منذ اللحظات الأولى لوقوع الإنفجار أمام معهد الأورام بوسط القاهرة كان الكثيرون ينتظرون فقرة اتهام الإخوان بارتكاب الجريمة وهو مالم يتأخر كثيرا بعد تضارب في الروايات الرسمية التي لم تقنع أحدا، كان أحدث تلك الروايات هو اتهام حركة مجهولة (حركة حسم) ينسبها النظام للإخوان بارتكاب الجريمة ..
لم يكن هذا الاتهام هو الأول من نوعه، ولن يكون الأخير، فقد درجت السلطة القائمة على توجيه هذا الاتهام بشكل آلي عقب كل حادثة للإخوان لتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد، أولا: إظهار سرعتها في معرفة الجناة وغسل يدها سريعا من تهمة الفشل، وثانيا: لتشويه صورة الإخوان في نظر المجتمع المحلي والدولي وتأكيد صفة “الإرهابية” عليهم .

لم يلق اتهام النظام للإخوان بالمسؤولية عن الجريمة قبولا مجتمعيا، ببساطة لأن هذا النظام يفتقد للمصداقية، ولم ينس المصريون واقعة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني على يد رجال الأمن المصري ثم تبرؤهم من ذلك لاحقا بكل السبل، ومحاولة إغلاق الملف عبر قتل 5 مواطنين أبرياء بدعوى ارتكابهم للجريمة، وهو ما لم تصدقه إيطاليا التي ظلت تلح في طلب الحقيقة حتى اعترف النظام بقتل ريجيني فعلا داخل مكان أمني، وإن ماطل حتى الآن في تسليم المتهمين بقتله.

ثوابت الجماعة
يمكنك أن تتهم الإخوان باتهامات متنوعة لكن ليس من بينها الإرهاب، ذلك أن الجماعة تعتبر العمل السلمي ورفض العنف والإرهاب أحد ثوابت عملها، ولذا فهي لم تتوان في مواجهة نفر من أبنائها وأنصارها نزعوا إلى ذلك باعتباره عملا ثوريا مقبولا في مواجهة نظام عسكري انقلابي مستبد، وقبلت الجماعة أن تخسر بعض أبنائها وأنصارها في سبيل التمسك بأحد ثوابتها ..
وهذا الموقف ليس جديدا عليها فقد تكرر مرارا من قبل، ولم تمنعها لحظات المحن الشديدة التي مرت بها من التصدي لهذا الفكر، نتذكر هنا معركتها ضد فكر التكفير منتصف الستينات في قلب السجون التي شهدت أبشع أنواع التعذيب وقتها، وهو التعذيب الذي دفع بعض المعتقلين للحكم بالكفر على من يقومون به ومن يأمرونهم ويدعمونهم، وهو ما تصدى له الإخوان عبر عمل بحثي فقهي حمل عنوان”دعاة لا قضاة”، وكتب فقهاؤهم ومفكروهم لاحقا العديد من الكتب في مواجهة فكر التكفير والخروج على المجتمع، وفصلوا من عضويتهم كل من يتنبى هذا الفكر فورا، وهو الأمر الذي لا يزال معمولا به حتى وقتنا الحالي رغم ما تمر به الجماعة من بلاء وكرب.

وعلى الرغم من المليارات السعودية والإماراتية التي دفعت لواشنطن ولندن لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية إلا أن كلتا العاصمتين لم تجد أدلة لذلك، وخرج التقرير البريطاني للسير جون جينكينز السفير البريطاني الأسبق في السعودية بعد عامين من البحث والمراجعة عام 2015 مخيبا لآمال الأنظمة المعادية للإخوان، بل إن مجلس العموم البريطاني برأ الإخوان بشكل واضح من خلال تقرير للجنة الشئون الخارجية فيه..
ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وضع ضمن وعوده الانتخابية وعدا بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية إرضاء للوبي الصهيوني الأمريكي واللوبي الخليجي المتصهين، إلا أنه لم يستطع اتخاذ هذا القرار حتى الآن رغم قرب انتهاء ولايته، ولم يتم تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية سوى في مصر والسعودية والإمارات، صحيح أن روسيا تصنف الإخوان أيضا “إرهابية” إلا أن الموقف الروسي غير مستقر، فهي صنفت الجماعة ضمن هذا التصنيف على خلفية مشاكل داخلية مرتبطة بمساعي مسلمي الشيشان وغيرها من الأقليات المسلمة في الإتحاد الروسي للاستقلال، واتهامات روسية للإخوان بدعم هذه المساعي إلا أن موسكو حذفت الجماعة من هذا التصنيف عقب تولي الرئيس مرسي للحكم، وكان ذلك عربونا لتحسين العلاقات معه، ثم عادت للتصنيف القديم بعد الانقلاب في مصر تقربا للنظام الجديد أيضا ومحاولة لسحبه لمحورها.

استثمار في الدماء
مع توالي النكسات التي تعرض لها نظام السيسي في مساعيه لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، ومحاولة تسويق هذه الصورة محليا ودوليا، فليس مستبعدا أبدا أن ترتكب أجهزته أعمالا إرهابية لتلصقها بالإخوان لتعتبرها دليلا جديدا على “إرهابهم”، وأمام تعدد وتضارب روايتها حول جريمة معهد الأورام؛ فكيف يصدق الناس اتهامها لما وصفته بحركة حسم التي نفت بدروها الاتهام، علما بأن مثل تلك الحركات تفاخر بعملياتها، ولا تنفي مسؤوليتها عنها إلا إذا لم تكن صاحبتها بالفعل، لا يعني هذا الكلام دفاعا عما يسمى بحركة حسم أو غيرها من حركات مسلحة فكل الدم المصري حرام، وكل عمل إرهابي أيا كان صاحبه مدان ومستنكر.

لن يتوقف نظام السيسي عن استثمار دماء المصريين لصالحه، وفي هذه الجريمة بالذات (معهد الأوارم) فإن النظام سيسعى لاستثمارها للحصول على أكثر من مكسب في وقت واحد، فهو يريد تكريس روايته واتهامه للإخوان بالإرهاب لتبديد أي تعاطف شعبي مع الجماعة خاصة بعد استشهاد الرئيس محمد مرسي، وهو يريد استغلال الحادث لتجديد مطالباته للعواصم الغربية بتصنيف الإخوان “إرهابية”، وليس مستبعدا أن يقوم بتصفية عدد من المعارضين السياسيين المختفين قسريا بدعوى ارتكابهم للجريمة، كما ليس مستبعدا أن يقوم بتنفيذ أحكام إعدامات، أو أن يصدر المزيد منها ومن غيرها من الأحكام المغلظة في القضايا المنظورة حاليا.

في كل الأحوال فإن استمرار نزف دماء المصريين هو أمر مرفوض تماما، ولكنه علامة على عدم استقرار الأوضاع في البلاد، ودلالة على غياب الأمان بشكل عام، ودلالة على فشل النظام الحاكم، ومن ثم غياب الاستثمار والسياحة، وعليه فإن طريق الاستقرار والأمان والعدالة والحرية يبدأ وينتهي بالتخلص من هذا النظام الاستبدادي الانقلابي الفاشل وهذه مهمة عموم الشعب وكل قواه الحية.
نقلا عن الجزيرة مباشر

Facebook Comments