كشفت دراسة علمية عن أن حكومات السيسي المتعاقبة أسرفت في الاستدانة العامة، مما ترتب عليها دفع أعباء الدين (فوائد + أقساط) كل عام، متهمة حكومة الإنقلاب باللعب ببعض المؤشرات الخاصة بتلك القضية، كنسبة الدين العام للناتج المحلي، أو نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي، فحقيقة هذه المؤشرات في أداء الموازنة المصرية تعطي انطباعًا إيجابيًا خادعًا، لا يمكن الاعتماد عليه، في ظل ارتفاع الدين العام وأعبائه من حيث القيمة، وضبابية الأرقام المعلنة من قبل نظام السيسي حول الناتج المحلي.

ورغم الضبابية إلى أن العجز الكلي بالموازنة يمثل 445 مليار جنيه (ما يعادل 26.5 مليار دولار، وفقًا لسعر صرف الدولار مقابل 16.75 جنيه)، ولا تملك الدولة خيارًا آخر سوى الاقتراض لتغطية هذا العجز، سواء من مصادر محلية أو مصادر خارجية، إلا أن الجانب الأكبر سيكون من المصادر المحلية.

كما خفضت حكومة الإنقلاب دعم الوقود والكهرباء بنسب عالية، حيث خفضت دعم الوقود من 89 مليار جنيه إلى 52 مليار جنيه، ودعم الكهرباء من 30 مليار جنيه إلى 4 مليارات جنيه فقط، وهو ما يعني زيادة الأعباء المعيشية على المصريين وارتفاع معدلات التضخم في فترة ما بعد يوليو 2019.

كما تم تخفيض مخصصات دعم المزارعين بنحو 500 مليون جنيه، وتخفيض دعم التأمين الصحي والأدوية بنحو 244 مليون جنيه.

فجوة ضخمة

وحذر الباحث عبد الحافظ الصاوي في دراسة بعنوان “الموازنة الرسمية وحديث إنجازات حكومة مصر” نشرها موقع المعهد المصري للدراسات أن حكومة الإنقلاب تسعى لاتفاق جديد مع صندوق النقد يبدأ في أكتوبر العام الجاري، مضيفا أن الديون أصبحت مصدرًا لا يمكن الاستغناء عنه لتمويل أعباء الدين العام (الفوائد + الأقساط) بلغت 944 مليار جنيه، وهو ما يمثل 83.2% من إجمالي الإيرادات العامة المقدرة بالموازنة، كما أن أعباء الدين (فوائد) تتجاوز الإيرادات الضريبية البالغة 856 مليار دولار.

واعتبر أن زيادة الفجوة التمويلية بالموازنة، يكشف أنه لم تفلح معها كافة الإجراءات التي اتبعتها مصر في إطار اتفاقها مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، حيث تم تخفيض الدعم على الوقود والكهرباء والغاز ومياه الشرب، كما تم فرض ضرائب جديدة، وزيادة الضرائب القائمة، وأيضًا تم رفع معظم السلع والخدمات الحكومية.

افتقاد الإرادة

وبعكس ما رغب الدكتور محمد مرسي من توفر الإرادة لدى المصريين، قال “الصاوي” إن مؤشرات الموازنة باعتبارها البرنامج المالي للخطة، بأن مصر، تفتقد إلى الإرادة السياسية والإدارة الاقتصادية، التي تمكنها من الخروج من ربقة اتفاقيات صندوق النقد الدولي، أو تبني أجندة وطنية للتنمية.

وأن سعي الحكومة لإبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد بلا تمويل، سيكون أداة الحكومة المصرية للحصول على قروض من السوق الدولية للسندات بنحو 8 مليارات دولار، خلال العام المالي 2019/2020، والذي يبدأ مع بداية يوليو؛ لن يمكن اقتصاد مصر من النهوض، والخروج من دوامات الديون والتبعية، وتراجع الخدمات العامة في التعليم والصحة، والارتقاء بالموارد البشرية لمصر.

حلول بلا أمل

واعتبر “الصاوي” أن الحلول التي تطرحها حكومة الإنقلاب للتعامل مع قضية العجز والدين العام، لا تعطي أملًا، وأن تحويل الديون القصيرة الأجل إلى ديون طويلة الأجل، قد يعطي مساحة لتأجيل الاقتراض، ولكنه يبقي على أصل الدين، ولا يخفف من طبيعة الأعباء المتراكمة والتي تقيد يد صانع السياسة المالية، وأن الحديث عن تراجع نسبة الدين العام أو العجز الكلي بالموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي، هي قضية بلا دلالات في ظل الاتجاه الصاعد للدين العام، وسيطرتها على النسبة الأكبر من الإيرادات العامة.

كما أن الحديث عن بيع الأصول العامة لتسوية مديونية بعض المؤسسات العامة، كما حدث مؤخرًا، فهو لا يعني سوى تراجع النشاط الاقتصادي، وأن التفريط في الأصول الرأسمالية من شأنه أن يضعف الوضع المالي للدولة ككل وليس للحكومة فقط.

