قال الكاتب روجر بويز، في مقال نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية: إن أنظمة مستبدة فاسدة من القاهرة إلى بغداد تكافح لإحكام الغطاء على المعارضة الجماهيرية.

وأوضح أنه قبل أن تتاح الفرصة للجميع كي يستنشقوا هواء الربيع العربي عام 2011، كان الحكام القساة يسيطرون على مناصب قادة كانوا أقل وحشية منهم.

وأضاف أنه في مصر وفي العراق، قدم القادة الأقوياء أنفسهم كحماة لاستقرار البلاد بدلا من الفوضى. وكان تهديد تنظيم “الدولة” والقاعدة حقيقيًّا، وكذلك فكرة تمزق المجتمعات بسبب العنف الطائفي. والآن وبعد هزيمة تنظيم “الدولة” أو أسر قادتها لم يعد لدى القادة أي ذريعة لتبرير القمع.

وعليه يقوم أبناء الطبقة المتوسطة والمهنيون ورجال الأعمال الذين همّشهم الجيش الحريص على مصالحه وسدنة النظام، بالتحالف مع الطلاب والعمال الذين يطالبون بإصلاح شامل للحكم والوفاء بوعود قطعت قبل ثمانية أعوام.

مقتل السيسي

ورأى أن الحُكم من خلال العصبية لا يؤدي في النهاية إلى الإصلاح، وأن الإخوان المسلمين، الذين يحظرهم النظام، فهموا الثغرة بين الفقر والغنى، لكن السيسي ليست لديه هذه الحساسية وربما سيؤدي ذلك إلى مقتله.

وقال: “ففي مصر شعر المحتجون بالغضب عندما شاهدوا أشرطة فيديو كشفت عن تبذير عبد الفتاح السيسي ملايين الدولارات على بناء القصور. وجوهر النقد هو أن الجيش المصري الذي تقوم شركاته بالإشراف على بناء المدن الجديدة التي يفترض أنها جزء من مشروع التحديث الوطني للسيسي، يقوم بتقوية جيشه ورعاية مصالحه، مع أن نسبة الفقر زادت من 25.2% عام 2010 إلى 32.5% هذا العام.

وأضاف أن رجال الأعمال يشعرون بالضيق فيما تكمم أفواه الأكاديميين، وتشعر العائلات بالغضب على قطع الدعم عن الأرز والمكرونة في وقت يعيش فيه الجنرالات وأبناؤهم في رفاهية ورغد، ويتساءلون: هل كان عام 2011 من أجل هذا؟ ولكن مصر تغلي في الداخل.

وأشار إلى أنَّ احتجاجات الشهر الماضي أدت إلى اعتقال الآلاف، وتم اعتقال الكثيرين في معسكرات الأمن المنتشرة حول القاهرة؛ لأن الزنازين العادية باتت مزدحمة. ويخشى السيسي الأثر الذي تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي على المزاج العام، فقد تم استخدام هاشتاج “كفاية يا سيسي” مليون مرة. وهو يخشى من انتشار السخط بين الطلاب والعمال في المصانع ومن المدن إلى الأرياف.

تناقض الغرب

وأضاف روجر أنه “طالما ركز الغرب والعدد المتناقص من حلفائه في الشرق الأوسط على مهمة هزيمة الجهاديين في تنظيم “الدولة”، وأمام تداعي الإجماع حول هذه المهمة بسبب التنازلات القبيحة التي قدمت لسحق عدو ذكي مثل “تنظيم الدولة”.

ففي سوريا عبّأت الولايات المتحدة، في ظل باراك أوباما، الأكراد وجنّدتهم كجنودها الانكشاريين الذين عبّروا عن استعداد للمخاطرة بحياتهم في الميدان، وفعلت أمريكا هذا مع معرفتها أنهم لم يكونوا جنودًا مجربين فقط، فإحدى الفصائل كانت مرتبطة بالحركة الانفصالية، حزب العمال الكردستاني، الذي ظل شوكة في جنب تركيا ولأكثر من 40 عاما.

وكان هناك فاتورة يجب دفعها، هي أن تقوم تركيا، عضو الناتو، بمباركة من الرئيس دونالد ترامب باحتلال جزء في منطقة حساسة من العالم، والتي ستواجه فيها قوة عصابات اعتبرت نفسها يومًا حليفًا للولايات المتحدة وشركائها في التحالف ضد تنظيم “الدولة”.

وهي قوة تقوم بحراسة آلافٍ من أسرى تنظيم “الدولة”، فهل سيكون الوضع في حالة فوضى أكثر من هذا؟ ويجيب الكاتب بنعم لأن الكثير من المستبدين في الشرق الأوسط اعتبروا تنظيم “الدولة” بمثابة الهدية.

مظاهرات العراق

وأشار مقال التايمز إلى تظاهرات العراق التي تم قمعها بوحشية شديدة. ففي أسبوع واحد قتلت قوات الأمن أكثر من 100 شخص وجرح أكثر من 2000 شخص.

ويرى المقال أن جذور السخط مشابهة لما في مصر رغم نهاية المعارك الرئيسية ضد تنظيم “الدولة” والموارد النفطية العالية، فلم يتم استثمار أموال كافية لخلق وظائف عمل للشباب أو لتحسين الخدمات.

وأن غضب المحتجين أكثر على عزل جنرال لعب دورًا في العمليات ضد تنظيم “الدولة” في الموصل والفلوجة، ورفض الخضوع لضغوط حلفاء إيران من جماعات الحشد الشعبي، وموقفه من الفساد جعله رمزا للتظاهرات. وما يجري في العراق ليس اضطرابات طائفية لكنها احتجاجات ضد سيطرة الأطراف السياسية على الوظائف والعقود وتسييس الجيش.

البحث عن شماعة

واعتبر روجر أن كل منطقة في الشرق الأوسط تبحث الأنظمة المستبدة فيها عن الرجال الخاسرين وتحملهم المسئولية، والمشتبه بهم معروفون، قطر وتركيا و”الإخوان المسلمون”، مع أن المشاكل نابعة من الداخل ومن الحلول التي تتبعها الحكومات، والتي عادة ما تتسم بالوحشية وأسوأ من الوحشية السابقة.

ويرى أن الدول التي تحتفل اليوم بهزيمة تنظيم “الدولة”، تقوم بخلق الظروف لولادة “تنظيم “دولة جديد” يحمل رقم 2.

فبدلا من التركيز على بناء مؤسسات الدولة، يقوم الساسة بالتركيز على بناء القصور، والتحدي الأكبر لهذه الأنظمة هو كيفية بناء نظام سياسي يستقي شرعيته من الشعب. وحتى يحصل هذا فسيظل الحكام يديرون أنظمة ضعيفة وغير مستقرة تتعثر دائما في المشاكل.

واستغرب الكاتب، في خاتمة مقاله، قول “ترامب” إنه يهدف بسحب القوات الأمريكية إلى إنهاء الحروب الدائمة، ولكنها ستظل مشتعلة بالأمريكيين أو بدونهم. في يوم من الأيام ستأتي مرة ثانية وتضرب أمريكا وحلفائها.

Facebook Comments