نكبة مؤيدي الانقلاب بمصر مزدوجة فمن احتقار العسكر لهم وحشْرهم في أتون الانتقام الذي يمارسه السفيه السيسي في المصريين، إلى خيبة أملهم في أنهم مميزون عن غيرهم بالرقص والتهليل للانقلاب، ولم يكن يعلم سكان عمارة "الشربتلي" الشهيرة في منطقة الزمالك بالجيزة، أن اليوم سيكون واحدا من أسوأ أيامهم.

بعد أن استيقظوا على أصوات تفيد بسقوط البناية التي يقطنونها، ليهرولوا على السلم إلى الشارع، محتفظين بما تمكنت أيديهم أن تحمله من أمتعة وأموال وملابس، تاركين خلفهم مكان معيشتهم، متجهين نحو مصير مجهول.
في تمام الساعة 10 صباحًا، سمع سكان عمارة الشربتلي، صوت "فرقعة" صادر من جرج العمارة، ما لفت انتباههم لأن هناك خطرا يحدث، وفقًا لحديث "سهر إبراهيم" إحدى سكان العمارة، لافتة إلى أن الصوت الصادر من الجراج أدى لحدوث شق في مدخل العمارة.

تقول الناشطة منال متولي: "العمارة دى بمنطقة الزمالك بالقاهرة اسمها عمارة الشربتلى تم إخلاؤها من السكان لأنها تصدعت بسبب أعمال حفر مترو الأنفاق ولم يسمح للسكان بأخد حاجتهم والأمن المركزى محاصر العمارة وتم إخلاء عمارة أخرى مجاورة.. بالشفا كله هيشرب مهى جمعية ودايرة ولازم تطول الكل".

صيد أبو ظبي..!
وظهر ذراع السفيه السيسي أمام العمارة المنكوبة وبصحبته شخص بزي خليجي، وتضاربت الأقوال في أنه سفير البحرين الجار الملاصق للعمارة المنكوبة، أو أنه وهذا الأقرب للاحتمال سمسار شيطان العرب حاكم أبو ظبي حضر ليتفقد الصيد العقاري الجديد، وقطع السفيه السيسي وعودًا لحكام الإمارات في زيارته الأخيرة إليها، لزيادة ضمانات الأمان الخاصة باستثماراتهم المرتقب تدفقها على الصندوق السيادي تحيا مصر.
وكذلك توسيع طبيعة الكيانات التي يمكن لعصابة الانقلاب استثمارها في الصندوق، لتشمل بصورة واضحة "كل الكيانات المملوكة للدولة أو الجهات التابعة لها، أو الشركات المملوكة لها، أو التي تسهم فيها أو يُعهد إلى الصندوق بإدارتها".

القانون الذي صدر العام الماضي كان يقتصر في تعامله على إعطاء الحق لجنرال الانقلاب بناءً على عرض رئيس الوزراء والوزير المختص، نقل ملكية أي من الأصول غير المستغلّة أو المستغلّة المملوكة للدولة ملكية خاصة أو للجهات التابعة لها شرط الاتفاق مع وزير المالية والوزير المختص، إلى الصندوق، مما يفتح الباب تلقائيًا لخصخصة آلاف الكيانات الحكومية.

لكن هذا على ما يبدو لم يكن كافيًا للحكام والمستثمرين الإماراتيين، فتمت إضافة عبارة "التي تسهم فيها الدولة"، مما يعني إضافة طيف واسع من الكيانات الاقتصادية التي تسهم فيها عصابة الانقلاب من خلال جهاتها التنفيذية أو شركاتها القابضة والتابعة ومؤسساتها، وحتى الجيش والمخابرات والأجهزة السيادية والأمنية الأخرى التي دخلت سوق الاستثمار بكثافة في عهد السفيه السيسي.

ويسمح قانون صندوق مصر السيادي باستغلال واستثمار وبيع الأملاك العامة التي من المفترض دستوريًا أن عصابة الانقلاب تديرها بالنيابة عن الشعب، بحجة أن تلك الأملاك هي أصول غير مستغلة، وأن الدولة عاجزة عن استغلالها بالصورة المثلى.

إذ سيتم نقلها بعد تطبيق القانون عليها بقرار جمهوري، من حيز الملكية العامة إلى الحيز الخاص، وستُضفي عليها صفة أنها من أملاك الدولة الخاصة، ما يعني أن حصيلة استغلال تلك الأملاك لن تخصص للمنفعة العامة، بل سيعاد تدويرها واستغلالها في أنشطة الصندوق الأخرى التي ستمارس بمعزل تام عن الأجهزة الرقابية.

وعود للركب..!
تقول الناشطة روني محمود: "أنا متضامنة مع سكان عماره الزمالك ومضايقة علشانهم جدا علشان محدش يفهم غلط بس للحظات اتأملت طريقة معاملة سكان الزمالك ومعاملتهم مع سكان الأماكن الفقيرة أو المتوسطة شتان بين الاثنين دول صرفولهم ٣٠ ألف في الشهر وبيعتذرولهم والتانين بياخدوا بالجزمة منتهى الظلم في الظل".

من جهته قال "كامل الوزير" وزير النقل في حكومة الانقلاب، "إن جميع سكان عمارة الزمالك الذين تم إجلاؤهم عن العمارة حصلوا على دعم بقيمة 30 ألف جنيه لحين الانتهاء من معالجة الصدع، كاشفًا أن إجمالي السكان الذين صرف لهم الدعم المؤقت كبدل إيجار أو بدل سكن بلغ نحو 86 قاطنا".
وزعم الوزير أن هناك التزاما من قبل العسكر ومن قبل الشركة العالمية التي تتولى إدارة الملف بتعويض سكان أي عمارة أخرى تتعرض للتصدع قائلًا: "الناس كلها تهمنا وإحنا مش بنجبي على السكان ده حقهم و30 ألف يادوب يجبولهم مسكن ملائم لحين عودتهم لمنازلهم الأصلية لمدة شهر"، مؤكدًا أن العمارة لم تنهار وما تأثر هو عمود الركن فقط.
وتابع قائلًا: "أطالب سكان الزمالك بالهدوء وأؤكد عدم تضرر أحد منهم"، مشددًا على أن وزارته ملتزمة بتنفيذ ما سينتهي إليه تقرير اللجنة الفنية بشأن العمارة، وكشف أن العمارة لم تنهار وإنما تأثرت تأثرا بسيطا.

ويرد الكاتب الصحفي سليم عزوز على أكاذيب الوزير بالقول: "كامل الوزير: سنسلم سكان عمارة الشربتلي شققا في الزمالك.. مقابل تحويل العمارة إلى جراج متعدد الطوابق! من أين لك بشقق في الزمالك؟ هي الزمالك فيها خرم إبرة؟ فلو كان فيها شقق كنت وأمثالك سكنتوا فيها ولم تشعروا بالحقد الطبقي! لماذا شقق بديلة؟ وأنت تقول إنه مجرد تصدع يمكن ترميمه؟".

شركات إماراتية
وعمدت حكومة الانقلاب إلى إخلاء مناطق حيوية في العاصمة القاهرة، وانتزعت ملكية عدد كبير من سكّانها بموجب قرار حكومي؛ بدعوى تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية بواسطة شركات إماراتية.
وتأتي جريمة العسكر في إطار ما تقوم به الإمارات من عمليات استحواذ على قطاعات مهمّة في اقتصاد مصر، منذ دعهما انقلاب يوليو 2013، الذي أتى بالسفيه عبد الفتاح السيسي على رأس السلطة.

محلّلون وصفوا إقدام عصابة الانقلاب على مصادرة أملاك المصريين من أراضٍ وعقارات وحتى جزر في قلب النيل، دون تقديم تعويضات مُجزية بدعوى التنمية بـ"بلطجة العسكر"، معربين عن استغرابهم الشديد من دعم مصالح شركات إماراتية عملاقة.

وتواترت أنباء عن سيطرة الشركات الإماراتية على أهم مفاصل الاستثمار في البلد، مقابل سلب حقوق مواطنين تملّكوا عقارات على مدار نصف قرن من الزمن؛ بدعوى أن بعضهم لا يملك مستندات تُثبت ملكية العقارات التي يشغلونها.
حجم المشاريع التي استحوذت عليها أبوظبي من خلال شركاتها، خلال السنوات الخمس الماضية، تحت عنوان "الاستثمار"، يجعل أهم مفاصل الاقتصاد المصري تحت سيطرتها، وهو ما دفع المعارض سمير عليش، إلى اعتبار ما تقوم به الإمارات في مصر عملية "احتلال اقتصادي".

وقال المتحدث السابق باسم "الجبهة الوطنية للتغيير": إن "أبوظبي، وفي إطار سعيها للسيطرة على حركة التجارة العالمية، وقّعت من خلال مجموعة موانئ دبي العالمية، في فبراير 2017، مع هيئة قناة السويس على اتفاقية لتنفيذ المرحلة الأولى من تطوير منطقة صناعية وسكنية متكاملة في مدينة العين السخنة".

ونصّت الاتفاقية على أن تسهم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بنسبة 51%، وموانئ دبي بـ49%، مع احتفاظها بحق الإدارة، وأضاف عليش: "كما استحوذت الإمارات على حصة 90% من شركة تطوير ميناء السخنة، بصفقة قُدِّرت قيمتها بـ670 مليون دولار".
وتابع بالقول: "وفي مجال الطاقة اشترت شركة مبادلة للاستثمار الإماراتية حصة 20% من امتياز حقل نور البحري للغاز، شمال سيناء، من شركة إيني الإيطالية التي تملك 85% منها بالشراكة مع الشركة المصرية للغازات الطبيعية، التي تستحوذ على 15% فقط من الامتياز".

واستدرك عليش حديثه بالقول: إن "ما ذكرته آنفًا هو بعض من تلك المشاريع الاستراتيجية التي استحوذت عليها الإمارات، والقائمة تطول وما خفي أعظم، وهي تعطينا مؤشرًا واضحًا عن سبب دعم أبوظبي للانقلاب بلا حدود".
ووصف ما يحدث من قبل الإمارات في مصر بـ"احتلال بكل معنى الكلمة"، داعيًا المعارضة المصرية لتنحية خلافاتها الحزبية جانبًا والتوحّد وراء مشروع سياسي يحرّر البلاد من هذه التبعية.

يُشار إلى أن صحيفة "المصري اليوم" نشرت، في سبتمبر 2016، تقريرًا لهيئة الرقابة الإدارية في مصر وصفته بـ"السري"، حذّرت فيه من أن "استحواذ الشركة الإماراتية على المؤسسات الصحية يمثّل تهديدًا للأمن القومي المصري".

وكانت شركة "أبراج كابيتال" متعدّدة الجنسيات، التي تتخذ من دبي مقرًا لها، قد استحوذت على منشآت صحية مصرية كبرى، وهو ما اعتبرته نقابة الأطباء المصرية، في مؤتمر صحفي عام 2015، تهديدًا للأمن القومي للبلاد.

Facebook Comments