مع تزايد الأزمات التي يواجهها الشعب المصري منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 انتشرت الأمراض النفسية بصورة غير مسبوقة، لدرجة أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن هناك نحو 25 مليون مريض نفسي، أي أن ربع الشعب المصري أصبحوا مرضى نفسيين.

ويرى الخبراء أن تزايد أعداد المرضى النفسيين ناتج عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمشكلات التي يعاني منها المصريون، وعلى رأسها ارتفاع الأسعار وتراجع الأجور والمرتبات وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الضرورية للأسر، بجانب كوارث القتل والمجازر والتصفيات التي ترتكبها ميليشيات العسكر والاعتقالات والإخفاء القسري، إلى غير ذلك من جرائم نظام الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي.

وقالوا: رغم ارتفاع أعداد المرضى النفسيين فإن المستشفيات النفسية خارج الخدمة؛ حيث تعاني من ضعف الإمكانات والعجز في الكوادر الطبية والتمريض، بجانب الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية.

25 مليون مريض

كان بحث علمي أجراه المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية قد كشف عن أنّ 25% من الشعب المصري– أي أكثر من 25 مليون مريض- مصابون بأعراض نفسية مختلفة.

وقال إن حدة المرض النفسي زادت خلال السنوات الخمس الأخيرة، نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة حالات الفقر لدى فئات كبيرة من الشعب.

وأظهرت نتائج البحث أن الضغط الحالي دعا البعض إلى تعاطي المخدرات والمسكرات من أجل النسيان، بينما اتجه البعض الآخر إلى الانتحار بوسائله المختلفة، أو ارتكاب جرائم جنائية خطيرة يعاقب عليها القانون، مثل القتل والاغتصاب.

وتوصل المركز من خلال بحثه إلى أنّ 60 في المائة من المصابين بالأمراض النفسية يفكرون في الانتحار، و20 في المائة ينفذون عددًا من الجرائم الخطيرة التي تصل إلى القتل والاغتصاب، ومن بينها اغتصاب المحارم.

وطالب المركز الجهات المسئولة بالتحرك لمواجهة ارتفاع أعداد هؤلاء المرضى، خصوصًا الحالات الخطيرة منها، بإيداعهم مستشفيات الأمراض النفسية.

مستشفيات عاجزة

من جانبه كشف مصدر مسئول في وزارة الصحة بحكومة الانقلاب عن أن قطاع الصحة النفسية يواجه الكثير من التحديات منذ عشرات السنين، سواء فيما يتعلق بالكوادر الطبية أو التجهيزات أو البرامج العلاجية، إضافة إلى عدم وجود عيادات نفسية في المستشفيات الحكومية، وضعف الإمكانات المتعلقة بالصحة النفسية.

وقال المصدر: إنّ حجم القوة البشرية العاملة في مستشفيات الصحة النفسية لا يكفي لتقديم الرعاية المطلوبة، لافتًا إلى أن حجم قوة موظفي هذا القطاع قليل جدًّا، فعدد الأطباء يقدَّر بنحو 1073 طبيبًا و2900 ممرض وممرضة و354 اختصاصيًا نفسيًا واجتماعيًا.

وأكد أن هناك حاجة ملحّة لمضاعفة تلك الأرقام على الأقل، لافتًا إلى إنّ عدد مستشفيات الصحة النفسية الحكومية الموجودة داخل بعض المحافظات محدود جدًّا، وهي تفتقر إلى المواصفات العالمية للمصحات النفسية.

واضاف المصدر: هناك يوجد نحو 18 مستشفى حكوميًا، وعدد الأسرّة فيها أقل من 7 آلاف سرير. والرقم قليل جدًّا، ولا يكفي لاستقبال المرضى الذين يزدادون يوميًا، مشددًا على ضرورة مواجهة هذه الأمراض وعلاجها حتى لا تؤثر سلبًا في المجتمع.

