في يوم ٢٠ يونيو سنة ١٩٥٠، كتب إحسان عبد القدوس على صفحات مجلة روز اليوسف، التي أسستها والدته السيدة فاطمة اليوسف، وهي لبنانية من أصل تركي، عن قضية الأسلحة الفاسدة، وقال إن الجيش المصري تعرض للخيانة في حرب فلسطين عام ١٩٤٨، واستخدم أسلحة فاسدة قتلته بدلا من قتل العدو، فكان ذلك سبب الهزيمة.

العجيب أن القصة ما زالت مستمرة إلى اليوم دون استقصاء حقيقي للوقائع، حتى إن كتاب تاريخ الصف الثالث الثانوي في وزارة التربية والتعليم يقول بالنص: “كانت الأسلحة الفاسدة من الأسباب الرئيسية للثورة عندما أخذت النيابة العامة فى التحقيق فى قضية الأسلحة الفاسدة، أثبت التحقيق اشتراك بعض رجال حاشية الملك فاروق فى صفقات السلاح”.

أسطورة الأسلحة الفاسدة لتبرير الهزيمة وإدانة الملك وكبار قادة الجيش وقتها، تشبه أسطورة أخرى بطلها مقدم البرامج “محمد الغيطي”، حول تواجد الأسطول السادس الأمريكي داخل المياه الإقليمية المصرية، إبان انقلاب 30 يونيو 2013، ونجاح الضفادع البشرية المصرية في أسر أحد قادته، وهو ما أثار سخرية واسعة على المواقع الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن متاحة تلك السخرية ولا تلك التقنية الاجتماعية عند انقلاب عبد الناصر.

تزييف التاريخ

تقول الناشطة السياسية سناء ونيس: “فيلم رد قلبي جميل يكشف جمال مصر في الأربعينات والخمسينات، وبعيدا عن قصة الحب الملزقة فإنه مليء بالأكاذيب لملء عقول المصريين زمان”.

وتضيف ونيس: “قصة الأسلحة الفاسدة والقنبلة اللي ردت في صدر رشدي أباظة وموتته خزعبلة من تأليف إحسان عبد القدوس، باعترافه واعتراف كثير من الضباط الأحرار”.

وتابعت: “ورغم أن محكمة الثورة ١٩٥٣ برأت جميع المتهمين مع شهادة اللواء الشاذلي ومحمد نجيب وسط ذهول الشعب، وأثبتت أن شخصًا واحدًا لم يقتل بسبب فساد الأسلحة، إلا أنهم أنتجوا الفيلم سنة ٥٧، بل وأقروه في مناهج الدراسة”.

وأضافت: “من ضمن الهجوم على الملك فساده وعلاقاته النسائية، لكنهم أظهروا الضابط على علاقة مع راقصة في الحرام. وإيه يعني هو الحب حرام، وقوف علي وأبوه وعيلته يهتفون مع الثوار معرفش مانزلوش ليه هجص؛ لأن الانقلاب حدث في منتصف الليل والناس نايمة بتشخر”.

وأوضحت: “إنجي ساعدته يدخل الحربية وفي الآخر رجع سرق حاجتها هي وأهلها، ومع ذلك راحت معاه، لم يقدم العسكر أي إثبات على فساد الملك فاروق وخيانته، ورغم ذلك نشروا الأكاذيب والقصص الخرافية للوصول إلى السلطة وفي ٢٠٢٠، ما زال الكثير يصدق قصة الأسلحة  الفاسدة ويرددها، وما زال من يثق في حكم العسكر ويؤيده ويعادي أبناء وطنه من أجل حفنة لصوص.. اقرءوا يرحمكم الله”.

فيلم رد قلبي

يعد ذلك الفيلم من مقررات العسكر على المصريين في ذكرى انقلاب ٢٣ يوليو ١٩٥٢، “الفيلم فيه مشهد للممثل كمال ياسين في دور الضابط سليمان وهو من الضباط الأحرار، يتحدث إلى شكري سرحان أو الضابط علي، عن وفاة زميلهم رشدي أباظة الضابط صلاح الملاكم اللي مات في حرب ٤٨، ويقول إنه “مات بسبب السلاح كان بيضرب فينا بدل ما يضرب في الصهاينة”.

والغريب أن “التحقيق كان على عين الملك فاروق، ما يعني أن الملك والحكومة بما فيها حكومة حزب الوفد التي جاءت لاحقا فعلوا كل ما يمكنهم من أجل عدم التحقيق في القضية، لكن التحقيقات استمرت خلال سنين ١٩٤٨ و١٩٤٩ و١٩٥٠، وفي ذلك الوقت كان هناك صحفي “شاطر” يدعى إحسان عبد القدوس”.

ويبدو أن من يهمه سقوط الملك وجلب العسكر للحكم، سرب إلى “عبد القدوس” ومجلة روز اليوسف، التي تعود ملكيتها إلى السيدة “فاطمة اليوسف”، والتي كانت بدورها ماهرة مثل كثير من اللبنانيين في ذلك الوقت، وظهرت تلك المهارة في التحقيقات الصحفية المتعلقة بالذمة المالية للحكومة، وليست تحقيقات عن سبب الهزيمة أمام عصابات الصهاينة التي من الصعب مقارنة قوتها وعددها الضعيف مع قوة وعتاد الجيش المصري.

وسربت مجلة “روز اليوسف”، بحسب مخطط متقن، خبرا مفاده أنها تتعرض لضغوط لإغلاق التحقيقات من الملك والحكومة، وتكفلت عناوين الصحفي إحسان عبد القدوس في روز اليوسف بالمطلوب، وكانت بمثابة تضليل للرأي العام كما يفعل الآن عمرو أديب وأحمد موسى بكل المقاييس.

من تلك العناوين على سبيل المثال “زوجة الضابط التي تتاجر بالسلاح. الضابط الذي يخير أضعاف مرتبه في القمار في نادي السيارات. النبيل عباس حليم يتاجر في السلاح. الخبراء الأجانب يستقيلون من الجيش المصري”.

لاحظ أن العناوين كلها عناوين عن تحقيقات فساد مالي، أكثر منها عن فساد السلاح نفسه، لكن في متن مقالات إحسان عبد القدوس تتطرق للحديث عن السلاح ووصفه بأنه لم يكن فعالا، وأن بعض الأسلحة قتلت جنودا مصريين.

أيضا لاحظ أن العناوين لم تكن فقط إدانة لشخصيات مقربة من الملك فاروق، بل كانت إدانة لقيادات الجيش في ذلك الوقت التي يراد إزاحتهم مع فاروق، والعناوين واضحة وتعبر عن ذلك الغرض أو الهدف الذي تحقق في انقلاب 1952.

وأخيرا نسبت صحيفة البيان الإماراتية، في عددها الصادر بتاريخ ٢٤ يونيو عام ٢٠٠٢، إلى اللواء أركان حرب متقاعد مصطفى ماهر، الرئيس السابق للجنة العسكرية لتسجيل تاريخ ثورة ٢٣ يوليو، القول: “بعد مرور سنوات طويلة على هذه القضية، ذهبت لزيارة إحسان عبد القدوس وكان قد أصبح رئيسا لتحرير الأهرام في ذلك الوقت، وكان معي زميل من اللجنة العسكرية، وقلت له: “أستاذ إحسان… لقد انتهت قصة الأسلحة الفاسدة فاحكِ لنا الحقيقة بالضبط في هذه القضية”.

فردّ عبد القدوس: “أنا روّجت لهذه القصة ونفخت فيها لعدم قدرة الأحزاب في ذلك الوقت على إحداث تغيير، ولأن القوة الوحيدة التي تستطيع التغيير هي القوات المسلحة. ومن هنا جاءت لي فكرة الأسلحة الفاسدة حتى أستفز وأثير حماس ضباط الجيش، لأنني كنت أرى أنهم هم الوحيدون القادرون على إزاحة الملك”.

ما يعني أن “احسان” نفسه كان قصده التهييج للتخلص من الملك، وهو ما فعله إعلام العسكر في 2013 للغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، وفي الأغلب أن من سرب الأخبار المفبركة لـ”إحسان عبد القدوس”، كان لديه نفس الهدف وهو تهييج الرأي العام وتجهيزه.

Facebook Comments