وتوقع أن يتم بيع هيئة السكك الحديد كما تم بيع بنك الأسكندرية وخصخصة مؤسسات أخرى بعدما حولت الحكومة بعض أصول الهيئة إلى بنك الاستثمار القومي، وهو الجهة الدائنة.

تحليل النفقات

بالمقابل، أشار إلى أن الموازنة تزيد مخصصات دعم الصادرات، بنحو 2 مليار جنيه، ليصل إلى 6 مليارات جنيه، على الرغم من أن مردود هذا الدعم منذ ما يزيد عن 10 سنوات، يكاد يكون سلبيًا، بل هو باب من أبواب الفساد، فضلًا عن تواضع أداء الصادرات السلعية بخلاف النفط في مصر.

أما الباب الخامس من أبواب الانفاق بالموازنة المصرية، فهو باب الضبابية وعدم الشفافية، حيث يضم موازنات السطر الواحد، والتي توسع فيها دستور الانقلاب عام 2014، ليضم إلى وزارة الدفاع كل من وزارة الخارجية والقضاء والجهاز المركزي للمحاسبات ورئاسة الجمهورية. ويتبين من أرقام البيان التحليلي أن مخصصات هذا الباب قفزت من 75 مليار جنيه في 2018/2019 إلى 90 مليار جنيه، أي بزيادة قدرها 15 مليار جنيه، وبنسبة زيادة تصل إلى 20%، في الوقت الذي تخفض فيه مخصصات الدعم على سلع وخدمات ضرورية لأفراد المجتمع المصري.

منح ضئيلة

ولمح الصاوي في دراسته تقلص مساحة المنح في الإيرادات العامة، حتى وصلت إلى 3.8 مليار جنيه فقط لا غير، وهو ما يعني أن المنح المعلنة من قبل الداعمين الإقليميين والدوليين لمصر تتقلص بشكل كبير، ولكن يبقى باب المساعدة من قبل هؤلاء الداعمين في شكل تسهيلات ائتمانية لتمويل خطوط واردات النفط، أو بعض الواردات السلعية.

ولاحظ الاعتماد على الضرائب غير المباشر، والتي قدرت بنحو 415 مليار جنيه، وبما يمثل نسبة 48% من إجمالي الإيرادات الضريبية، وقد ساعد على هذا الأمر توجه الحكومة بفرض مجموعة من القوانين الضريبية مثل قانون القيمة المضافة، أو الزيادات المتتالية في قانون ضريبة الدمغة، والتي تشهد سنويًا زيادات مضطردة.

وبشكل عام فإن هيكل الضرائب من حيث التكوين، وغلبة الضرائب غير المباشرة يتماهى مع كون مصر دولة نامية، ويمكن للأفراد فيها أن يتهربوا من الضرائب المباشرة، إما عن طريق عدم إمساك الدفاتر والعمل خارج الاقتصاد المنظم، أو النسبة الكبيرة التي تعمل على تسوية ملفاتها الضريبية من خلال منظومة الفساد.

القطاعات المهمة

لا يزال إنفاق الموازنة العامة على قطاعات التعليم والصحة دون المستوى، سواء من حيث القيمة، أو من حيث متطلبات الارتقاء بهذه القطاعات، فقد تم تخصيص مبلغ 132 مليار جنيه لقطاع التعليم، إلا أن الإحصاءات تشير إلى وجود نسبة أمية مرتفعة في المجتمع المصري، قدرت في عام 2016 بنحو 24.8% من إجمالي السكان، وتراجع جودة التعليم، واستمرار مشكلات ازدحام الفصول بالمدارس الحكومية، وكذلك تفاقم مشكلة الدروس الخصوصية بما تمثله من أعباء اقتصادية على كاهل الأسرة المصرية، وحرمانها من متطلبات أخرى تساهم في تحسين أوضاعها المعيشية.

أما مخصصات الإنفاق على قطاع الصحة لا تناسب الزيادة السكانية التي تعيشها مصر، ومن جانب آخر أدت الإجراءات الاقتصادية التي تم تنفيذها بموجب اتفاق صندوق النقد الدولي في عام 2016 إلى تراجع الدخول في مصر، وانخفاض القوة الشرائية لدخول الأفراد، مما يعني سوء الرعاية الصحية التي يمكن أن تقدمها المؤسسات الحكومية من جانب، ومن جانب آخر، عدم قدرة الأفراد على الحصول على الرعاية الصحية من القطاع الخاص، نظرًا لارتفاع تكلفتها، وعدم مناسبة دخولهم لذلك. وتبين الجداول الآتية بعض المؤشرات التي تعكس تراجع الرعاية الصحية بالمؤسسات الحكومية خلال الفترة الماضية، مما أثر سلبًا على حق الإنسان في الرعاية الصحية.

https://eipss-eg.org/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%A5%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1/#_ftn1

 

Facebook Comments