتلى “كانوا بصدد الإعداد لتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية خلال الفترة المقبلة”، بحسب قولها.

ويأتي ذلك التصعيد الأمني قبيل أيام من مليونية متوقعة الجمعة المقبلة دعا لها المقاول والممثل محمد علي، وشهدت القاهرة ومدن مصرية عدة تظاهرات مساء الجمعة، اعتقل على إثرها عشرات المتظاهرين المصريين فيما عرف باعتقالات “20 سبتمبر”.

أنياب الانقلاب

وفي حملة اعتقالات تشابه لحد كبير اعتقالات 3 سبتمبر 1981، بعهد الرئيس الراحل أنور السادات، وطالت معارضين وصحفيين، حينها اعتقلت قوات أمن الانقلاب الناشطة والمحامية الحقوقية ماهينور المصري، من مقر نيابة أمن الدولة بالقاهرة عصر أمس الأحد، إثر حضورها تحقيقات النيابة مع بعض معتقلي تظاهرات الجمعة.

لم يكن اعتقال ماهينور هو الخبر اللافت في المشهد السياسي الغاضب، بل تم الإعلان أيضا عن اعتقال المهندس عبد العزيز الحسيني نائب رئيس حزب الكرامة، فضلا عن اعتقال الصحفي السيد عبد اللاه بعد اقتحام منزله بالسويس وتفتيشه وأخذ اللابتوب الخاص به الذي كان ينقل تفاصيل مظاهرات السويس من خلال حسابه على فيسبوك.

واعتقلت الشرطة نائب رئيس حزب “التحالف الشعبي” عبدالناصر إسماعيل، كما ظهر نائب رئيس حزب “تيار الكرامة” عبدالعزيز الحسيني بالنيابة العامة بعد اعتقاله وإخفائه قسريا قبل يومين.

وإثر إعلان حزب “الاستقلال” تأييده للحراك الثوري ودعوته لتظاهرة بميدان “التحرير” بقلب القاهرة الساعة الثانية من مساء غد الثلاثاء؛ اعتقل الأمن المصري أمين العمال بالحزب محمد مراد، ليلة الأحد من بيته بكفر “فيالة” بالمحلة الكبرى بالغربية.

كما تم اعتقال الشاعرة أمينة عبد الله من وسط القاهرة ليلة الأحد، وإحالتها لنيابة أمن الدولة طوارئ بالجبل الأصفر بالقليوبية، فيما اعتقلت قوات أمن الانقلاب الصحفي حسن القباني للمرة الثانية من داخل محكمة جنايات القاهرة الأربعاء الماضي.

ضد التيار

برأي الكاتب الصحفي أنور الهواري رئيس التحرير الأسبق لصحيفة المصري اليوم فإن السفيه السيسي اختار أن يسبح ست سنوات ضد المنطق، وضد العقل، وضد التاريخ، مشيرا إلى أن هذه السباحة المعاكسة وصلت الي نهايتها الأكيدة، حين قال في مؤتمر الشباب 14 سبتمبر الجاري: “أيوه أنا بنيت قصور، وبابني قصور، ولسه هابني قصور، وبنبني دولة جديدة، هي مصر شوية واللا ايه؟!”.

وتابع الهواري: “السيسي أخذ حذره من كل شيء، واحتاط من كل الناس، ولكنه لم يأخذ حذره من نفسه ، ولم يأخذ احتياطه من نفسه، واطمأن إليها، فسلطها الله عليه، حتى نطق بهذه الكلمة الكفيلة بالإجهاز والقضاء علي شرعية أي نظام سياسي، وقد كان”.

ووثّق المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 826 حالة اعتقال تعسفي واختفاء قسري في مصر، منذ يوم الجمعة الماضي وحتى الآن، وذلك على خلفية الاحتجاجات التي عمت مدنا مصرية، يومي الجمعة والسبت الماضيين، للمطالبة برحيل السفيه السيسي.

وأشار إلى أن الوحدة القانونية بالمركز المصري ما زالت “تتلقى سيلا من البلاغات من ذوي من تعرضوا للتوقيف أو الاحتجاز على خلفية التظاهرات السلمية التي شهدتها القاهرة ومحافظات أخرى”.

وطالب المركز المسؤولين بسرعة الإفصاح عن الموقف القانوني لهؤلاء الأشخاص، لا سيما في ظل الزيادة المضطردة في أعداد الأشخاص الذين تم الإبلاغ عن توقيفهم أو احتجازهم، وانقطاع اتصالهم بذويهم.

وقال الباحث بالتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، أحمد العطار، إن أعداد المعتقلين التي تم رصدها كبيرة جدا، وتؤكد أن النظام وصل لدرجة عالية من السُعار والانفلات الأمني، داعيا جميع المعنيين إلى “مواجهة تلك الحملات الهمجية بكل السبل المتاحة”.

Facebook Comments