مرت أمس الجمعة 22 مارس 2019م، الذكرى الـ”91″ لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم؛ على يد الإمام الشهيد المؤسس حسن البنا سنة 1928م بمدينة الإسماعيلية، وذلك بعد أربع سنوات من إلغاء الخلافة الإسلامية على يد العلماني المتطرف مصطفى كمال أتاتورك؛ الذي سعى لاقتلاع الإسلام من بلاد الأتراك عبر حكم استبدادي بالحديد والنار.

وتحل ذكرى التأسيس على الجماعة وسط عواصف عاتية ورياح سوداء مدفوعة بتحريض أمريكي صهيوني واسع، وعبر حملات تمويل كبرى تقوم بها عواصم خليجية، منذ انقلاب 03 يوليو 2013م؛ من أجل القضاء على شجرة الإخوان الباسقة التي أثمرت ملايين الشباب المسلم الواعي بقضايا دينه ووطنه وأمته العربية والإسلامية، وتطلع شعوبها نحو التحرر الكامل من هيمنة قوى الاحتلال والاستبداد.

تحل ذكرى التأسيس وقيادات الجماعة يقدمون أروع المثل في البذل والتضحية والفداء والثبات، فمعظم أعضاء مكتب الإرشاد، وعلى رأسهم فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع ونائبه المهندس خيرت الشاطر ورئيس الجمهورية المنتخب الدكتور محمد مرسي ورئيس برلمان الثورة الدكتور محمد سعد الكتاتني، وقيادات الجماعة الدكتور محمد البلتاجي وعصام العريان ومحمد علي بشر ومحمود غزلان والدكتور عبدالرحمن البر، وغيرهم الكثير.. يقبعون في سجون العسكر ثابتين قابضين على الجمر، وقد قدموا هم وأسرهم أروع المثل في الصبر على البلاء بعد استشهاد الأبناء واعتقال عشرات الآلاف ونهب الأموال والشركات بتهم سياسية ملفقة.

ووصلت حالة الهستيريا في ملاحقة كل ما يمت بصلة إلى الإخوان المسلمين في مصر إلى مراحل غير مسبوقة هي أشبه بمحاكم التفتيش التي كانت سائدة في أوروبا خلال القرون الوسطى، لاكتشاف وملاحقة مخالفي الكنيسة الكاثوليكية ومعاقبتهم؛ ففي مصر اليوم، من لم يُقتل من “الإخوان” أو لم يُنفَ أو يُسجن أو من لم “يتُب” منهم بعد، بات حلالاً طرده من وظيفته في حال وقعت عليه شبهة “الانتماء للإخوان” أو تأييدها، فالشبهة وحدها تكفي من دون أن تثبت؛ لأن السيسي قد تم شراؤه بمليارات الدولارات من أجل القيام بالجريمة الكبرى، وهي وأد ثورة يناير وإجهاض المسار الديمقراطي والقضاء على الإسلاميين؛ وذلك لضمان المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة وضمان حماية أمن الكيان الصهيوني، وذلك لن يتحقق إلا بحكم عسكري استبدادي يحول دون استقلال القرار الوطني وحكم الشعب.

جماعة شاملة

بدأ نشاط الإخوان في مصر كحركة جامعة شاملة تُعنى بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، عام 1928 في مدينة الإسماعيلية، وما لبثت أن انتقلت إلى القاهرة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، زاد التفاعل الاجتماعي والسياسي للاخوان المسلمين وأصبحوا في عداد التيارات المؤثرة سياسيا واجتماعيا، وفي عام 1942 وخلال الحرب العالمية الثانية عمل الإخوان على نشر فكرهم في كل من شرق الأردن وفلسطين، كما قام الفرع السوري بالانتقال إلى العاصمة دمشق في عام 1944.

وبعد الحرب العالمية الثانية، قام الإخوان المسلمون بالمشاركة في حرب 1948 لتحرير فلسطين بكتائب انطلقت من كل من مصر بقيادة البطل أحمد عبد العزيز والصاغ محمود لبيب والشيخ محمد فرغلي وسعيد رمضان ومن سوريا بقيادة مصطفى السباعي ومن الأردن بقيادة عبد اللطيف أبو قورة وكامل الشريف ومن العراق بقيادة محمد محمود الصواف وفلسطين.

وبالعزيمة والإصرار، امتدت دعوة الإخوان المباركة وشجرتهم الباسقة إلى أكثر من 80 دولة حول العالم، وقد نجح الإخوان في كثير من البلدان في الفوز بثقة الشعوب؛ فالإسلاميون – والإخوان على رأسهم – يجاهدون بكل عزم من أجل إقامة نظم حكم نزيهة تقوم على اختيار الشعوب والتداول السلمي للسلطة والقضاء على حقبة النظم المستبدة، فقد أثبتت التجارب أن الإسلاميين هم أكبر الفائزين بأجواء الحريات والديمقراطية، وهم أكثر الخاسرين في أجواء القمع والإرهاب والإستبداد من جانب النظم.

حل الجماعة

وبإيعاز من الإنجليز والقصر، قام محمود فهمي النقراشي، رئيس حكومة الأقلية آنذلك، باعتقال المجاهدين من أبناء الجماعة في حرب فلسطين ضد عصابات اليهود، ولم يكتف بمصادرة سلاح المجاهدين واعتقالهم بل أصدر قرارا مشبوها بحل الجماعة سنة 1948م؛ بتهمة “التحريض والعمل ضد أمن الدولة”!.

هذا القرار الأرعن أدخل البلاد في دوامة أفضت إلى اغتيال النقراشي على يد أحد الشباب، وهو ما أدانه الإمام الشهيد في بيان رسمي، كما أفضى إلى استشهاد الإمام البنا عليه رحمة الله على يد الحكومة السعدية والقصر، لكن قضاء مصر الذي كان شامخا برأ الجماعة من كيد اتهامات حكومة النقراشي وأبطل قرار الحل في حكم تاريخي سنة 1951م.

وفي 25 فبراير 2019م، أصدر مجلس الدولة حكما هو أقرب إلى القرار منه إلى الحكم، في الدعوى التي حملت رقم 4976 لسنة 65 قضائية، بعدم قبول دعوى تطالب بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي، بامتناع رئيس مجلس الوزراء عن حل جماعة الإخوان المسلمين، لانتفاء القرار الإداري، استنادًا إلى أن الجماعة لم يعد لها وجود، ومحظورة بالفعل.

وكانت ما تسمى بمحكمة القاهرة للأمور المستعجلة قد أصدرت يوم 23 سبتمبر 2013 قرارا يقضي بحل جمعية الإخوان المسلمين وحظر نشاطها ومصادرة ممتلكاتها، بعد دعوى مستعجلة من حزب التجمع تم تحريكها ضد الجماعة، ليكون أول قرار تصدره محكمة يقضي بحل الجماعة، وهو القرار الذي انتقده قضاة وخبراء في القانون، مؤكدين أن الذي أصدره قاض جزئي غير مختص وذلك بشهادة المستشار محمد عطية نائب رئيس مجلس الدولة، الذي هوجم؛ لأنه قال إن القضية من اختصاص القضاء الإدارى وليس العادي، فضلا عن أن شروط الاستعجال التى قررها القانون غير متوفرة فيها.

قرار مجلس الدولة الأخير لم يحظ باهتمام كبير لا من جانب السلطة ولا من جانب الإسلاميين؛ ذلك أنه قرار سياسي بإمتياز تم إخراجه في شكل قضائي لشرعنة القرار السياسي وإكسابه مشروعية مفقودة؛ كما أن الإسلاميين على يقين تام أن القرار مرهون ببقاء النظام؛ يبقى ببقائه ويزول بزواله؛ ككل قرارات الحل السابقة تذهب بذهاب النظام السيسي الذي أقرها ويعود الإخوان يمارسون عملهم ويبدأون دورة جديدة من الحركة والنشاط؛ لأن وجودهم أكبر من قرارات النظم حتى لو اكستبت شكلا قضائيا جانحا يحاول إضفاء مشروعية زائفة على سلوك شاذ وغير مستقيم.

تحديات جسيمة

تأتي ذكرى تأسيس الجماعة وهي تواجه عدة تحديات جسيمة تنوء بحملها الجبال؛ أولها لم شمل عناصرها، ووقف النزيف الداخلي في ظل حملات القمع المتواصلة منذ انقلاب 03 يوليو 2019م، وتعزيز الثقة في أفكارها ونظامها وخطابها وذلك بعد أن ضرب الانقلاب العسكري بأساس فكرها السياسي في مقتل بعد أن أجهض أي حلم بممارسة صحيحة وسليمة ويمنع أي تداول سلمي للسلطة عبر ترسانة من الإجراءات والقوانين القمعية الشاذة وهو بالطبع ما يعزز من أفكار التطرف والتشدد؛ ولذلك تبذل الجماعة جهودا مضنية من أجل عدم انزلاق الشباب إلى دوائر العنف أو اليأس والإحباط بتجديد الأمل في الله والعمل على وضع تصورات تقلل الخسائر وتنقل سفينة الدعوة إلى شاطئ الأمان.

وثانيا: من خلال إرساء قواعد التعايش السلمي المشترك مع رفقاء ميدان الثورة من أجل استرداد ثورة 25 يناير التي أجهضها العسكر بعنف ووحشية مفرطة، وذلك بالعمل على المشتركات وعدم الفرقة بسبب المختلف عليه؛ خصوصا وأن وعي الجماهير بأن 30 يونيو كانت إجراء شيطانيا مدعوما من قوى الشر العالمي بات حقيقة لا تقبل الشك أو الجدل، وكذلك فشل نظام العسكر في تحقيق أي إنجازات تذكر في جميع الملفات من جهة أخرى.

وثالث التحديات هو مواجهة الحصار الإقليمي والدولي المتزايد؛ فالحملة التي تشنها قوى الثورة المضادة على الجماعة يتزايد تأثيرها بشكل كبير، ويتحرّك ذراعها الدولي بشكل ممنهج ومخطط ومنظم، تقودها “إسرائيل والإمارات” من أجل حث الكونجرس الأمريكي على وضع الجماعة على لوائح الإرهاب الأمريكية من أجل خنق الجماعة والتضييق عليها وصولا إلى القضاء عليها كهدف أسمى للصهاينة والعرب الموالين لهم.

وفي كل الأحوال، فإن الجماعة أثبتت من خلال التجارب السابقة أنها عصية على الاجتثاث أمام قوى الاستبداد والطغيان المحلي والإقليمي والعالمي؛ تضعف ولا تموت وسرعان ما تعود أقوى مما كانت؛ فهي شجرة باسقة جذورها في أعماق الأرض وفروعها في عنان السماء.