أكد الباحث الاقتصادي أحمد داود أن “الأرقام تكذب!” وذلك تعليقا على الأرقام التي صدرت عن الجهاز المركزي للمحاسبات أخيرا ومنها ما يخص نسبة الفقر التي وصلت إلى أن مصريا بين 3 مصريين فقير.

وقال إن “معدل الفقر الحقيقي يفوق كثيرًا معدل الفقر المعلن عنه من قبل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وأن السبب في ذلك هو أن مسح الدخل والإنفاق يغطي الفترة من أكتوبر 2017 إلى أكتوبر 2018، أي أن البيانات تعكس أحوال الأسر المصرية قبل عام كامل من الآن.

وأوضح أن العام السالف شهد العديد من التغييرات الاقتصادية أهمها رفع أسعار الطاقة وارتفاع معدلات التضخم في وقت لم ترتفع فيه دخول المصريين بوتيرة مماثلة، وبناءً عليه فمن المتوقع أن تكون الأوضاع حاليًا أكثر سوءًا مما يعكسه البحث.

أفقر من الفقر

وفي تحليل أجراه “داود” بعنوان “نمو يفيض فقرًا: قراءة في بحث الدخل والإنفاق في مصر”، شدد على أن إعلان الجهاز ارتفاع معدلات الدخول والاستهلاك يتضمن تضليلاً حسابيًا، فعلى الرغم من رفع خط الفقر من 428 جنيهًا في 2015 إلى 735 جنيهًا في 2018، إلا أنه إذا حسبنا خط الفقر مقومًا بالدولار، لنأخذ في الاعتبار أثر التضخم والقدرة الشرائية، سنجد أنه تراجع إلى 43 دولار في 2018 مقابل 56 دولار في 2015، وهو تلاعب محاسبي مفاده أن الدولة تتعمد تخفيض قيمة خط الفقر لتقليل نسبة من يقعون تحته، وأن أن القوة الشرائية للفقراء تدهورت مع الوقت بسبب ارتفاع الأسعار، ومن ثم فإن فقراء 2018 أسوأ حالاً من فقراء 2015.

وأبان أن الجهاز المركزي يرى أن 24.5 جنيهًا في اليوم هو كل ما يحتاجه المواطن المصري لتغطية نفقاته الأساسية: من المأكل، والمشرب، والسكن، والملبس، والمواصلات، والتعليم، والصحة، كي لا يكون فقيرًا!

وقال إن (خط الفقر المصري) الذي حدده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يقع أقل بكثير من خط الفقر العالمي الذي حدده البنك الدولي بـ 3.2 دولار في اليوم (1650 جنيهًا في الشهر للفرد الواحد تقريبًا) بل وأقل حتى من خط (الفقر المدقع) العالمي المحدد بـ 1.9 دولار (ما يوازي 1000 جنيه للفرد الواحد شهريًا).

الفقر المرعب

واعتبر الباحث أحمد داود أن المشهد أكثر رعبًا، فيما يتعلق بالفرق بين أفقر ألف قرية على مستوى الجمهورية، تقع 236 قرية منهم في محافظة سوهاج بما يمثل 87% من قرى المحافظة، و207 قرية منهم تقع في أسيوط بما يمثل 88% من قرى المحافظة.

كما تصل معدلات الفقر إلى 80% أو أكثر في 46 قرية من هذه القرى، 25 قرية منهم في أسيوط، يزداد مستوى الرعب إذا عرفت أن مسح الدخل والإنفاق يعرف الدخل على أنه الدخل النقدي والعيني والتحويلات النقدية والعينية التي تحصل عليها الأسرة من أي مصدر من المصادر، بمعنى أن هناك قرى بأكملها لا يكفي دخلها النقدي إضافة إلى ما تحصل عليه من إعانات من الدولة ومساعدات خيرية لسد احتياجاتها اليومية الأساسية من طعام وشراب ومسكن وملبس.

ووفقًا لبيانات الحكومة ذاتها، فإن خط الفقر المدقع (خط الجوع) يعلو فوق رقاب 6.5% من السكان، أي أن هناك 6.5 مليون مواطن تقريبًا لا يجدون الغذاء الكافي، وهو رقم مفزع ولا شك، ويمثل تهديدًا لسلامة المجتمع وقيمه وأمنه الحالي والمستقبلي.

د.مصطفى شاهين: حكومة السيسي تكذب في أرقام النمو
https://www.facebook.com/mekameeleen.tv/videos/2910980432308719/

فشل نظام

وخلص داود إلى أن بيانات مسح الدخل والإنفاق تعكس أنه كلما ارتفع مستوى الدخل تتضاءل نسبة ما تنفقه الأسرة على هذه الأساسيات من دخلها الكلي في مقابل ازدياد نسبة إنفاقها على الكماليات مثل الإسكان الفاخر والسيارة والتسلية والترفيه.

وأوضح أن الإنفاق على الطعام والشراب يحتل 50% من إجمالي إنفاق الفرد في الشريحة الأقل دخلاً في المجتمع، في المقابل يمثل الإنفاق على الطعام والشراب 25% فقط من إجمالي إنفاق الفرد في الشريحة الأعلى دخلاً؛ أما أغنى 10% من المجتمع فيوجهون نسبة أكبر من إنفاقهم إلى الصحة والتعليم والنقل والمواصلات والترفيه والثقافة.

وأرجع هذه النتائج الفجة للسياسة الحكومية الاقتصادية على مدار عامين، بما في ذلك الإجراءات التخفيفية التي اتبعتها كرفع مخصصات التموين للفرد الواحد من 21 جنيهًا إلى 50 جنيهًا، والتوسع في تطبيق برنامج تكافل وكرامة لدعم الأسر الأكثر فقرًا.

وكشف أن هذه الإجراءات لم تكن كافية كما يدور حولها العديد من علامات الاستفهام، فمن ناحية تبلغ قيمة المعاش 400 جنيه شهريًا للأسرة كاملة، في حين يبلغ خط الفقر في مصر 735 جنيهًا شهريًا للفرد الواحد، ولما كان متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر 4.2 فرد، فإن ذلك يعني أن معاش تكافل وكرامة لا يمثل سوى 13% من الحد الأدنى للدخل اللازم لوضع الأسرة المصرية على خط الفقر بالضبط.

النمو الرديء

وتحت عنوا “النمو الرديء والنمو بلا مستقبل” كتب الصحفي الاقتصادي ممدوح الولي أن الاقتصاديين يرون إن الأهم من نسبة النمو هو نوعية النمو، وذكروا من أنواع النمو الرديء؛ النمو عديم الشفقة، وهو الذي تزيد معه معدلات الفقر، والنمو بلا فرص للعمل، أي الذي تزيد معه معدلات البطالة الحقيقية، والنمو الأخرس، أي الذي تزيد معه معدلات قمع الحريات؛ وإعلام الصوت الواحد وغياب الديمقراطية.. والنمو بلا مستقبل، أي الذي يبني الحاضر على حساب المستقبل، فيتوسع في الاقتراض على حساب الأجيال القادمة، كما يزيد من معدلات نفاد الموارد الطبيعية، مثل مشروعات الغاز الطبيعي، على حساب حقوق الأجيال القادمة من تلك الثروات الطبيعية.

ولفت إلى أن بيانات مصادر النمو الناتج أشارت إلى استحواذ الاستهلاك النهائي على نسبة 93.8 % من الناتج، والاستثمارات على نسبة 16.7 في المئة، وصافي الصادرات والواردات على نسبة سالب 10.5%، وبما يشير لتأثير الاستهلاك الكبير بالنمو، مقابل ضعف نصيب الاستثمارات بذلك النمو.

وفي تحقيق للأرقام قال “الولي”: “إذا كان النمو قد بلغ رسميا 5% خلال النصف الثاني من العام الماضي، فقد كانت أعلى نسبة نمو داخل القطاعات الاقتصادية في قطاع السياحة، بنمو 27%، وقطاع الغاز الطبيعي 24%، والاتصالات 17%، وقناة السويس 10%، والتشييد والبناء 8%، بينما كانت نسبة النمو في قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية 2%، وقطاع الزراعة 3.2 % فقط.

أرقام وقت الحاجة

وكتب مصطفى عبدالسلام، رئيس القسم الاقتصادي بجريدة “العربي الجديد”، -خلال تدوينة على صفحته الشخصية بموقع “فيس بوك”، بأن المسئولين يعتمدون على ضرب الأرقام في الحديث عن الاقتصاد، موضحا أن الجميع غير متأكد من تراجع التضخم بهذه النسب العالية – في إشارة لتصريحات من صندوق النقد خاصة بنسب التضخم التي وصلت في 2017 إلى 34.5% – مع توقعات بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار عقب انتهاء زيارة بعثة الصندوق لمصر نهاية الشهر الجاري”.

وأشار عبدالسلام إلى أن صندوق النقد قال أيضا إنه لم يتوقع تهاوي قيمة الجنيه بهذه المعدلات عقب تعويمه في شهر نوفمبر الماضي، الأمر الذي يشير إلى أن التصريحات التي يدلي بها المسئولون في حكومة الانقلاب وصندوق النقد غير مسئولة.

Facebook Comments