يُثبت السيسي وأذرعه الإعلامية، كل يوم، أنه “لا يوجد نظام جنائي منظم للعدالة في مصر”، بحسب تيموثي قلدس، الزميل غير المقيم بمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط.

فجميع الاعترافات منذ انقلاب 3 يوليو 2013، والتي أُعدم على إثرها العشرات أو صدرت أحكام إعدامٍ بموجبها على عشرات آخرين، تمت بالتعذيب الوحشي، أو تحت التهديد بالقتل أو الاغتصاب للضحية أو إحدى أقاربه “والدته أو أخته”.

يقول محمد زارع، الناشط الحقوقي ومدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهو منظمة أهلية متخصصة في البحوث والتحليلات: إن السلطات تشعر “أنها مضطرة لتقديم شيء ما للرأي العام، وعليها أن تقدم جثثًا، وليس مهما إن كانوا قد نفذوا الهجوم أم لا”.

سوداني وأردنيان

يشير المراقبون إلى دليل هو الأحدث بعد “اعترافات” تلفزيونية سجلها برنامج “الحكاية”، لكبير الأذرع عمرو أديب وقناة “إم بي سي مصر” الموجهة مخابراتيًّا، للشابين الأردنييْن، ثائر حسام مطر وعبد الرحمن علي حسين، والسوداني وليد عبد الرحمن حسن، والذين أفرج عنهم، فكان الانقلاب كمن أعاد لحس بصْقَتِه.

وفضح المراقبون أن حكاية “الاعترافات” هي محض هراء من ضباط الأمن الوطني “أمن الدولة”، هدفها تضليل المصريين، ليس للشباب الثلاثة فقط بل لأربعة آخرين تم التعامل معهم بنفس الطريقة، من تعذيب ورواية مكتوبة أمام الشباب على نسق “افعل وإلا”، مستدلين على هراء الاعترافات بالحملة التي شنتها أسر الطلاب والشبان العرب، مشددين على براءة أبنائهم من الاعترافات المزيفة التي فبركتها سلطات الانقلاب، متهمين الذراع عمرو أديب بالتضليل على هاشتاج #عمرو_أديب_كذاب.

ويرى المراقبون أن الانقلاب أضعف من أن يستجلب عداوات جديدة في المنطقة، أو يوسع قاعدة الخروج للشوارع لدى شعوب ما زال نبض الحرية والثورة بداخلها، ضد عصابة الانقلاب في مصر أو الهتاف أمام السفارة المصرية في عمان أو الخرطوم ضد السيسي و”يسقط حكم العسكر”، أو يرفعون صور “خلابيص الإعلام” مثل عمرو أديب أو يوسف الحسيني أو أحمد موسى، أو ينتظرونهم بأكف الصرامة على وجههم، على غرار ما يفعله رافضو الانقلاب في عواصم العالم الأخرى.

ويستغرب المراقبون عودة الشبان الثلاثة لبلدانهم بشكل أكثر من طبيعي، مع العلم أنهم حضروا إلى مصر وفي نيتهم الدراسة وبعضهم بهدف السفر لأوروبا، فكيف سافروا وهم- بحسب “الاعترافات” المزيفة- مخربون وإرهابيون ومساندون للثورة والتظاهر ضد السيسي، والتعاون مع الإخوان؟ وكيف أنهم أبرياء وسجلوا اعترافات شبه موحدة، ثم أفرج عنهم بكل بساطة.

أديب وزبيدة

وأعادت الاعترافات التي وقعت تحت الإكراه، التذكير بمشوار الكذب الذي اعتادته أذرع الانقلاب وبالأخص عمرو أديب وزوجته لميس الحديدي، التي ستبدأ في أكتوبر الجاري برنامجًا على قناة العبرية، أو ما توصف بـ”العربية”، حيث يتقاضى “أديب” حسب المعلن 3 ملايين دولار، والذي يبرر له المطبلون أن “أكل العيش يحب النفاق والكذب”.

ويتذكر المتابعون الفيلم الوثائقي الذي نشرته “بي بي سي” عن الاختفاء القسري والتعذيب والرعب الذي يتعرض له الشعب المصري في ظل حكم قائد الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة بعد انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

وبعد أن نقل الفيلم جملة من الروايات عن الاختفاء القسري والتعذيب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، على غرار الفتاة الشابة “زبيدة”، التي انضمت إلى قائمة المختفين في مصر، أطلق اللواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة، أحد أذرعه وهو عمرو أديب للقاء زبيدة في برنامجه.

ظهرت زبيدة على القناة المقربة من سلطات الانقلاب، وبعيون ظهر فيها الهلع مع بقايا دموع، نفت مرغمة ما ذكرته والدتها من تعرضها للتعذيب والاغتصاب أثناء اعتقالها الأول في 2014، كما نفت اعتقالها أو إخفاءها قسريا منذ عشرة أشهر بحسب حديث والدتها، وادعت أن هناك خلافات عائلية دفعتها للهرب، ومنعتها من التواصل مع والدتها.

وسخرت الناشطة منى سيف من أديب والأمن: “طبقا لكلام عمرو أديب، الأمن المصري هو اللي كلمه وقاله يا أستاذ عمرو تعالى قابل زبيدة اللي بيقولوا عليها مختفية قسريا! يعيش الأمن”.

منظمة العفو الدولية أثبتت كذب عمرو أديب في تقرير شديد الإدانة، صدر قبل لقائه في يوليو 2016 تحت عنوان “مصر.. رسميا.. أنت غير موجود.. اختطاف وتعذيب باسم مكافحة الإرهاب”، كاشفة عن موجة من اختفاء الأشخاص دون أدنى أثر على يد سلطات الانقلاب، شملت المئات من الطلاب والنشطاء السياسيين والمتظاهرين.

إثبات التلفيق

وتعتبر منى محمد إبراهيم، «والدة زبيدة» بحسب المراقبين، نموذجًا لكذب رواية عمرو أديب التي دله عليها “الأمن”.

ففي 28 فبراير2018م، وإلى الآن، أكدت مصادر حقوقية اعتقال والدة زبيدة. وقال مدير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم “للجزيرة. نت”: إنه تم التأكد من اعتقال والدة زبيدة، صباح اليوم الأربعاء، ولم يعلم بعد المكان الذي اقتيدت إليه.

وأكدت الأم أنه ليس بمقدورها كأم أن تبقى صامتة على ما يحدث، وقالت: “حتى لو كان كلامي سيقودني إلى حبل المشنقة فلن أسكت”.

وباعتقال منى محمد إبراهيم نسفت الرواية الأمنية كما نسفها السودان والأردن بعد استردادهما أبنائهما “المعترفين”.

تعذيب يكفي مصر

“إديني صاعق وأنا أخلي أي حد يعترف إنه قتل السادات”.. تسعة أرواح لشباب مصريين خطفتهم مقصلة الإعدام في فبراير الماضي، بعد تحذيرات حقوقية، أحدهم وهو الشهيد محمود الأحمدي أحد المنفذ فيهم حكم الإعدام صباح هذا اليوم، قال وهو يتحدث للقاضي عن التعذيب الذي تعرض له وانتزاع الاعترافات منه بالقوة، بعد ذلك حكم عليه القاضي بالإعدام.

رويترز في أغسطس الماضي، اهتمت بالتعذيب و”الاعترافات” المزيفة الذي يعتقل على إثرها الشباب ويخفون قسريا لشهور بجرائم هم منها براء، ومنهم لطفي إبراهيم، الذي ألقت مليشيات الانقلاب القبض عليه وهو عامل بسيط في مجال البناء، لدى خروجه من المسجد قرب بيته في كفر الشيخ في ربيع 2015.

وعندما تمكنت أسرته من رؤيته مرة أخرى بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من الإخفاء القسري كان في السجن وكانت آثار التعذيب الوحشي بادية عليه.

وقالت والدته “نزّل كمه عشان ما نشوفش آثار التعذيب … بس أنا شفت حروق على دراعه”. وأضافت أن وجهه كان شاحبا وكان حليق الرأس.

وانتهى الأمر بإبراهيم، الذي كان في ذلك الوقت في العشرين من عمره، إلى المثول للمحاكمة بتهمة قتل ثلاثة من طلبة الكلية الحربية في تفجير قنبلة بأحد الشوارع.

وأقسم إبراهيم أنه بريء، وقالت أسرته إن محاميه كان لديه دليل براءته متمثلا في اعتراف منفذي التفجير الحقيقيين بفيديو منتشر على “الفيسبوك”.

غير أن السلطات ألقت القبض على المحامي وكان التجاهل مصير الأدلة الجديدة. ولم تطلع رويترز على الاعتراف.

وفي أوائل 2016، أي بعد عام تقريبا من القبض على إبراهيم، أدانته محكمة عسكرية وحكمت عليه بالإعدام. وكتب رسالة من زنزانته في السجن لأسرته وجه فيها كلمة لوالد واحد من طلبة الكلية الحربية القتلى.

وقال إبراهيم في رسالته “أشهد الله أني بريء من دم ابنك. والكل يعلم ذلك … وادعي لي وأنا مسامحك”.

وقالت والدته إنه عندما انتهى من كتابة الرسالة ووضع القلم تم اقتياده إلى غرفة الإعدام حيث أُعدم شنقا في يناير 2018.

Facebook Comments