افتتح رجل الأعمال الانقلابي عبد الفتاح السيسي، المدّعي أنه رئيس مصر، مجمع الأسمدة الفوسفاتية والمركبة بالمنطقة الصناعية بالعين السخنة، على مساحة 400 فدان. هذا ليس خبرا قد يمر مرور الكرام كباقي الأيام فى غفلة الأحداث الكارثية التى تمر بها مصر، وآخرها انفجار "معهد الأورام"، لكن الكارثة هي كيف يتمدد العسكر فى صمت فى إمبراطوريتهم الصناعية والتجارية على حساب شركات مدنية .

واعترف اللواء مصطفى أمين، مدير عام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بأن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يسعى إلى أن تسهم شركاته فى تنفيذ المشروعات الإنتاجية، سواء المتعلقة بالأمن الغذائي بصور مختلفة، كاستصلاح وزراعة الأراضى الصحراوية والزراعات المحمية فى الصوبات الزراعية ومشروعات تنمية الثروة الحيوانية والسمكية والداجنة وبعض الصناعات الغذائية المكملة لها.

كما قامت شركات الجهاز بإنشاء مجمعات للصناعات الثقيلة والمتخصصة كالإسمنت والرخام وحديد التسليح، وتنفيذ المشروعات الخاصة بتعظيم العائد  والاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية المعدنية، هذا بالإضافة إلى ما تقدمه بعض شركات الجهاز من خدمات نوعية متخصصة .

نبوءة تتحقق

في أواخر مارس من العام 2016، حذر تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني من "مخاطر توسع الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية في مصر". وقال التقرير: إن "الاقتصاد العسكري المصري تطور إلى ما هو أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات".

وأكد أن العسكر "يهيمنون على نسبة تتراوح بين الـ50-60% من الاقتصاد المصري، ويستحوذون على 90% من أراضي مصر، ويسخرون الجنود للعمل مجانا في مشاريعهم، فينافسون بذلك أصحاب المشاريع الأخرى الخاصة المدنية".

ومنذ وصول قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، زاد الجيش من نطاق انتشاره بسرعة، كما أنه بات يقاتل بكل قوته للدفاع عن هذه الإمبراطورية، في حين أن الشائع في مصر، هو أن الجيش يقوم بهذه المشاريع لمصلحة البلاد.

 وعقب الإطاحة بمبارك قال اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشئون المالية، إن الجيش "لن يسلم أبدا هذه المشروعات لأي سلطة أخرى مهما كانت"، وأضاف أن هذه المشروعات "ليست من الأصول التي تمتلكها الدولة، ولكنها إيرادات من عرق وزارة الدفاع والمشاريع الخاصة بها".

افتح القوس.. مجمع الفوسفات

وتشتمل منتجات مجمع المصانع "بكوم أوشيم" بمحافظة الفيوم على مصنع سماد أحادى سوبر الفوسفات المحبب بطاقة إنتاجية 150 ألف طن سنويا، ومصنع سماد أحادى وثلاثى سوبر الفوسفات المحبب بطاقة إنتاجية 150 ألف طن سنويا، ومصنع سماد سلفات البوتاسيوم وحامض هيدروكلوريك بطاقة إنتاجية 22 ألف طن سماد سلفات البوتاسيوم و26 ألف طن حامض هيدروكلوريك، ومصنع أسمدة مركبة وسماد DAP بطاقة إنتاجية 10 آلاف طن، ومصنع أسمدة مركبة وسماد DAP بطاقة إنتاجية 10 آلاف طن، و2 مصنع حامض فسفوريك تجارى 50% بطاقة إنتاجية 100 ألف طن سنويا، بالإضافة إلى 2 مصنع شبه سائلة وشبه صلبة بطاقة إنتاجية 350 ألف طن شبه سائلة، و25 ألف طن شبه صلبة سنويا، ومصنع حامض كبريتيك مركز بطاقة إنتاجية 300 ألف طن سنويا .

بينما يضم مجمع أبو رواش بالجيزة 17 مصنعا تنتج أيضا العديد من أنواع الأسمدة والمبيدات والأحماض وبعض الغازات الطبية والصناعية، منها مصنع سماد الماب والداب بطاقة إنتاجية 500 طن سنويا، ومصنع غاز أكسيد النيتروز الطبى بطاقة إنتاجية 300 طن سنويا، ومصنع غاز الأستيلين الصناعى بطاقة إنتاجية 250 ألف متر مكعب سنويا، و2 مصنع مبيدات الآفات الزراعية الحشرية بطاقة إنتاجية 7200 طن سنويا، بالإضافة إلى 2 مصنع أكسجين سائل، نيتروجين سائل، أرجون سائل بطاقة إنتاجية 21 ألفا و600 طن سنويا، و4 مصانع كلور وغازات صناعية وأحماض متنوعة بطاقة إنتاجية 46 ألف طن سنويا، و4 مصانع مبيدات حشرات ومعطرات وكريمات بطاقة إنتاجية 65 مليون عبوة سنويًا ومصنع أقراص طاردة للبعوض بطاقة إنتاجية 60 مليون قرص سنويًا، فضلا عن مصنع منتجات فيبر جلاس بطاقة إنتاجية 1000 متر مواسير 100 خزان سعات متنوعة سنويًا .

إمبراطورية عسكرية

كما قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وشركة النصر للكيماويات الوسيطة بإنشاء ثلاثة مجمعات صناعية كبرى أخرى منها: مجمع الأسمدة الفوسفاتية والمركبة بالعين السخنة ويضم تسعة مصانع على مساحة 400 فدان، بالإضافة إلى مجمع لإنتاج الأسمدة الآزوتية بالعين السخنة على مساحة 100 فدان يضم ستة مصانع بإجمالى طاقة إنتاجية مليون طن سنويا ومخطط الانتهاء منه فى إبريل 2022.

الجدير بالذكر أن منتجات مجمع مصانع الأسمدة الآزوتية بالعين السخنة تشتمل على مصنع أمونيا بطاقة إنتاجية 400 ألف طن سنويا، ومصنع يوريا بطاقة إنتاجية 320 ألف طن سنويا، ومصنع يوريا محببة بطاقة إنتاجية 320 ألف طن سنويا، ومصنع حامض النيتريك بطاقة إنتاجية 165 ألف طن سنويا، ومصنع نترات النشارد بطاقة إنتاجية 210 آلاف طن سنويا، ومصنع نترات النشادر الجيرية بطاقة إنتاجية 275 ألف طن سنويا، بالإضافة إلى مجمع لإنتاج الغازات الطبية والصناعية بأبو رواش بالجيزة، والذى يضم مصنعين على مساحة 50 ألف متر مربع، ومخطط الانتهاء منه فى أكتوبر القادم .

كما تضم منتجات مجمع مصانع الغازات الطبية والصناعية "بأبو رواش" بمحافظة الجيزة، مصنع الغازات الطبية والصناعية بطاقة إنتاجية (23 مليون لتر من الأكسوجين السائل، 9 ملايين لتر من النيتروجين السائل، مليون لتر من الأرجون السائل) سنويًا، ومصنع فوق أكسيد الهيدروجين بطاقة إنتاجية (23 ألف طن فوق أكسيد الهيدروجين "5%") سنويا، فعلى سبيل المثال يقدر إنتاج مصانع الشركة من الكلور الذى يتم إمداد جميع محطات الشرب به بـ50 ألف طن سنويًا تمثل 60% من الإنتاج المحلى، ويبلغ إنتاج مصانع الشركة من الشبّه السائلة والصلبة  375 ألف طن سنويا تمثل 50% من الإنتاج المحلى، كما يبلغ إجمالى إنتاج مصانع الشركة على هذا النحو من الأنواع المختلفة من الأسمدة الفوسفاتية والمركبة  اللازمة لأغراض الزراعة 1.5 مليون طن سنويا تمثل 55% من الإنتاج المحلى.

هيمنة شبه كاملة

وقد دفع انخفاض الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 6.5% في عام 1988 إلى 1.8% في عام 2012، وفقا لمؤشرات البنك الدولي، القوات المسلحة إلى البحث عن مصادر دخل جديدة.

وتسيطر القوات المسلحة المصرية، من خلال تخصيص الأراضي وغيرها من الوسائل، على جزء كبير من الأراضي الصحراوية والزراعية والحضرية، وتصل نسبة هذه الأراضي إلى 94% من مساحة مصر.

واستفاد الجيش من الإطاحة بالرئيس المخلوع حسني مبارك في عام 2011، ومحاكمات الفساد اللاحقة لعدد من رفاقه، إذ سمح هذا للقوات المسلحة بالحصول على شريحة من الكعكة، كانت مخصصة لأنصار مبارك، ومن ثم ازدياد نفوذها بشكل أكبر.

التضييق على الشركات المدنية

وتعزز بعض التشريعات قدرة الجيش على خنق الشركات الاقتصادية المدنية، ومن أمثلة ذلك قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بخفض دعم الوقود لأصحاب المصانع، مع بقاء ميزانية الجيش، ومن ثم تكاليف الطاقة خارج السجلات.  

وتقلص الهيمنة الاقتصادية للجيش من فرص نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، في ظل أن المقربين فقط هم مَن يمكنهم الفوز بعقود مربحة والتعامل مع نظام التصاريح. وهذا بدوره يؤدي إلى اقتصاد غير رسمي كبير قائم على المقربين، ويترك العديد من المصريين يعيشون في فقر مدقع.

وينتاب عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، خاصة العاملة في مجال الإنشاءات والإسكان، حالة من الضيق الشديد، بسبب توسع الجيش في تنفيذ المشروعات، بل وتفضيلها على نظيرتها بالقطاع الخاص.

من بين من أطلق عنان النقد والاستنكار، رجل الأعمال المقرب من العسكر نجيب ساويرس، بعد أن وجه انتقادات لمزاحمة الشركات التابعة للجيش، للقطاع الخاص في عدد من المشروعات الاقتصادية الرئيسية، مضيفًا أننا بحاجة إلى تقليص تدخل الحكومة في قطاع الأعمال، ولا بد كذلك من تشجيع القطاع الخاص ، قائلاً: هناك شركات قطاع خاص مخصصة لمثل هذه المشاريع، وفقًا لصحيفة جلف تايمز الألمانية.

إعفاء كامل

وتحصل كل مصانع الجيش وشركاته على إعفاء كامل من الضرائب والجمارك، بما يتضمن إعفاء منشآت الجيش الاقتصادية من الضرائب العقارية المفروضة على سائر المنشآت؛ الأمر الذي يسمح لها بتقديم المنتجات والخدمات بأسعار أقل من نظيرتها.

وفي نوفمبر 2013، كان قد أصدر المؤقت، عدلي منصور، قرارا يسمح للحكومة "بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة"، تبعه قرار آخر في 23 أبريل 2014، يحظر بموجبه الطعن من طرف ثالث على العقود التي تبرمها الحكومة مع أي طرف، مصرياً كان أو أجنبياً، وسواء كانت تلك العقود متعلقة بالخصخصة أو ببيع أراضي الدولة أو بأعمال مقاولات أو غير ذلك.

تغول مرفوض

ويرى هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أنه ضد التوسع في الوقت الحالي، بصفة عامة، كما أنه ضد تغول شركات الجيش في تنفيذ المشروعات، خاصة في مجال الإسكان والإنشاءات، وأنه على الحكومة توجيه موازنتها المحدودة للقطاعات ذات الديمومة والاستمرارية والاستدامة.

وأوضح توفيق، في تصريحات صحفية، أنه من المفترض أن يكون دور الحكومة هو وضع أسس وآليات التنمية، إضافة إلى الرقابة على القطاع الخاص، الذي يقوم هو بالتنفيذ وليست هي، فالحكومة مستثمر رديء.

فى حين يقول الخبير الاقتصادي فكري عبد العزيز، إن سيطرة القوات المسلحة على المشروعات القومية سواء بالإنشاء أو الإدارة يهدف في الأساس للسيطرة على مفاصل الاقتصاد المصري، وهو ما يمثل خسارة للقطاع الخاص، كما أنه يمثل خسارة أكبر لموازنة الدولة، في ظل الإعفاءات التي يحصل عليها الجيش من الضرائب والجمارك، وحصوله على أراضي الدولة بالمجان، ولديه عمالة بدون مقابل ممثلة في المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية وهم متخصصون في مختلف المجالات، الهندسية والتجارية والإنشائية، كما أن أعمال الجيش سواء المدنية أو العسكرية لا تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات أو وزارة المالية.

بلا منازع

وأوضح عبد العزيز أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية المعني بإدارة المشروعات المدنية التي يشارك فيها الجيش، أنشأ 21 شركة خلال الأعوام الثلاثة الماضية في مجالات البناء والنظافة والزراعة والأمن والطرق والأنفاق والكباري، ويمتلك هذا الجهاز وحده 97% من الإنتاج الزراعي والحيواني بمشروع شرق العوينات، كما أن الشركة الوطنية للمقاولات العامة والتوريدات والشركة الوطنية للطرق والكباري، تحتكران سوق الإنشاءات بمصر الآن.

وأضاف: “مشروعات الجيش تتمتع بأكثر من 20 امتيازًا تجعلها خارج نطاق المنافسة وتمنحها فرص كثيرة للاحتكار وخاصة في مجال العقارات، أبرزها الإعفاء الكامل من الضرائب والجمارك، بما فيه إعفاء المنشآت المدنية التي ينشئها الجيش من الضرائب العقارية المفروضة على سائر المنشآت، كما يتمتع الجيش بأحقية الحصول علي مناقصات الدولة بالأمر المباشر دون الدخول في مزايدات أو عطاءات، مع حظر الطعن على العقود التي يكون الجيش طرفا فيها، وهو ما يمنح الشرعية لعقود الإسناد المباشر التي تمنحها الحكومة لشركات جهاز الخدمة الوطنية”.

وتنحصر القوة الاقتصادية للجيش في مؤسسات من بينها:

 -جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والذي يتبعه عدد كبير من الشركات "21 شركة" تغطي مجموعة واسعة من القطاعات من البناء والنظافة إلى الزراعة والمنتجات الغذائية.

كما يمتلك الجيش شركة النصر للخدمات والصيانة "كوين سيرفيس"، التي تقدم خدمات الأمن والحراسة وإدارة الفنادق، إضافة إلى خدمات أخرى، إضافة إلى الشركة الوطنية للبترول التى تدير محطات بنزين "وطنية"، وتنتج العديد من المنتجات النفطية.

وميزانية جهاز الخدمة الوطنية، وفقاً للأرقام المعلنة كانت تبلغ عام 2013، مليارا و625 مليون جنيه، تطورت حتى بلغت 6 مليارات جنيه، وفقًا للأرقام المعلنة في الجريدة الرسمية، ولا تخضع تفاصيل هذه الميزانية لأي جهة رقابية.

Facebook Comments