كتب سيد توكل:

القضاء في مصر مثل كل المؤسسات تحتاج إلى تطهير من رموز قضائية كانت وما زالت على علاقة وثيقة بالنظام المخلوع واليوم بالانقلاب، وكانت تؤدي دورا في العقود الماضية في نشر مظلة قضائية تحمي الفساد من أشعة الحق الحارقة، وعلى ما يبدو أن محكمة "الأمور المستعجلة" في مصر، مُصرّةٌ على أن تكون محل سخط دائم، من خلال سلسلة أحكام قضائية انحازت لسلطة العسكر على حساب الطرف الآخر.

محكمة الأمور المستعجلة -حسب القانون المدني- "تفصل في المنازعات التي يخشى عليها من فوات الوقت، فصلًا مؤقتاً لا يمس أصل الحق".

كما يحدد القانون للمحكمة مهمة الفصل السريع في قضايا الإفلاس، خيانة الأمانة، التدليس، وغيرها من المنازعات التجارية والمدنية.

أحكامها "إجراء وقتي ملزم للطرفين بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة أو احترام الحقوق الظاهرة، أو صيانة مصالح الطرفين المتنازعين"، وفق القانون.

انهيار العدالة
من جانبه يقول مصطفى عزب، المحامي والناشط الحقوقي بالمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا: "تعاني الدولة المصرية من حالة انهيار كامل في منظومة العدالة في ظل تغول الأجهزة الأمنية التي أنيط بها قمع المتظاهرين وقتلهم واعتقالهم وتعذيبهم وتلفيق القضايا لهم ثم تمريرها إلى النيابة العامة لتضفي عليها صبغة قضائية وتحيلها إلى دوائر قضائية خاصة اختيرت بعناية من قبل وزير العدل".

عزب أشار في تصريحات صحفية أن آلاف الأشخاص يحاكمون أمام ساحات "الشامخ" بعد اتهامهم بقضايا في أغلبها ممارسات لمعارضة الانقلاب العسكري في إطار حرية الرأي والتعبير المكفولين في القانون المصري حيث أصدرت هذه المحاكم أحكاما قاسية بدءا من الإعدام وحتى المؤبد والحبس والغرامات المالية الباهظة، ملفتًا أن كافة المحاكمات التي انتهى قضاتها إلى الحكم بالإعدام بحق المتهمين لم تتوافر فيها المعايير الدنيا للمحاكمات العادلة، وكانت الأحكام فيها منتجا سياسيا بامتياز لتتعادل تلك الأحكام مع أي قرار إداري صادر عن السلطة التنفيذية (الانقلاب).

ورطة تيران وصنافير
إبطال حكم المحكمة الإدارية العليا القاضي ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، كان آخرَ تلك الأحكام، حيث قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، ببطلان حكم الإدارية العليا واستمرار تنفيذ حكمها السابق القاضي بسريان الاتفاقية، واستمرار نقل تبعية الجزيرتين للسعودية.

التدخُّل المباشر من قبل الأمور المستعجلة في قضية "تيران" و"صنافير" يعد الثالث من نوعه خلال الشهور الأربع الماضية، حيث قضَتْ في ديسمبر الماضي أيضاً، بوقف تنفيذ حكم "القضاء الإداري" القاضي ببطلان الاتفاقية.

كما قضت في يناير الماضي أيضًا، بمنع تظاهرة دعا إليها سياسيون أمام مجلس وزراء الانقلاب للاحتجاج على إحالة حكومة العسكر الاتفاقية إلى برلمان الدم، وقضت وقتها بنقل التظاهرة من أمام مجلس وزراء الانقلاب إلى حديقة الفسطاط بالقاهرة.

تصفية حسابات
المحكمة رغم وجودها منذ عقود، إلا أن تكرار ذكرها في الفترة الأخيرة ارتبط بقضايا الحريات والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، بالأخص منذ الانقلاب العسكري الذي قاده السفيه وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، على أول رئيس مدني منتخب الدكتور محمد مرسي في يوليو 2013.

عمل محكمة الأمور المستعجلة باتَ يَطرحُ عدّة إشكالات، وسط اتهامات بالتعدّي على الاختصاصات القضائية، والفصل بدعاوى سبق أن تمّ الفصل بها في القضاء الإداري، والمحكمة الإدارية العليا.

الاتهامات التي ساقتها منظمات حقوقية للمحكمة تخطت ذلك إلى القول بأن أحكام القضاء المستعجل، تشجع الفسدة على اللجوء للقضاء المستعجل للحصول على أحكام تتفق وأهوائهم السياسية، وتصفية الحساب مع خصومهم ثوار 25 يناير ومؤيدي الشرعية ورافضي الانقلاب العسكري.

الورق ورقنا!
يعد القضاء ابتكارا إنسانيا يعمل من خلال قوانين وضعية وأعراف اجتماعية أنجزتها إرادة عامة لفض النزاعات بين الناس لتكريس العدل بين الناس وحماية الحقوق والحريات، ورفع الظلم الذي يلحق بأي مواطن من السلطات أو المجموعات أو المؤسسات العامة منها والخاصة وغيرها وتعويض المتضررين بما يتناسب مع حجم الضرر ونوعه؛ أي بعبارة أخرى، إن القضاء يسعى إلى احتراف الوصول إلى العدالة الدنيوية في أحكامه، التي تعد الميزة الكبرى لأي نظام قضائي فاعل.

ولا يمكن تصور إمكانية نهوض القضاء بأمانة العدل، دون تأمين الاستقلال الفعلي والكامل له؛ فالقضاء المنزه الموثوق الذي هو شرط أساس للدولة القانونية ولمسيرة التنمية والتطوير والتحديث يجب أن يبقى مستقلاً بعيداً عن المؤثرات والمداخلات من أي جهة أتت، ومن أي نوع كانت، وعند هذا المفصل يمكن تحديد مدلول استقلال القضاء بكونه استقلاله كمؤسسة ويتجسد ذلك في استقلال القضاء إداريا وماليا، كما يتجسد ذلك في سلطة اتخاذ القرار.

أحكام عديدة شهدت تناقضًا واضحًا، أصدرتها محكمة الأمور المستعجلة، تتعلق غالبيتها بفرض أو إلغاء الحراسة القضائية على النقابات المهنية، وحظر الأحزاب والجماعات والحكم بعدم الاختصاص في ذلك.

ففي حين أصدرت حكمًا بفرض الحراسة على نقابة الصيادلة في 27 أكتوبر 2014، ألغته بحكم آخر في 29 ديسمبر من العام نفسه.

وبينما أدرجت في 31 يناير 2015، كتائب "القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس" كمنظمة إرهابية، أعلنتْ عدم اختصاصها في نظر الدعوى المطالبة بإعلان حركة "حماس" كمنظمة إرهابية.

إلا أن حكمين آخرين صدَرَا في 28 إبريل، و6 يونيو 2015، قضى الأول باعتبار "حماس" منظمة إرهابية، وألغى الثاني هذا الحكم!.

وفي 6 مايو 2014، قضت المحكمة بمنع قيادات الحزب الوطني المنحل من الترشح لانتخابات الرئاسة والبرلمانية والمحليات، وألغت في 14 يوليو 2014، حكم المنع فيما يخص الانتخابات البرلمانية.

محكمة الإسكندرية للأمور المستعجلة قررت في 15 إبريل 2014، منع ترشح أي عضو مُنتمٍ إلى جماعة الإخوان بالانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، بينما قرَّرت في 11 يونيو من نفس العام عدم الاختصاص النّوعي في نظر القضية المُطالِبة بمنع ترشح أي عضو مُنتمٍ إلى الإخوان في انتخابات المجالس المحلية.

وفي 21 إبريل 2011، قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة برفع اسم المخلوع مبارك من الميادين والمنشآت العامة، بينما ألغت الحكم في 7 يناير 2014.

ومن بين الأحكام المُثيرة للجدل أيضًا، قرار عودة الحرس التابع لوزارة الداخلية في حكومة الانقلاب، إلى الجامعات، بعد حكمٍ بإلغائه في أعقاب ثورة 25 يناير، كما حظرت في 30 ديسمبر 2013 التظاهرَ في الجامعات دون إذن رئيس الجامعة.

القضاء المستعجل حكم بحظر كل من: جماعة الإخوان المسلمين، وحركة شباب 6 إبريل، وتنظيم "داعش"، و"أجناد مصر"، و"بيت المقدس"، واعتبرها -عدا 6 إبريل- منظمات إرهابية.

وقبل 3 أيام من حكم "تيران" و"صنافير" في سبتمبر الماضي، قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، بفرض الحراسة على نقابة التجاريين، وحل مجلس إدارتها الحالي.

كما أيدت حكم فرض الحراسة على النقابة العامة للمعلمين، بينما رفضت فرضها على النقابة العامة للأطباء البيطريين.

وفي 26 يناير 2015، قضت بعدم الاختصاص في نظر دعوى بإدراج روابط مشجعي الأندية "أولتراس" كمجموعات إرهابية وحظر نشاطها.

Facebook Comments