وفي مفارقة لا تتكرر كثيرًا ، غادر اليوم السياسي الماليزي “أنور إبراهيم” السجن، متوجهًا إلى القصر الملكي عقب العفو الذي دشن مرحلة جديدة في حياة السياسي البارز الذي نجح الائتلاف الذي قاده، مسجونا، مع سياسي من الوزن الثقيل، مهاتير محمد، وتمكنا معًا من الإطاحة برئيس الوزراء المقال عبد الرزاق نجيب في الانتخابات الأخيرة.

واستقبل ملك ماليزيا زعيم المعارضة الماليزية أنور إبراهيم، 70 عاما، فى قصره فى كوالا لامبور بعد الإفراج عنه ، بينما رئيس الوزراء السابق نجيب عبدالرزاق الذى لفق لهم التهم يستعد لدخول السجن بتهم الفساد والاختلاس.

أصدر ملك ماليزيا سلطان محمد الخامس اليوم الأربعاء عفوًا شاملاً عن المعارض السياسي “أنور إبراهيم” ويعتبر أحد السياسيين اللافتين على مستوى العالم؛ حيث تناوب مقاعد الحكم والمعارضة والسجن في تنقلات غريبة ومثيرة.

وقال “سيفاراسا راسياه” محامي “أنور” للصحفيين بهذا الصدد : “اجتمع مجلس العفو بالفعل وأصدر الملك عفوا شاملا، وهو ما يعني أن كل الإدانات السابقة ضد أنور قد ألغيت”، مضيفا أن أنور “خرج صباح اليوم حرا من مستشفى في كوالالمبور، حيث كان يتلقى العلاج، وتوجه إلى القصر الملكي للقاء الملك”.

تسليم محدد

وكان رئيس الوزراء الماليزي الجديد مهاتير محمد قد أعلن يوم الجمعة الماضية أن ملك البلاد وافق على العفو عن أنور وأمر بإخلاء سبيله، وأنه سيستطيع المشاركة بشكل كامل في الحياة السياسية بعد حصوله على عفو شامل من الملك.

وأوضح مهاتير، الذي شغل منصب رئيس الحكومة بين العامين 1981 و2003، أنه يعتزم البقاء في السلطة من سنتين إلى ثلاث سنوات ليسلم بعد ذلك رئاسة الوزراء لأنور.

يذكر أن “أنور” المنتمي إلى حزب عدالة الشعب، كان أحد كبار قادة الائتلاف ومهاتير مرشده السابق، وذلك حتى أقال مهاتير “أنور” من منصب نائب رئيس الوزراء عام 1998 وحكم عليه بالسجن بتهمة اللواط واستغلال السلطة.

وفي تحول ملفت، تصالح الرجلان ووحدا جهودهما بهدف الإطاحة برئيس الوزراء السابق نجيب رزاق، المتهم بسرقة مليارات الدولارات من صندوق استثمار حكومي أسسه وكان يشرف عليه.

وحكم على أنور مرة أخرى بالسجن عام 2015 خلال حكم نجيب في قضية اعتبرت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية.

الناشط والسياسي الكويتي أحمد الكندري اعتبر أن أنور إبراهيم وتحالفه مع من ظلمه يومًا “درس في حب الوطن” وأضاف : “الزعيم الإسلامي الماليزي أنور إبراهيم سُجن ظلما بقضية مدبرة من عدوه السابق مهاتير محمد .. عندما شاهدوا رئيس الوزراء السابق نجيب فاسدًا ومتهمًا باختلاس 2 مليار وبدعم من دول خارجية .. تحالف مهاتير وأنور إبراهيم وأسقطوا نجيب هكذا يكون التنازل من أجل الوطن”.

أما الإعلامي والمذيع أحمد منصور فقال : “‏إطلاق سراح زعيم المعارضة الماليزية أنور إبراهيم بعد اكتساح حزبه للانتخابات يؤكد على أن الشعوب لاتصدق التهم الأخلاقية القذرة التى تلصقها الأنظمة المستبدة بالمعارضين ، كما أن الأموال التى تنفقها السعودية والإمارات على الحكام المستبدين قد ذهبت هباء منثورا ، وكان الأولى أن ينفقوها على الشعوب”.

عزيزة إسماعيل

واعتبر أكثر من محلل سياسي أن “وان عزيزة” أو “عزيزة إسماعيل” زوجة أنور إبراهيم تستحق أن تكون سيدة آسيا بقيم الحرية ومساندة زوجها في قضاياه السياسية فقال الأكاديمي السعودي مهنا الحبيل : “إذا كان هناك من شخصية عظيمة، في رحلة ماليزيا والكفاح الديمقراطي للنهضة، تفوق انور ابراهيم، فهي بلا شك زوجته العظيمة، تحملت ما لا يتحمله أشد الرجال، وساندت زوجها في محنته، وقادت الكفاح الديمقراطي لحزبه بإيمانها الروحي، المجد للمرأة الحديدية وسيدة آسيا بقيم الروح والحرية (وان عزيزة)”.

وأضاف المحلل الأردني ياسر الزعاترة، أن : “أنور إبراهيم يتنفس هواء الحرية بعد معاناة ما يقرب من عقدين. الدنيا ليست دار عدل، ولكن يحدث أن يجني الرجال ثمن صبرهم وصمودهم وإصرارهم. لزوجته دور كبير أيضا، فقد سجلت بسالة منقطعة النظير أيضا. ندعو الله أن يكتب الخير لماليزيا، ولكل ديارنا أيضا”.

وأشار تامر عقيل أنه : “من الحاجات المفرحة في نتائج الانتخابات في ماليزيا هي وصول السيدة المكافحة دي- زوجه أنور ابراهيم- لمنصب نائب رئيس الوزراء و زوجها في السجن، مع العلم أنه لو خرج هتستقيل و تترك منصبها له، موقف في قمه إنكار الذات”.

مسار سياسي

وأسس السياسي أنور إبراهيم، بعد تخرجه حركة الشباب المسلم، وأصبح زعيمًا سياسيًا وكان على اتصال بالكثير من المنظمات الشبابية الدولية.

واعتقل للمرة الأولى عام 1974 لمدة 22 شهرًا دون محاكمة بسبب نشاطه السياسي ودفاعه عن الفلاحين الفقراء في ماليزيا، وبعد خروجه واصل نشاطه ؛ فأعجِب به رئيس الوزراء حينها مهاتير محمد ودعاه للالتحاق بحزب الاتحاد القومي الماليزي عام 1982.

وصعد نجم أنور إبراهيم سريعا وأصبح نائبًا لرئيس الحزب وتولى تباعا وزارات الشباب والرياضة والزراعة والتعليم، ثم عين نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للمالية وأصبح الرجل الثاني في ماليزيا، ووصفته “نيوزويك” في سنة 1998 بالرجل الأول في شرق آسيا.

ونشب خلاف حاد بينه وبين رئيس الوزراء على طريقة إدارة البلاد، فأقاله مهاتير محمد سنة 1998 واتهمه بالفساد والشذوذ الجنسي، وهو ما اعتبره أنور ومحاموه مكيدة سياسية. وقضى 6 سنوات في الحبس الانفرادي، إلى أن برأته المحكمة من كل التهم الموجهة إليه في 2 سبتمبر 2004.

وفي سنة 2008 عاد أنور إبراهيم إلى الحياة السياسية بعد سنوات من الحظر وقاد المعارضة إلى انتصار كبير، وفاز بثلث المقاعد البرلمانية مكتسحا العديد من الدوائر المحسوبة لصالح الحكومة في أقوى تهديد لتحالف الجبهة الوطنية منذ خمسين عاما.

وعادت تهمة الشذوذ الجنسي تلاحقه من جديد، لتحبسه في ديسمبر 2009، ورفضت المحكمة العليا الماليزية الاستئناف الذي تقدم به.

وفي فبراير 2010 حوكم بتهمة الشذوذ، فرد بأن المحاكمة مجرد “مؤامرة”، وبعد أخذ ورد برّأته المحكمة العليا في كوالا لمبور من التهمة.

ولكن التهمة عادت مرة أخرى في 10 فبراير 2015 وأيدت المحكمة العليا الحكم بسجنه خمس سنوات، ورفضت طعنًا ضد إدانته من قبل محكمة أدنى.

وخرج الآلاف في شوارع كوالا لمبور في 7 مارس 2015، مطالبين بإطلاق سراحه، وتقدمت عائلته بالتماس للعفو من الأسرة الحاكمة.

واشترك إبراهيم مع مهاتير في تحالف فاز بالانتخابات البرلمانية في 9 مايو 2018؛ حيث حصل على 113 مقعدا بالبرلمان من إجمالي 222، وهو ما كفل تشكيل الحكومة.

رابط دائم