اتفقت الفتيات علي الإلتقاء عند مخفر الشرطة لتقديم “بلاغ” واستخدام حقهن في تلك البلاد مثلهن في ذلك مثل أي شخص آخر… قررن ألا يصمتن علي هذا الجُرم الفادح وأن يسرن في طريق رفعه حتي اللحظة الأخيرة..

وهناك.. ورغم صيحات التحذير شديدة اللهجة التي ارتفعت تهيب بهن ألا يفعلن؛ إلا أنهن استجمعن قوة أعصابهن ودخلن إلي المخفر، في حين لم يجدن أي شخص يمكنه أن يسمع منهن ما يردن. كل أعضاء هذا المكان مشغولون بإدارة عمل ما..يتحدثون عنه..ويخططون له في دقة وإمعان..

سرت مشاعر قلق إلي قلوب الفتيات الغضة، وشعرن أنهن في مأزق لمجرد وجودهن في هذا المكان، وإن كن لم يستطعن أن يحددن طبيعة تلك المخاطر المحدقة بهن..وبتؤدة شديدة وحذر..تلاقت أعينهن خلسة وكأنهن يجتمعن علي تنفيذ أمر ما قبل أن ينتبه إليهن أحد.. وبالفعل..فقد تسللت أول فتاة منهن وغادرت علي الفور. وبسرعة تبعتها الأخريات واحدة تلو الأخري..فقد أدركن أنه يجب عليهن المغادرة بالحيلة والحيطة..وإن كانت عقولهن البريئة لم تستطع تمييز الجائحة تلك التي أجبرتهم علي تحاشيها والإبلال منها هكذا..

تصافحت أيديهن في الخارج..وأطلقن تنهديات حارقة..كأن أنفاسهن قد احتُبست لأشهر طوال وليس لمجرد دقائق معدودة..وما إن خطت أقدامهن خارج هذا الموضع التعس، إذا بهن يلحظن توافد مجموعة كبيرة من الرجال والشباب، يبدون وكأنهم أعضاء احدي المؤسسات أو الهيئات العريقة، وقد كانت وجهتم واضحة جلية، فقد كانوا ينظمون أنفسهم وفي طريقهم إلي الولوج داخل هذا المخفر..وقبل أن يغيبهم هذا البنيان تماما، قالت أحد الفتيات: إني أعرف بعض تلك الوجوه،فهم أعضاء احدي المؤسسات التي كانت “هدي” عضوا بارزا فاعلا بها، وربما جاءوا هم أيضا ليقدموا مثلنا بلاغا..ردت أخري: إذن لننتظرهم هنا فربما يفلحون فيما عجزنا نحن عن فعله..

وبالفعل مكثت الفتيات أمام المخفر يرقبن هذا الوفد الكبير من الشخصيات الهامة، ولم يطل لبثهن طويلا في الانتظار، فسرعان ما خرج الوفد متتابعين، وعلي وجوههم نفس هذا الوجوم الذي كان قد أصاب الفتيات وصحبهن حتي الخروج منذ دقائق..وهكذا فلم يعد هناك شك في أن هدفهم واحد..ومن ثم ذهبت الفتيات إلي هذا الوفد الوقور وأطلعنه علي ظنهن بأن قضيتهم متماثلة، وحكين لهم قصة “البلاغ” الذي أردن تقديمه ومن ثم عجزهن عن ذلك، وسألنهم إذا ما كان حضورهم هنا -هم أيضا- من أجل هذا “البلاغ” نفسه أم لا؟ أجابهم الوفد مؤكدين: بل وقد لاقي المصير نفسه الذي تحدثتن عنه. قال أحدهم: الفارق الوحيد أننا كنا كمن يحارب بالداخل حتي نجد من يستمع إلينا. وما أن بدأنا في الحديث، إلا وقد بدأ القوم هناك في الضحك والسخرية، وقد كانت ضحكاتهم رنانة مخيفة كأنها صادرة من هوة عميقة لشيطان يحدثونه عن معاني التوبة والعودة إلي طريق الحق، فلا يجدون ردا سوي تلك الضحكات الصاخبة المريعة المفزعة..ويبدو أن تلك الضحكات الهازئة بفكرة “البلاغ” هي التي أبعدت عنا مصيرا أليما..ولذا فقد انسللنا من أمام أعينهم المغمضة الغارقة في غفلة الضحك والسخرية، وخرجنا آملين أن نفكر هنا في آليات أخري أفضل..

ومن بعيد..أتت سيدة عجوز تكشف العصا التي تمسكها عن حجم الآلام التي تحاملت عليها حتي وصلت إلي هذا المكان، أسرعت بعض الفتيات نحو تلك العجوز ليحملن عنها تلك الحقيبة الكبيرة التي بين يديها، ويقدمن أذرعهن إليها لتتخذها متكئا بديلا عن تلك العصا المتكسرة..وقبل أن تُقدم العجوز علي الدخول من باب المخفر، كان صوتها قد حكي للجميع حكاية “البلاغ” الذي تريد أن تقدمه، وتأكد أنها تشارك الفتيات ووفد المؤسسات في الهدف نفسه..

ورغم جلاء نتيجة هذا الأمر قبل حدوثه؛ إلا أن إعياء السيدة العجوز وشدة احتمالها حتي الحضور إلي هذا المكان جعل الجميع يصمت عن تنبيهها لما سيؤول إليه مصير هذا “البلاغ” الذي تود تقديمه، ومن ثم فقد لاذ الجميع بالصمت، وفي قلب كل منهم أمل أن تنجح العجوز فيما عجزوا جميعا عن صنعه، فتركوا لها فرصة المحاولة التي من حقها أن تمارسها هي أيضا دون تلك الجُدُر الصلبة من تجارب وخبرات الآخرين..
وبعد أن غابت بالداخل لفترة أطول ممن سبقها، ظنّ الجميع أن العجوز قد نجحت فيما فشلوا هم فيه، لكنها سرعان ما كذّبت هذا الظن حين خرجت يعلو وجهها سيل من الدمع الكثيف ربما لِما تلقته بالداخل من إهانة وسوء تقدير لا تليق بمن هي في مثل عمرها..

انضمت الجدة إلي ذلك الجمع بالخارج، وقد بدأت نقاشاتهم يعلو صوتها، وكأن هناك اتفاقا وميثاقا غير ظاهر بينهم كافة علي ألا يغادروا هذا المكان حتي ينجحوا في مسعاهم..

بعد بضع ساعة أخري..ظهرت أسرة مكونة من رجل وزوجته وثلاثة من الأطفال، أغلقوا سيارتهم وتركوها في مكان قريب من المخفر، ثم.. وفي هدوء شديد بدأ الرجل يوسع لزوجته وأولاده مكانا بين الناس كي يسيروا فيه إلي باب المخفر، وقد كانت كلماته المقتضبة توميء بأنه علي يقين أن هذا الجمع الكثيف ما إلتقي في مثل تلك الساعة إلا لنفس السبب الذي جاء به وأسرته أيضا..فاتخذ لأسرته طريقا يسيرون فيه، وسرعان ما غابوا مختفين خلف تلك الأبواب، فقد كانت سرعة خطواتهم ونشاطهم في الحركة والإقدام أسرع من مبادرة البعض بإيقافهم لنقل خبرات السابقين إليهم..وبالسرعة نفسها خرجوا تباعا أيضا مثلما دخلوا، وقد حرص الرجل علي أن يطمئن أولا إلي خروج زوجته وأبنائه ثم خرج هو في النهاية..ولبث يتحدث مع الوقوف في صوت مرتفع متحمس زاد من همة ونشاط الحاضرين، والذين لم تفتر قواهم منذ أن جاءوا، حتي أن الجدة العجوز رفضت الجلوس علي الرصيف المجاور حتي لا يظن منها الآخرين أي تراخ أو ضعف فيما تعتزمه من مأرب مشارك لهم فيما يعتزمون..

*****
في تلك الأثناء..حضر إلي المكان نفسه رجل كهل عظيم المظهر يرتدي حلة فاخرة، عليها رابطة عنق حديثة الطراز. ظنه الجميع أحد المسؤولين في هذا المخفر، فاجتمعوا حوله مناشدين إياه التوقف للإستماع إلي بلاغهم، فإلتفت إليهم وهاله إحتشادهم ولهفتهم، فأشفق عليهم، وسألهم عن حاجتهم وسبب لهفتهم تلك..

قال الجمع: جئنا نتقدم بـ”بلاغ” عن سرقة ألمّت بنا..

سألهم الرجل: ومن بالضبط منكم الذي تعرض للسرقة؟

أجابه التجمهر: كلنا ضحايا لتلك السرقة والجُرم الفادح..فقد سُرق بيتنا..!

ومرة أخري يتعجب الرجل ويسألهم، وأي بيت فيكم قد سُرق؟

أجابوه مؤكدين: بيتنا جميعا..بيت “هدي”..!

لم يبدو أن الرجل قد اندهش من الاسم الذي سمعه..ولكنه واصل الحديث معهم مستفهما..

قالت احدي الفتيات الحاضرات: جئنا جميعا لنبلغ عن سرقة للظل في اليوم الذي ترتفع فيه الشمس ويشتهد لهيبها فوق الرؤوس، نبلغ عن نصب الشراك في الواحة الغنّاء المطمئنة، والضرب بالعصا الغليظة علي اليد الملأى بالعطاء والحنو، نبلغ عن تفريق البسمة العذبة الملتفة حول موائد الكرم والجود، وسد الأذن المنصتة لأحاديث الآلام والأهات، وإلقاء العصابة السوداء علي الأعين الباحثة عن الأرض البوّار كي تزرعها.. جئنا نبلغ عن شق الأنفاق للماء الآسن كي يزاحم ويحتل مواقع الجداول العذبة الرائقة، وبناء الحوائط العازلة الحاجبة لضي الأقمار في الليالي المعتمة، نبلغ عن ملاحقة الدفء وقتاله ضنا به وحسدا عليه، والرمي بمقاليع النيران والحرق السنابل الخضر قبل الحصاد..

نبلغ عن…وإلي هنا لم تستطع الفتاة أن تكمل حديثها فقد اختنق صوتها بالبكاء وسبقها في ذلك صوت عالٍ من النحيب والنشيج حولها..

مدّ الرجل يده ليلحق تلك الدمعة التي ترقرقت في عينه حتي لا تسقط…فهو فلم يكن من مسؤولي المخفر أو شيء من هذا القبيل…وكل ما في الأمر أنه ابن بار مثلهم جاء يبحث عن الشيء نفسه هذا الذي افتقده الجميع، لكنه فقط يزيد عنهم في خبرته بتلك المخافر ومن فيها..
أشار الرجل للجميع بأن يكفكفوا دمعهم..ثم حدثهم قائلا: سأفصح لكم عن أمر ربما قد يصدمكم قليلا، فما جئتم تبلغون عن فقده مسجونا وأسيرا خلف تلك القضبان بالداخل، لم يكن يبعده عنكم سوي أمتار قليلة، فبالداخل من لا تختلف قلوبهم عن الحجارة في شيء، بل ربما كانت قلوبهم أغلظ وأعتي..ولذا فقد اقتادوا رمز “الأمومة” هذا وأسروه لديهم حقدا من لدنهم أن تسود الرحمة واللين والمحبة حيوات من حولهم، وهم الذين تتغذي حيواتهم علي مضادات ذلك من القيم..

ولكن .. ماذا تقترح علينا أن نفعل؟-هكذا سأله المجتمعون-

أما عن مقترحي، فليس عندي سوي التحية لكم علي مسعاكم هذا، ولكنه مسعى لابد أن يستمر ولا يتوقف، فبناية العدالة المعوجة هنا في حاجة منكم إلي أن تقوموها وأن تعيدوا لها قبلتها السوية؛ وذلك حتي يكون لمحضن الأمومة الدافيء حظه من الحصاد لديكم…وهنا أشار الرجل بالتحية إلي الجدة العجوز وقد كان لسانها يلهج بالدعاء والذكر..وأردف: إن التقويم الذي ننشده، لن يتأتى دون رباطنا هنا والذي لم يعد محل اختيار… فبعد تلك الأكف الضارعة، والقلوب المحتسبة..فلتبقي أيادينا مشتبكة وقلوبنا متأججة يقظة، لتتحول صرخاتنا معا وأنيننا إلي هتاف مدوٍ يصل كالرعد إلي أبعد مدي..وكلما علا الصوت وامتد في الأفق واتسع، كلما اقترب يوم النصر والظفر..

إننا بتنا الآن مطالبين من قِبل الأزهار بإعادة قطر الندي يبرق فوقها، ومن قِبل المعذبين والحياري أن نكون لصرخاتهم رجع صدي، ومن قبل العصافير الخرساء أن نصير جمال التغريد لحناجرهم الكافة الحزينة..ولأنها مهمة قد تطول، فليذهب الآن كل منا وليأتينا بأخ له أو أكثر من أمه “هدي”..ولنظل علي ميداننا هنا عاكفين حتي يعود إلينا كل هذا الذي منا قد سُرق..

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments