تمثّل التعديلات الدستورية التي وافق عليها البرلمان المصري، الأسبوع الماضي، تمهيداً لطرحها للاستفتاء الشعبي بعد شهرين ونيف، إجراءً كارثياً جديداً سوف يدمّر ما تبقى من الحياة السياسية المصرية. ويمكن القول بوضوح إننا إزاء انقلاب ثانٍ، يجري الإعداد له الآن بالعمل على تمرير هذه التعديلات. ومن المخجل أن يتم هذا الانقلاب بأيدي مَن عليهم حماية الدستور واحترامه، وممن يُفترض أنهم ممثلون للشعب، وأمناء على مصلحته ومصلحة الأجيال المقبلة، فالتعديلات المطروحة حالياً تمثل انتهاكاً صريحاً لدستور 2014 الذي تم تمريره بأغلبية كبيرة، بعد حملات ترويج كثيرة، وصفته وقتها بأنه “أعظم دستور في تاريخ مصر!”. وهو الدستور الذي حظي بدعم وتصفيق وتهليل كل القوى السياسية التي دعمت وساهمت في الانقلاب على المسار الديمقراطي، في يوليو/ تموز 2013.

ولعل أخطر ما في هذه التعديلات ما يتعلق منها بالمادة 226 التي تنص على عدم إجراء أية تعديلاتٍ تتعلق بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، ما لم يكن الأمر متعلقاً بمزيد من الضمانات. ما يعني أنه لا يجوز تعديل المادة 140 الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، إلا إذا كان ذلك من أجل تحقيق مزيدٍ من العدالة والنزاهة والديمقراطية. في حين أن التعديل المقترح، حسبما أُشيع في وسائل الإعلام، أن يتم تعديل فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وأن يتم وضع مادة استثنائية انتقالية تضمن للرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، الترشّح مجدّداً. أي أن بإمكانه أن يظل في منصبه مدتين أخريين ينتهيان في عام 2034. وفضلاً عن أن هذا الإجراء يعد إجراءً غير دستوري، لأنه يتعارض مع نص المادة 226 وروحها، إلا أن الكارثة تكمن في الوضع الاستثنائي للتعديل المطلوب، والذي تم تفصيله على مقاس شخص معين، فنصوص الدساتير يجب أن تكون عامة ومجرّدة، حتى تكتسب مصداقيتها وقوّتها القانونية والمعنوية، وألا يتم تفصيلها على مقاس شخصٍ بعينه.

الأكثر من ذلك، تعطي التعديلات المطروحة، حسبما المتاح من تقارير وأخبار، رئيس الجمهورية، بوصفه ممثلا للسلطة التنفيذية، سلطات واسعة، خصوصا في علاقته بالسلطة القضائية. حيث تفيد أخبار واردة، بشأن هذه التعديلات، بأنها سوف تمنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية حسب رغبته، وليس حسبما جرى عليه العرف داخل هذه الهيئات، والذي كان يقوم على تصديق رئيس الجمهورية على اختيارات الجمعيات العمومية لهذه الهيئات، والتي كانت، في الأغلب، ترشّح أكبر الأعضاء سناً لرئاستها.

أما الموضوع الأكثر خطورة فهو المتعلق بمنح الجيش سلطة تحديد طبيعة الدولة، حيث تتحدث الأخبار عن إضافة مادة جديدة، تنص على حماية الجيش “مدنية الدولة”! وبعيداً عن التناقض الفجّ، والمفارقة الصارخة الكامنة في هذا التعديل، تكمن المشكلة في آثاره السياسية لاحقاً، فمن جهة أولى، هذا يعني أن الجيش سيتحوّل إلى مؤسسة فوقية، تتجاوز القانون والدستور، كي تحدّد طبيعة الدولة ومدى مدنيتها، وهو وضعٌ أشبه بما كان عليه الحال في تركيا الكمالية، حين كان الجيش حامي الدولة العلمانية عقودا، وهو ما أثر سلباً على الانتقال الديمقراطي، وعلى الحياة السياسية بشكل عام في تركيا. كما أنه أقرب، مع الاختلاف الإيديولوجي، إلى وضع مجلس صيانة الدستور في إيران التي يحكمها نظام ثيوقراطي منذ أربعة عقود. ومن جهة ثانية، ينفي إعطاء الجيش سلطة تحديد طبيعة الدولة أي دورٍ للشعب في اختيار ما يريد، وتصبح أية عملية انتخابية مجرّد تمثيلية، وتحايلا على الديمقراطية. وهو ما يتناقض أيضا مع مبدأ سيادة الشعب التي تنص عليها المادة الرابعة من الدستور. ومن جهةٍ ثالثة، يتحول الجيش من مؤسسة تابعة للسلطة التنفيذية، باعتبار أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى مؤسسةٍ أعلى من بقية مؤسسات الحكم، وبالتالي لا يمكن لأحد السيطرة عليها أو مراقبتها. ومن جهة أخيرة، إن مادة كهذه، إذا تمت إضافتها للدستور، من شأنها توريط الجيش في الصراع السياسي بشكل أكبر، وهو ما يتنافى مع طبيعة المؤسسة العسكرية التي يجب أن تكون محايدةً وبعيدةً عن الصراعات الإيديولوجية والسياسية.

ليس خافياً أن السيسي يحتقر الحياة السياسية (الأحزاب، والحركات الاجتماعية، والمجتمع المدني، والانتخابات… إلخ). ومن الواضح أيضا أنه يحتقر الدستور والقانون، على الرغم من يمينه الجمهوري الذي أقسم فيه بأن يحميهما. لذا ليس غريباً أن ينقلب على الدستور، وهو الذي عبّر، مرات، عن ضجره منه، معتبراً أنه “كُتب بنوايا حسنة”. كما أنه انقلب أيضا على تعهداته وتصريحاته التي قال فيها إنه لن يحدُث تعديل للدستور، وأنه لن يتم المسّ بمسألة انتخاب رئيس الجمهورية، وأنه لن يبقى في السلطة بعد انتهاء فترة رئاسته. لذلك لم نسمع صوته منذ بدأت عملية الانقلاب على الدستور.

لا يكترث السيسي بمعارضة التعديلات المطروحة، ويبدو أن لديه مخزونا كبيرا من الثقة بأنها سوف تمر، كما مرّ انقلابه الأول في يوليو/ تموز 2013، ومثلما مرّت مسألة انتخابه لفترتين، على الرغم مما شابهما من مشكلات وفضائح سياسية. ومن الواضح أنه سوف يفعل أي شيء من أجل تمرير هذه التعديلات، من أجل إحكام قبضته وهيمنته على كل المؤسسات السياسية والتشريعية والقضائية، بل ودسترة هذه الهيمنة وشرعنتها بشكل لم يجرؤ عليه كل من سبقوه.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments