ظلت العلاقة بين ملك الأردن الجديد عبد الله الثاني وجماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسية “جبهة العمل الإسلامي” متوترة على مدار السنوات الماضية، فعلى عكس الملك السابق، الذي حرص على الإبقاء على بوابة حوار وتفاهم مع الجماعة ذات النفوذ السياسي الكبير والتواجد الشعبي، تعاطى الملك الجديد مع الجماعة ببرود وخشونة مستفيدًا من موجة العداء للربيع العربي وللإسلاميين عموما.

بيد أن أمرين أعادا العلاقات الباردة بين الطرفين إلى دفئها وحيويتها مرة أخرى:

(أولهما) صفقة القرن التي يُجمع الأردنيون على خطورتها لأنها تهدد كيان “الأردن” وتقتطع أجزاء من أراضيه لضمها لدولة الاحتلال الصهيوني، ومن ثم ضرورة التوحد للدفاع عن البلاد في مواجهة المؤامرة الأمريكية الصهيونية.

و(الثاني) هو المؤامرة علي القدس والسعي لضمها للاحتلال رسميا باعتراف من الرئيس الأمريكي ترامب، فضلا عن انتزاع الإشراف الأردني على الأماكن المقدسة وجعل الإشراف صهيونيًا.

لذلك جاء اللقاء الأخير بين الملك ونواب الإخوان، وهو الأول من نوعه بعد مقاطعة استمرت نحو 10 أشهر للانتخابات العامة، لكتلة الحركة الإسلامية، يوم 16 أبريل 2019 ليدشن مرحلة جديدة من العلاقة بين الحركة والقصر.

رسائل لقاء الملك والإخوان

وجاء لقاء العاهل الأردني مع نواب في “كتلة الإصلاح” النيابية في البرلمان الأردني المحسوبة على حزب جبهة العمل الإسلامي (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، والذي وصفه عضو الكتلة النائب صالح العرموطي بأنه كان “إيجابيا وتاريخيا”، ليبعث بعدة رسائل سياسية للداخل والخارج.

داخليا.. أراد الملك أن يوصل رسائل لكافة القوى السياسية أنه يسعى لتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة مخاطر فعلية تحيط بالمملكة بعدما أعطت صفقة ترامب (صفقة القرن) أراضي أردنية (الباقورة والغمر) لدولة الاحتلال، وأنه يسعى للاحتماء بالشعب كله بما فيه جماعة الإخوان التي تمثل نسبة معتبرة من الأردنيين في مواجهة المؤامرة الأمريكية.

وكانت رسائله للداخل مستجابة بعدما واصل الأردنيون تنفيذ مسيرات شعبية في عدد من محافظات المملكة؛ دعما لموقف الملك عبد الله الثاني، تجاه القدس وصفقة القرن.

وخارجيا.. سعى الملك لإرسال رسائل تحدٍّ للإسرائيليين والامريكان أنه لن يقبل بصفقة القرن، ويعتصم بشعبه ليقف خلفه في مواجهة هذه المحاولات لسرقة أراض أردنية وإعطاء دولة الاحتلال الصهيونية السيطرة والسيادة عليها، ويرفض أيضا التصنيفات الغربية ولا يعترف بمطالب السعي لإخراج الخوان من القانون بتوصيفهم كـ”جماعة إرهابية”.

وسبق هذه الخطوة رفض حكومة الأردن طلب الجامعة العربية حظر “الإخوان” و”حماس” مارس 2019، بعدما أثيرت أنباء عن توجيه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية رسالة سرية، إلى وزارة الداخلية الاردنية، تضمّنت طلبًا بإعلان الأردن حظر جماعة الإخوان وحركة حماس، واعتبارهما حركتين إرهابيتين.

وقالت المصادر لوكالة شهاب الفلسطينية للأنباء حينئذ إن “الطلب السري جاء بتحريض من دولتين خليجيتين، قبيل انعقاد مؤتمر وزارة الداخلية العرب الذي عقد في تونس في 3-4/3/2019م”، وأن دائرة المخابرات العامة الأردنية، ردت بأنه “لا مصلحة للأردن في هذا الإجراء”.

مكاسب الإخوان من التقارب

وهناك توقعات تفيد بأجواء التأمر الامريكي الصهيوني على الأردن في توحيد صفوف الأردنيين والإخوان مع الملك، ومن ثم استعادة الجماعة نفوذها وحصولها على مكاسب، خاصة أن الملك يدرك قوة الجماعة في الشارع ويخشى من احتمالات خروج مظاهرات، في مطلع شهر رمضان المبارك وبالتزامن مع تركيز صحف كويتية وتقارير إعلامية على تسريبات تتحدث عن مؤامرات على الأردن.

وعزز تيار الإخوان المسلمين مواقعه في الانتخابات الطلابية في الجامعة الأردنية وحسم المواجهة الانتخابية في جامعة البوليتكنيك التقنية لصالحه بفوزه بسبعة مقاعد تمثل الأغلبية في مجلس الطلاب، كما أعلن رامي عياصرة أمين سر الجماعة على صفحته على “فيسبوك”.

في تلك الانتخابات الطلابية، وبمضمون الحوار “الوطني السياسي” بين القصر وكتلة الإصلاح، أظهر الإخوان المسلمون مجددًا وجودهم القوي في المعادلة الداخلية الأردنية وسيناريو عودتهم المركزية بعد التمكن من تجاوز كل الانشقاقات المرعية رسميا ضدهم في الماضي، وتوقفت بوضوح سياسة عدم التواصل مع البيت الإخواني.

وكانت هذه نتيجة طبيعية لمستجدات الوضع المعقد المفروض بما يسمى “صفقة القرن” على الداخل الأردني، حيث بنية عشائرية صلبة وواسعة تخشى نتائج الصفقة وتشكك في الموقف الرسمي واحتمالات بروز سيناريوهات تهدد الهوية الوطنية الأردنية، والأهم أنها جاءت كنتيجة لمصالحة من جانب النظام مع الإخوان المسلمين رسميًا والسعي لتأسيس توازن اجتماعي يستند إلى المبادرة الإصلاحية السياسية التي قال الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد أنها مطروحة ليس فقط على الدولة وصناعة القرار، بل على المجتمع وجميع الأحزاب والقوى المدنية.

وعرض الإخوان المسلمون باعتبارهم يمثلون قوة في المجتمع وجاهزة، المصافحة مع مؤسسات الدولة في مرحلة حرجة جدًّا، يواجه فيها الاردن والملك مرحلة حرجة وحساسة، ومساندة القصر في مواجهة استحقاقات وتداعيات صفقة الرئيس الأمريكي.

وسوف تفيد هذه الأجواء الجديد للمصالحة في استعادة الإخوان مقارهم التي استولت عليها السلطة وكذا الاعتراف الرسمي بهم، وهو ما ناقشه نوابهم بصراحة مع الملك في لقائهم الاخير.

والمعادلة المتوقعة هي: التعاون والتوافق والهدوء مقابل عودة مقرات الإسلاميين التي سلبت منهم بقرارات لصالح جمعية منشقة دعمتها السلطة، واستعادة المركز الإسلامي الخيري الاجتماعي، وهو يعتبر الجمعية الأم التي تدير النشاط الخيري للإخوان المسلمين، وسيطرت عليها لجنة حكومية منذ سنوات.

وسبق أن ألمح القيادي البارز في الإخوان المسلمين الشيخ جميل أبو بكر إلى أن الحركة الإسلامية لا مبرر لاستهدافها، وأنها تنتظر موقف السلطة من ثلاث مسائل، هي الجمعية، والمقرات، والإصلاح السياسي، وفي حال عدم التجاوب قال أبو بكر، “عندها لكل حادث حديث”، وربما يدفع هذا الحركة الإسلامية للانضمام للحراك الشعبي عشية شهر رمضان المقبل في توقيت حرج للغاية للسلطة.

تقارب الملك والإخوان

ويأتي اللقاء الملكي بعد عدة رسائل سياسية ومبادرات قدمتها الحركة الإسلامية مؤخرا باتجاه الدعم المطلق للموقف الملكي السياسي فيما يخص القضية الفلسطينية، من بينها الخروج بمسير حاشدة داعمة للملك مؤخرا، وإطلاق مبادرة سياسية للحوار، قال عنها الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي المهندس مراد العضايلة يوم إطلاقها، إنها مبادرة تؤكد وقوف الحركة الإسلامية خلف الملك.

وقاطع الإخوان انتخابات البرلمان السابق التي جرت عام 2013، ولكنهم شاركوا في انتخابات 2017 وفازوا بـ20 مقعدا من 130 ليشكوا كتلة سياسية قوية في المجلس.

ولذا كان متوقعا ذوبان الجليد بين الملك والجماعة، خصوصا في ظل التحديات الخارجية، وهو ما تمثل في مناقشة ملفات: القدس وصفقة القرن و”شرعية جماعة الإخوان المسلمين”، كما قال نواب الكتلة الإسلامية.

ولأن الملك ظل يرفض مطالب خارجية، بإدراج جماعة الإخوان على قوائم الارهاب فقد وجهت الحركة الاسلامية شكرا خاصا، للموقف الملكي، بعدم إدراج الاسلاميين في الأردن على قائمة الإرهاب، بحسب النائب “العرموطي”.

وخلال اللقاء كان واضحا أن الملك يبني موقفا أردنيا داخليا موحدا ضد صفقة القرن، حيث أبلغ نواب الحركة الإسلامية أن “صفقة القرن اليوم بالنسبة له لا قيمة لها”، وايضا ضد الموقف الامريكي الساعي لانتزاع الاشراف علي القدس والأماكن المقدسة في فلسطين المحتلة من الاردن بقوله إن “جميع الدول الأوروبية تقف إلى جانب الأردن في الموقف الثابت من ملف القضية الفلسطينية المؤمن بحل الدولتين والرافض للتوطين والوطن البديل والمتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات والقدس”.

وقال إنه “لا حل للقضية الفلسطينية إلا من خلال حل الدولتين الذي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونية عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”.

وأمام هذا التقارب للتصدي لقضايا خارجية تتعلق بالمملكة ككل، عرضت كتلة الحركة الإسلامية أمام الملك عدة ملفات قابلها بنقاش منفتح دون تحفظات، من بينها النزاع القانوني الذي تخوضه بشأن ترخيصها القانوني، كما عبرت عن مخاوفها من اتفاقية الغاز مع الاحتلال الصهيوني.

ومن المتوقع أن تصدر توجيهات ملكية في وقت لاحق في عدة ملفات سياسية تتعلق بقانون الانتخاب وخفض سن الترشح للناخب استجابة لتحفظات الحركة الاسلامية.

صفقة القرن تهدد الأردن

بحسب صفقة القرن فإن الخطة تقوم على تبادل أراضي بين السعودية والأردن، وذلك من أجل تمكين الدولة الصهيونية من الاحتفاظ بمناطق واسعة في الضفة الغربية.

وحسب ما ورد في كتاب ” كوشنر: الطموح الجشع -القصة الاستثنائية لجارد كوشنر وإيفانكا ترامب”، لمؤلفته فيكي وورد، أشارت إلى أن الخطة تتضمن تنازل الأردن عن مساحات من أراضيه لصالح الكيان الفلسطيني العتيد، مقابل حصولها على مساحة مماثلة من الأراضي السعودية والأراضي التي سيتنازل عنها الأردن.

ولأن التفاصيل الجديدة التي كشفها هذا الكتاب بشأن “صفقة القرن” تُظهر أن إدارة دونالد ترامب انتقلت في علاقتها مع نظم الحكم العربية التي تدور في فلكها من طور الاستغفال إلى الاستلطاخ والاستنعاج، كما يقول الكاتب الفلسطيني صالح النعامي، يتطلب الامر تقوية الجبهة الداخلية الاردنية وتكاتفها.

فالصفقة تتضمن ضم منطقتي “الباقورة” و”الغمر” لدولة الاحتلال، واللتان أجرهما الاردن لإسرائيل مدة 25 سنة وانتهت فترة الايجار لعام الماضي وقرر الاردن استعادتهما، كما تتضمن حرمان الاردن من الاشراف على الاماكن المقدسة.

وانتهت في 16 أكتوبر 2018، مدة 25 عامًا من تأجير الأردن منطقتي “الباقورة” و”الغمر” الواقعتين داخل الحدود الأردنية، لإسرائيل، بموجب اتفاق “وادي عربة” للسلام الذي وقع عام 1994، ودعا الشارع الأردني لاستعادة هذه الاراض ورفض تمديد التأجير، ودارت تكهنات بشأن سعي الاردن لاستغلال هذا الملف كورقة تفاوضية في “صفقة القرن”.

وسبق أن أصدرت كتلة الإصلاح النیابیة، المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمین في الاردن، بیانا، حذرت فيه الحكومة من عدم إنھاء الاتفاقية، مشیرة إلى أن الخيار الوحيد، ھو استعادتھا، واستجاب الملك للشارع وأعلن نهاية مارس 2019، عن إنهاء اتفاق أردني إسرائيلي كان يقضي بتأجير أراض أردنية إلى الجانب الإسرائيلي في منطقتي الباقورة والغمر.

أيضا تشرف دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف في الأردن، رسميا على المسجد الأقصى وأوقاف القدس (الشرقية)، بموجب القانون الدولي الذي يعتبر الأردن آخر سلطة محلية مشرفة على تلك المقدسات قبل احتلالها من جانب الدولة الصهيونية.

كما احتفظ الأردن بحقه في الإشراف على الشؤون الدينية في القدس بموجب اتفاقية وادي عربة (اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة في 1994).

ولكن صفقة القرن تسعي لوضع الاماكن المقدسة تحت الوصاية والسيادة الصهيونية مباشرة وانتزاع ادارتها بالتالي من الاردن واعطائه دورا شرفيا فقط في الاشراف عليها مع السلطة الفلسطينية.

وبدأ تنفيذ هذا التهديد منذ اعلان الادارة الامیركیة نقل سفارتھا للقدس ووقف دعمھا المالي للأونروا، ثم إعلان صفقة القرن التي تعد تھدید مباشر للقضية الفلسطينية وللفلسطینیین، بغرض تقنين الاستیلاء على القدس وغور الأردن والأراضي التي أنشئت علیھا المستوطنات في الضفة الغربية، ورفض الاعتراف بحق العودة، ورفض الاعتراف بدولة فلسطينية الا إذا كان المقصود إقامة ھذه الدولة في غزة فقط.

ولا تزال معاهدة وادي عربة – مثل كامب ديفيد المصرية  – تلقى رفضًا شعبيًّا قاطعًا منذ توقيعها وحتى اليوم، وظلت ذكراها السنوية موعدًا لانطلاق الاحتجاجات الشعبية والتحركات الشبابية ضدها، رفضًا لكل أشكال التطبيع واتفاقية وادي عربة وما ترتّب عليها من تنازلات، لكن هذه الاحتجاجات بدأت تأخذ طابعا مختلفا بسبب السعي الصهيوني الأمريكي لابتلاع أراضي “الغمر”، و”الباقورة” واعطاءها لدولة الاحتلال نهائيا.

Facebook Comments