زيادة مستمرة

واعترف مسؤول في “المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية”، بتزايد عدد المرضى النفسيين في مصر، مشيرًا إلى أن عددهم يقدَّر بما يتراوح بين 8 و 10 ملايين مواطن.

وقال إن هذه الأمراض تزايدت نتيجة متغيرات الحياة داخل البلاد، وقلة فرص العمل وزيادة البطالة ونقص المردود المادي الذي يسبب ضغوطًا نفسية على الأسر والأفراد، وعدم القدرة على الزواج، وارتفاع أسعار الوحدات السكنية، وارتفاع حالات الطلاق، وانتشار المخدرات التي تسبب الكثير من الأمراض النفسية، مثل “الاكتئاب”، وتعاطي المخدرات الذي قد يؤدي إلى اضطرابات عقلية وتلف في خلايا المخ. وبالتالي، يُقدم هؤلاء على ارتكاب الجرائم، وهذا ما يشهده المجتمع خلال الآونة الأخيرة.

وأشار المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه، إلى أن الكثير من المرضى النفسيين يلجؤون إلى الانتحار للتخلص من الكوابيس وعوامل الإحباط، لإنهاء حياتهم بطريقة سريعة ودراماتيكية؛ كما حدث مع شهد طالبة الصيدلة والكثير من الشباب، منتقداً الخدمات ‎النفسية المتواضعة التي تقدم لبعض المرضى في المستشفيات الحكومية.

وأكد أن المستشفيات تفتقر إلى تقديم المتطلبات الأساسية، على خلاف المستشفيات والعيادات الخاصة، التي تقدم رعاية خاصة لمرضاها من الأغنياء، مقابل مبالغ مادية كبيرة. محذرًا من أن وضع هؤلاء المرضى خطر، سواء في الشارع أو في منازلهم، وطالب بالاستعانة بكوادر نفسية واجتماعية مؤهلة في المستشفيات الحكومية لعلاج المرضى.

حيل دفاعية

وترى الدكتورة رسمية علي فهمي– معالجة نفسية- أن الضغوط النفسية تتصاعد جراء انتشار مشاعر الخوف والقلق وعدم المساواة ونقص الأمن ونقص الأمان الشخصي والمجتمعي وغياب القدوة، وهو ما أثر سلبًا على الصحة النفسية للمصريين.

وأوضحت أنه في مواجهة تلك المشاعر السلبية يلجأ الجسم إلى حيل دفاعية؛ كي يتغلب عليها تظهر بعضها في أمراض نفسية، كاللجوء إلى الاكتئاب والانعزال أو كاللجوء إلى زيادة مشاعر القلق، وما يتبعه من مرض الوسواس القهري والعنف؛ بهدف خلق شخصية مسيطرة تواجه ظروف الحياة.

وأضافت د. رسمية- في تصريحات صحفية- أن الوسواس القهري زاد بطريقة رهيبة خلال الخمس سنوات الأخيرة، طبقًا لمشاهداتها والحالات المرضية التي تصدت لها، كما تضاعفت الإصابة بالاكتئاب بما يقرب 10 مرات في السنوات الأخيرة.

وأشارت إلى أن الضغوط تؤدي إلى اضطرابات الشخصية، وهو ما يظهر في الحالة اليومية في نماذج انعدام الضمير والرشوة والخداع، لدرجة “قتل القتيل والسير في جنازته”، وهو ما أفرز نمطًا شائعًا يتجسد في احترام القوي واحتقار الضعيف وإيذائه.

ولفتت د. رسمية إلى أن الضغوط أفرزت “شخصيات تجنبية” تعاني من خوف مفرط، وهم نسبة ليست بقليلة في المجتمع المصري، كما أفرزت شخصيات مرتابة تسيء الظن بشكل كبير وتسبب آلامًا كبيرة لمحيطها قد تتطور لعنف نرى مظاهره في جرائم أسرية متكررة.

وشدَّدت على أن أصعب المظاهر تمكن في تطور تلك الأمراض والضغوط على الأطفال، فالصغار هم الحلقة الأضعف في دائرة الحياة؛ إذ تصل لهم ضغوط الحياة عبر ذويهم، وتجعل منهم أطفالاً مشوهين مخادعين مما يضر مستقبلهم قبل حاضرهم.

وعن العلاج الطبي لهذه الأمراض، ترى د. رسمية أن الحل الأول يمكن في الخروج من دائرة الأزمة ونطاق الألم والمؤثر السلبي، وهو أمر يقدره الطبيب مع المريض؛ بحيث لا يعيش في مكان يتسبب في زيادة ألمه، مؤكدة أن طلب المساعدة الطبية مهم للغاية؛ بحيث يتدخل الطبيب في الوقت المناسب.

وشدَّدت على ضرورة زيادة الوعي في مواجهة الضغوط النفسية واللجوء لزيادة البعد الروحي والإيماني؛ كونه يساهم بنسبة كبيرة في تحقيق المساندة النفسية في ظل فكرة أن الله سبحانه وتعالى قادر ولطيف وحكيم وقوي.

أزمة كبيرة

وأكد الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، أنه لا توجد أرقام دقيقة بشأن المرضى النفسيين في مصر، في ظل ازدياد عددهم بشكل مستمر، مرجحًا تجاوزهم عتبة 18 مليونًا.

وشدد المهدي- في تصريحات صحفية- على وجود أزمة كبيرة نتيجة قلة المستشفيات الحكومية النفسية المؤهلة لاستقبال هؤلاء المرضى.

وقال إن عدد الأسرّة المطلوب لرعايتهم يزيد عن 25 ألف سرير، بينما لا يتوفر سوى 6700 سرير فقط، وهو ما أدى إلى ازدياد عدد المرضى النفسيين في الشوارع خصوصًا بين الفقراء، في وقت يتبع الأغنياء طرقا أخرى في علاج من يخصهم.

وتابع المهدي أن عدد الأطباء النفسيين يتدنى ليصل إلى ألفي طبيب، وأنّ البعض استغل قلة الأطباء والمستشفيات النفسية، لينشأ مراكز علاج دون الحصول على ترخيص من المجلس القومي للصحة النفسية، وذلك لعلاج الإدمان والأمراض النفسية.

وأوضح أنّ ارتفاع أسعار الأدوية النفسية جعل المريض غير قادر في كثير من الأحيان على شراء العلاج، إذ يحتاج إلى ثمنه لتسديد تكاليف المعيشة الأساسية، فيلجأ البعض إلى الشراء عبر الإنترنت أو من خلال الأصدقاء، وربما يلجأ كثيرون أيضًا إلى الدجالين ممن يعملون في السحر والشعوذة، للهروب من تكاليف العلاج وأسعار العيادات النفسية.

والكبت والضيق

ويؤكد الدكتور محمود زكي أستاذ علم النفس في جامعة حلوان أن المرض النفسي أصبح أكثر انتشارًا في مصر، نتيجة ضغوط الحياة الاقتصادية، وفقدان المقومات الأساسية للحياة. وارتفعت نسب الانتحار بطريقة غير مسبوقة.

وقال زكي- في تصريحات صحفية- أن تعاطي المواد المخدرة أدى إلى زيادة عدد المرضى النفسيين، مطالبًا بضرورة التوسع في إنشاء المستشفيات التي تعالج مثل تلك الحالات، وعلاج المشكلة من جذورها من خلال توفير متطلبات الحياة؛ إذ إن الوالد يعمل كثيرًا لتوفير حياة كريمة لأولاده. كذلك إن انشغال الأم جعل الأولاد يشعرون بحالة من الفراغ والاكتئاب.

وأشار إلى أن الظروف التي تمرّ بها البلاد والكبت والضيق الاقتصادي أدت إلى تزايد معدلات الإصابة بالأمراض النفسية.

Facebook Comments