دروس عديدة أسفرت عنها التداعيات السلبية لفيروس كورونا على البورصات العربية، والتي أدت لهبوط مؤشراتها بمعدلات مرتفعة بالعام الحالي، أبرزها أهمية الاستثمار العيني المرتكز على إنتاج السلع والخدمات بالمقارنة للاستثمار المالي، فمع انكفاء كل دولة لعلاج مشاكلها الداخلية ومنعها تصدير بعض السلع الضرورية، أصبح وجود قدرات إنتاجية ذاتية لكل دولة أمرا حتميا.

مع ضرورة تقليل نسب المكون الأجنبي وتنويع مصادر الحصول عليه تحسبا لتعطل خطوط الإمداد، وهو ما يتصل بالعودة إلى الوظيفة الأساسية للبورصة كأداة لترويج وتداول الأوراق المالية بسوق الإصدار، المتمثل في تأسيس شركات جديدة أو زيادة رؤوس أموال الشركات القائمة، وتداول سندات تمويل الحكومات والشركات، مع تقليل الهيمنة الحالية للسوق الثانوي الخاص بالتداول والذي لا يضيف شيئا للناتج المحلي الإجمالي ولا يضيف فرصا للعمل، في ضوء ارتفاع معدلات البطالة.

كذلك التقليل من الاستناد على استثمارات الأجانب بالبورصات العربية تحت مبرر زيادة معدلات السيولة والتداول، فمع الأزمات تسارع تلك الاستثمارت الأجنبية بالخروج المكثف مما يتسبب في اضطراب تلك الأسواق، والحد من تدليل هؤلاء الأجانب كما فعلت مصر بإعفاء المتعاملين الأجانب من ضريبة الأرباح الرأسمالية بينما أجلتها للمستثمرين المحليين، وهو أمر يفتح الباب لإعادة النظر في تحيز الحوافز للاستثمار المالي بالمقارنة للاستثمار العيني.

وها هو أداء مؤشرات البورصات العربية بالعام الحالي وحتى الحادي والعشرين من مايو، يشير لهيمنة الهبوط الحاد والذي بلغت نسبته 30 % بسوق دبي المالي و27 % بكل من البورصة المصرية وبورصة بيروت، و22 % لمؤشر السوق العام الكويتي ومؤشر مازي المغربي ومؤشر البحرين العام، و19 % لمؤشر أبوظبي العام و16 % لمؤشر تداول السعودي، و15 % بكل من البورصة القطرية وبورصة مسقط، و13 % بالأردن و9 % تراجعا ببورصة تونس.

وهي الانخفاضات التي نجمت عن تراجع أسعار النفط وتوقف نشاط السياحة والطيران، وتراجع نشاط النقل البري والبحري والسيارات وغيرها من الأنشطة الصناعية والتصديرية، إلى جانب تراجع معدلات النمو وزيادة نسب العجز بالموازنات وانخفاض الإنفاق الحكومي على المشروعات  العامة، وتآكل الاحتياطيات من العملات الأجنبية وزيادة معدلات الاقتراض لسد نقص الموارد الأجنبية، وما نجم عن خفض أسعار الفائدة من انخفاض ربحية البنوك مع تأجيلها لسداد أقساط القروض تقديم إعفاءات من بعض الرسوم، وتوقع زيادة معدلات تعثر الشركات فى سداد ماعليها من قروض.

وأدى تراجع المؤشرات إلى تراجع كبير برأس المال السوقي لتلك البورصات، حيث تشير المقارنة بين رأس المال السوقي لإحدى عشرة بورصة عربية ما بين نهاية العام الماضي ومنتصف مايو الحالي، حسب بيانات صندوق النقد العربي إلى انخفاض رأس المال السوقي بها بنحو 587 مليار دولار، كان نصيب السعودية منها 428 مليار دولار.

ولكونها أزمة عالمية فقد شمل الانخفاض مؤشرات البورصات الناشئة والمتقدمة، ومن بورصات الدول الناشئة البرازيل والهند وروسيا والمكسيك وتايوان ومن الدول المتقدمة الولايات المتحدة عدا مؤشر ناسداك المركب وبريطانيا وألمانيا واليابان وهونج كونج، وهو ما يشير إلى أن تعافي تلك البورصات الحقيقي  مرتبط بالتوصل لعلاج للفيروس وعودة الحياة الطبيعية.

وهو ما يعني أن لجوء بعض الدول لمساندة البورصة مثلما حدث بمصر بتخصيص البنك المركزي والبنوك العامة وبنك الاستثمار القومي أموالا لشراء الأسهم، وقيام العديد من الشركات بشراء جانب من أسهمها كأسهم خزينة  وخفض رسوم التعامل، فإنها محدودة الأثر لتعاظم الآثار السلبية على البورصات كمرآة لواقع الاقتصاد.

ولهذا شهدنا عدم تأثر البورصات إيجابيا بشكل ملحوظ بخفض سعر الفائدة، رغم أن حدوث ذلك في الأحوال العادية كان يمكن أن يساهم في تحسين الأداء.

Facebook Comments