لم تكتف السلطات المصرية بممارسة كل أشكال القمع ضد الإعلام الحر منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 وحتى اليوم، بل عمدت إلى إلباس هذه الانتهاكات لبوس القانون، من خلال سن تشريعات وتعديلات تحل الحرام، وتحرم الحلال، وتنكر المعروف، وتروج للمنكر، وتصادم رغبة الناس في حياة حرة وإعلام حر، به يرون ويسمعون ويتنفسون.

في تقريره السنوي للعام 2018 أوضح المرصد العربي لحرية الإعلام أن المعضلة الكبرى التي واجهت الإعلام المصري في العام المنصرم هي ترسانة القوانين الجديدة التي سارع النظام لاستخدام أغلبيته الميكانيكية في البرلمان لتمريرها، لتنسف كل ما تضمنه الدستور من ضمانات لحرية واستقلال الصحافة والإعلام..

كل هذه القوانين التي صدرت سواء التي تنظم عمل الهيئتين الوطنيتين للصحافة أوالإعلام، أو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أو تلك المتعلقة بالجرائم الإلكترونية أو حرب الإرهاب هي قوانين مخالفة بشكل سافر للدستور المعمول به حاليا، ولن تستطيع الصمود أمام مرافعة واحدة في أي محكمة للطعن بعدم دستوريتها.

لا يريد إعلاما حرا

كان الإعلام منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 ولا يزال حتى اليوم لقمة سائغة للنظام الذي لا يحترم دستورا أو قوانين، ولا يريد إعلاما حرا يناقشه ويجادله كما فعل مذيع قناة سي بي إس مع السيسي، ولا يريد إعلاما يكشف العورات، ويفضح المخالفات، ويناقش المشكلات..
هو يريد فقط أبواقا تسبح بحمده، وتطبل له، وتعيد وتزيد في شرح أفضاله، وإنجازاته التي لا يراها أحد، أو لا يستفيد منها أحد، ناهيك أنها تكلف ميزانية الدولة مئات المليارات التي ينبغي صرفها في أوجه أخرى أكثر نفعا للشعب مثل الصحة والتعليم التي تستهدف السلطة حذف النصوص الدستورية التي تخصص لها نسبا معينة من الناتج القومي.

عاش الإعلام المصري عصره الذهبي عقب ثورة 25 يناير وفي ظل حكم أول رئيس مدني منتخب (الدكتور محمد مرسي)؛ ولكنه لم يدرك قيمة تلك النعمة فرفسها بتوجيهات مباشرة من ملاكه الذين كانوا يعملون بدورهم ضمن منظومة الثورة المضادة..
وكان الإعلام بمثابة التمهيد النيراني الكثيف للانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة بعد الثورة، واليوم يدفع ثمن ما جنته يداه؛ فالأفواه مكممة، والأيدي مغلولة، والأقلام مكسورة، وحتى النفاق لم يعد حرا طليقا بل بتوجيهات ومقاسات محددة لا يصح لمنافق خفضها أوزيادتها.

ركزت سلطة الانقلاب في عاميها الأولين ضد الإعلام المناهض لها، فلاحقته وطاردته حتى تمكنت من قمعه تماما في الداخل، إذ أغلقت العديد من القنوات والصحف والبرامج والمقالات، حتى خلت الساحة تماما للإعلام الموالي، ثم كانت المرحلة الثانية هي مواجهة الأصوات المستقلة في الإعلام الموالي.. فقضت عليها حبسا ومطاردة ومضايقة ومنعا، إلخ..

ثم كانت المرحلة الثالثة هي ضبط المنظومة الإعلامية الموالية ذاتها، ووضعها تحت هيمنة جهة واحدة (المخابرات) وهو ما تحقق خلال العام 2017 واستمر تنفيذ ما تبقى حتى الآن..

وفي تلك المرحلة تم دمج قنوات، وإجبار رجال أعمال على بيع قنواتهم لشركات تابعة للمخابرات، وقيام المخابرات بإنشاء قنوات جديدة، ثم وضع مجموعة من القنوات تحت إدارة جهة ومجموعة أخرى تحت إدارة جهة ثانية..

وجرت عمليات مناقلات وتبادلات بين تلك الجهات وحتى الآن لم تتبلور المنظومة في شكلها النهائي، وإن كان المفتاح الرئيس بيد جهة محددة بل شخص محدد هو اللواء عباس كامل، وجاء العام 2018 ليستكمل النظام هيمنته على المنظومة الإعلامية من خلال “سلق” مجموعة قوانين قمعية لتنسف المواد الدستورية والقانوينة السابقة التي كانت توفر الحرية والاستقلالية للإعلام نظريا.

إزعاج النظام

تمثل النصوص الدستورية الضامنة لحرية واستقلال الصحافة جزءا مهما مما تبقى من ثورة يناير، ولذلك يسابق النظام الزمن للتخلص من هذا الميراث الذي يظل خميرة عكننة بالنسبة له حتى وإن بقى محض كلمات على ورق..

لا يترك السيسي مناسبة حتى يعبر عن امتعاضه من الإعلام رغم هيمنته شبه التامة عليه، وتحار أذرعه الإعلامية في محاولات إرضائه، فترتكب بغشمها أخطاءً جديدة تزيد حنقه من ناحية..

وتزيد انفضاض الناس عن هذا الإعلام، واتجاههم للإعلام المناهض الذي يبث من خارج مصر، والذي يكتسب كل يوم مساحات جديدة في البيوت المصرية التي وقعت من قبل أسيرة الدعايات السلطوية المضادة له.

النجاح المضطرد للإعلام المناهض، ووصوله إلى جماهير جديدة يزعج النظام كثيرا، وقد حاول مرارا من قبل ممارسة ضغوط للإجهاز على تلك الأصوات التي تنطلق من خارج مصر، ولكنه فشل..

مرة أخرى تتقدم أذرعة الغشيمة مهددة إعلاميي تلك القنوات بالقتل، بل تقوم قوات شرطة السيسي باقتحام وتدمير وحرق مساكن بعض هؤلاء الإعلاميين، وإدراج العشرات منهم على ما يسمى قوائم الإرهاب بهدف كسر أقلامهم وأصواتهم وإرادتهم دون جدوى.

لم تقتصر السلطة الحاكمة في قمعها للإعلام خلال العام 2018 على إصدار حزمة من التشريعات القمعية فيما وصفه المرصد بـ “شرعنة القمع”، بل واصلت انتهاكاتها التقليديية التي أحالت العمل الصحفي إلى جحيم لا يطاق، ودفعت الكثير من أبناء المهنة للتفكير بهجرها، والبحث عن أعمال أخرى أكثر أمنا حتى لو كانت أقل دخلا..

وقد رصد تقرير المرصد العربي لحرية الإعلام العديد من تلك الإنتهاكات خلال العام والتي بلغت وفقا للمرصد 341 انتهاكا إضافة إلى حجب أواستمرار حجب 509 مواقع إلكترونيًا..

كما دخل السجون المصرية خلال العام 24 صحفيا وإعلاميا (خرج بعضهم واستمر بعضهم) ليظل إجمالي الصحفيين السجناء بنهاية العام 89 صحفيا وإعلاميا، بينهم 6 صحفيات، وبديلا للحبس ابتدعت السلطة بدعة التدابير الاحترازية والبقاء تحت المراقبة والتي طالت 18 حالة بينها 5 صحفيات أيضا.

وكالعادة لم تقتصر الانتهاكات على معارضي النظام بل طالت وجوها بارزة من أنصاره مثل الدكتور عبد الحليم قنديل نزيل سجن طرة حاليا، ومثل وقف بث قناة الفراعين لصاحبها توفيق عكاشة، وقناتي “إل تي سي” و”أون لايف”.

قنابل ورصاص

لا تعرف النظم القمعية معنى الحرية، وفي الصدر منها حرية الصحافة، وتنظر للأقلام باعتبارها رصاصات موجهة نحوها، وللكاميرات باعتبارها قنابل في طريقها، وهي تتعامل مع القلم والكلمة كما تتعامل مع الألغام بكسحها أوإبطال مفعولها، والأقلام والكاميرات والتي لا تمثل نفسها بل تمثل ضمير المجتمع وعينه ورئته لا تستطيع أن تعمل وتبدع بدون حرية..

وبالتالي ستظل المعركة بين الطرفين قائمة، وبما أن الإعلام الحر هو صوت المجتمع وضميره؛ فالمؤكد أنه سيكسب المعركة في النهاية، مهما خذله فريق من أبنائه.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments