حالة البروباجندا التي تُصر عليها الأذرع الإعلامية للعسكر حول ما يسمى بالتأمين الصحي الشامل، تثير كثيرًا من التساؤلات، خصوصًا وأن تطبيق هذه المنظومة بالمعايير التي يتحدثون عنها يستحيل في ظل تردّي وانهيار قطاع الصحة وحالة المستشفيات الحكومية السيئة جدا.

هذه البروباجندا في حقيقتها تخفي وراءها أهدافًا أخرى تتعلق بتعزيز بيزنس الجيش والمؤسسة العسكرية؛ فبعد أيام من بدء تطبيق المرحلة الأولى من المنظومة، والتي تشمل محافظات الإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، بدت جلية حقيقة هذه المنظومة التي يصرّ زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي على تطبيقها، بالرغم من عدم تأهيل البنية التحتية للمستشفيات، إذ تبيّن أنّها جاءت بعد توقيع وزارة الصحة عقودًا مع المؤسسة العسكرية، والاستخبارات العامة، لتطوير عدد كبير من المستشفيات الحكومية في البلاد.

ولا يتوقف الأمر على تعزيز بيزنس الجيش، فالمنظومة كلها تحوم حولها شبهات فساد كبيرة، منذ الإعلان عنها قبل عامين، وصولا إلى بدء تطبيقها هذا الشهر، وذلك بعدما استحوذت شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية على عدد كبير من المستشفيات المصرية الحكومية والخاصة، تمهيدا لإدخالها في المنظومة الصحية الجديدة الهادفة إلى وضع أسعار للخدمات الصحية، واقتطاع رسوم ضخمة من جميع شرائح الشعب المصري لتمويلها.

هذه التطورات الخفية تأتي بعدما كشفت وزيرة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب، هالة زايد، عن كواليس لقائها مع مدير إدارة الأشغال العسكرية في الجيش، اللواء أحمد الغريب، ورئيس مجلس إدارة شركة “وادي النيل” المملوكة للاستخبارات العامة، في ديوان عام الوزارة، السبت الماضي، لمناقشة خطة تطوير وزيادة كفاءة عدد من الوحدات والمراكز الطبية والمستشفيات في محافظات المرحلة الأولى لمنظومة التأمين الصحي الشامل، بناءً على توجيهات من القيادة السياسية ممثلة في السيسي.

وبحسب المتحدث باسم وزارة الصحة، خالد مجاهد، فإنّ اجتماع زايد مع المسئولين في الجيش والاستخبارات العامة، انتهى إلى الاتفاق مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على تطوير 22 وحدة ومركزًا طبيّا بمحافظة جنوب سيناء، بالإضافة إلى استكمال تطوير مستشفى “الطور” ومستشفى “رأس سدر”.

ويأتي الإصرار على تعزيز بيزنس الجيش في ظلّ اتهام الفنان والمقاول، محمد علي، الهيئة الهندسية ، بالتورط في وقائع فساد عدة من خلال تكليفها بتنفيذ مشروعات الدولة.

ويوضح المتحدث باسم الصحة أنه جرى الاتفاق مع شركة “وادي النيل”، التابعة للمخابرات، على تطوير وزيادة كفاءة 126 وحدة طبية ومركز رعاية أساسية، بالإضافة إلى 9 مستشفيات ومجمعات طبية في محافظات السويس، والإسماعيلية، والأقصر، وأسوان. وتوزعت كالآتي: 27 وحدة طبية ومستشفى السويس العام في محافظة السويس، و37 وحدة طبية وإنشاء مجمع طبي جديد وتطوير مستشفيات “القنطرة شرق” و”القنطرة غرب” و”التل الكبير” و”القصاصين” و”فايد” في محافظة الإسماعيلية.

وبحسب مجاهد، فقد شمل الاتفاق أيضًا تطوير 18 وحدة طبية ومستشفى “الأقصر الدولي” في محافظة الأقصر، و44 وحدة طبية ومركزا، ومستشفيات “كوم أمبو”، و”حميات أسوان”، و”رمد أسوان” في محافظة أسوان، مشيرًا كذلك إلى توقيع وزارة الصحة اتفاقا مع وزارة الإنتاج الحربي بشأن تطوير وزيادة كفاءة 40 وحدة طبية ومجمع السويس العام في محافظة السويس.

وشددت وزيرة الصحة على أنّ “محافظات مصر ستشهد تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل تباعا”، مدعية أنّ الشراكة مع هذه “الكيانات الوطنية” تساعد في تحقيق الهدف الأساسي للمشروع؛ وهو أن يشعر المواطن المصري بالإنجاز على أرض الواقع في أسرع وقت.

وانطلقت منظومة التأمين الصحي الجديدة في محافظات المرحلة الأولى، اعتباراً من الأول من أكتوبر الجاري، بعدما وافق مجلس نواب العسكر، في ديسمبر 2017، على إمرار قانون التأمين الصحي الشامل، الذي يقتطع إجباريا نحو 5 في المائة من مداخيل جميع المصريين، للاشتراك في المنظومة.

وتشهد وزارة الصحة حالة من الارتباك الشديد، نتيجة بدء تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل من دون تأهيل المستشفيات، ما دفع الوزارة إلى تكليف الآلاف من الأطباء عشوائيا للعمل في محافظات المرحلة الأولى، في الوقت الذي تُعاني فيه المستشفيات الحكومية في مختلف المحافظات من نقص حاد في عدد الأطباء.

Facebook Comments