لا ينكر الإسلام أن يخاف المسلم فى بعض المواقف؛ فهذا فى طبع الإنسان وخلقته لا يُستثنى منه أحدٌ؛ حتى الأنبياء: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص:21]، غير أنه ينكر أن يكون ذلك صفة واضحة فيه، يتميز بها ويبنى عليها أفعاله وسلوكه، فيتخلى -من ثم- عن مبادئه ومعتقداته، ويعطى خصمه الفرصة فى الوثوب عليه، وبث الرهبة والفزع فى صدره.. فالمؤمن إن تردد فى موقف سرعان ما يلملم نفسه، ويقوى ذاته، ويعود به إيمانه إلى حيث: الحق والقوة والحرية..
أما من يعطى الدنية من نفسه ويبالغ فى تصغير ذاته فلا يستحق أن يُقام له وزن، أو تكون له قيمة.. مر رجل على عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- وقد بالغ فى الخضوع، فقال له: ألست مسلمًا؟ قال: بلى، قال: فارفع رأسك، وامدد عنقك، فإن الإسلام عزيز منيع.

إن أفضل المسلمين من يأنف الظلم، ويحاد الظالمين، ومن لا يرضى بخضوع الإسلام واختباء المسلمين. يقول النبى -صلى الله عليه وسلم-: «إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، ويقول: «ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون؛ فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع لم يبرأ». أما السائرون فى ركب الظالمين، ممن لا رأى لهم ولا موقف فأولئك هم الإمعات العاجزون، الخارقون لسفينة الرجولة والخلق الفاضل.
إن الحرص على الحياة، والبخل والطمع، تنتقص كرامة الرجل، وتجعله منخذل النفس، مسلوب الإرادة. أما المسلم الصادق إسلامه، الحى إيمانه فهو أبعد ما يكون عن السلبية واللامبالاة، لا يتهاون فى قضايا الدين، ولا يتقاعس عن الأمر بالمعروف، ولا يقعد عن إنكار المنكر وتغييره.

وتحريم الإسلام للذل نابع من عقيدته التى تمنع اللجوء لغير الله، أو سؤال أحد سواه، واليقين التام فى القضاء والقدر، وأن ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الدنيا كلها لو اجتمعت للإنسان أو عليه فلن تقدم له شيئًا أو تمنع عنه آخر إلا بإذن الله -سبحانه- وفى هذا يقول النبى -صلى عليه وسلم-: «من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منى».

وإن الاستعلاء بالإيمان يضمن مجتمعًا سليمًا من الآفات، قادرًا على نصرة الضعيف، وادخال السرور على الحزين، والأخذ على يد الظالمين، والطغاة الفاسدين؛ رغم ما يصيب القائمين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أذى وعنت، لكنه الواجب الذى لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا به، يقول النبى -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا لم يأخذوا على يد الظالم، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده».
والاستعلاء بالإيمان ليس معناه التعالى على الآخرين وظلمهم، إنما يعنى البذل والجهاد، والجهر بالحق من أجل إنصاف الضعفاء والمهضومين، فالمؤمن لا يعرف البغى ولا العدوان، إنما يضحى بروحه وما يملك لنصرة المظلومين، ودفع الأذى عن المستضعفين (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) [الحج: 41].
إن الله -تعالى- لم يخلق كائنًا أعز وأكرم من الإنسان؛ إذ هو خليفته فى أرضه (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 30]، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70]. وبهذا الاستخلاف -كما يقول الشهيد سيد قطب فى الظلال- يكون سيد هذه الأرض… فلا يجوز أن يستعبد أو يستذل لقاء قيمة مادية أو شىء مادى، ولا يجوز أن يعتدى على أى مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة، ولا أن تهدر قيمة من قيمه لقاء تحقيق مكسب مادى، فهذه الماديات كلها مخلوقة -أو مصنوعة- من أجله.
ألا فليعلم الذين يستصغرون أنفسهم أمام الطغاة والمستبدين أن بتوحيدهم ثلمة، لا يذهبها إلا التوبة والرجوع عن هذا النوع من الشرك، فالاسلام يحرّم الذل بجميع أشكاله، ويبرأ من كل مسلم يعيش على أنقاض العزة والكرامة؛ ذلك لأن الجهر بالحق وإنكار المنكر لا يقرِّب أجلاً ولا يباعد رزقًا، يقول النبى -صلى الله عليه وسلم- «ألا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه؛ فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يُقال بحق أو يذكّر بعظيم».

إن الذى يعطى الدنية فى دينه، لأى سبب، يقع فى دائرة سخط الله، ويعرِّض المجتمع الإسلامي للفتنة والخطر. والذى يظن أنه يفعل ذلك تقية مخادع ومتقول على الدين ما ليس فيه؛ فإن المسلم مرفوع الهامة، طويل القامة، نزيه، أما المتردد الطامع فيما فى أيدى الآخرين فلا كرامة له ولا مروءة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم