يجتمع عيد الأضحى هذا العام مع الذكرى السادسة لمذبحتي رابعة والنهضة في مصر، وما يربط المناسبتين هو التضحية التي تمت في الأولى بكبش عظيم فداء للإنسان وهو سيدنا إسماعيل عليه السلام، وتمت في الثانية بأكثر من ألف إنسان فداء لشعب تعداده مائة مليون، اغتصبت إرادته في انقلاب الثالث من يوليو 2013، وديست كرامته بعد ذلك وحتى الآن، وكان من الطبيعي أن يرفض الأحرار هذا الإغتصاب للإرادة والحط من الكرامة فخرجوا بالملايين رافضين للإنقلاب، واعتصم عشرات الآلاف منهم في ميداني رابعة العدوية والنهضة دفاعا عن المسار الديمقراطي الذي ارتضوه، ودفاعا عن الرئيس المدني الذي انتخبوه بحرية كاملة لأول مرة في حياتهم، ولأن عصابة الإنقلاب حسمت أمرها بالاستمرار في اغتصاب إرادة الشعب وانتهاك كرامته فقد أكملت جريمتها بفض الإعتصامين، وقد واجهت من المعتصمين ثباتا وصمودا كبيرين فلجأت إلى استخدام القوة العسكرية الغاشمة والطائرات الهليوكوبتر، فوقع الشهداء قربانا للحرية والديمقراطية وكرامة الشعب المصري.

يالها من تضحية عظيمة لا تدانيها أي تضحية أخرى، إنها التضحية بالنفس، وليس شيئا آخرا، لم يقدم أهل رابعة والنهضة حياتهم في معركة تجارية، ولا طلبا لمغانم شخصية، ولا أخذا لثارات عائلية لكنهم قدموها فداء لما يؤمنون به من قيم ومبادئ عليا، قدموها فداء لرئيس انتخبوه وأحبوه، ودفاعا عن مسار ارتضوه، وطلبا لحرية وكرامة وعدالة لطالما صدحت بها حناجرهم في ميادين الثورة.

لم ولن تذهب تضحيات أهل رابعة والنهضة وغيرهما هباء، فأولئك الشهداء الآن عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ودماء أولئك الشهداء هي التي تروي شجرة الحرية، وهذه سنة الله في خلقه، فلم يحصل شعب على حريته وكرامته واستقلاله دونما تضحيات جسام، وهذه الديمقراطية التي نراها راسخة قوية في بلاد الغرب والشرق لم تأت للشعوب على طبق من ذهب، بل دفعت فيها الشعوب دماء عزيزة، وغزيرة، راجعوا إن شئت تاريخ أوربا وما فيه من حروب داخلية بين الحكام المستبدين والطبقات الداعمة لهم من ناحية وعموم الشعوب من ناحية أخرى حتى وصلوا إلى ديمقراطياتهم الحالية.

ولم ولن تذهب تضحيات ودماء شهداء رابعة والنهضة نسيا منسيا، فجريمة القتل التي تعرضوا لها ليست من الجرائم التي تسقط بالتقادم، وإذا عجزت أدوات الملاحقة القانونية عن محاسبة المسؤولين عن تلك الدماء اليوم فمن المؤكد أنها ستستطيع غدا، وإذا كانت موازين القوة حاليا مختلة داخليا لصالح سلطة الانقلاب، وإذا كانت الإرادة الدولية في الوقت الحالي منعقدة على دعم وتأييد هذا الإنقلاب، وبالتالي إهمال القضايا التي ترفع ضده دوليا كما حدث في العديد من الحالات ومنها مذبحة رابعة فإن دوام الحال من المحال، وحتما ستتغير الأمور، وستتغير الموازين محليا ودوليا ” وتلك الأيام نداولها بين الناس”. وحينها سيكون القصاص العادل بالقانون من كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، إلا إذا قرر أولياء الدم العفو.

لم تكن جريمة فض رابعة ولا الدماء التي سالت بالشيء الهين الذي يمكن نسيانه مهما تطاولت العهود، وتباعدت السنون، فكل من شهد مذابح الفض، وكل من شاهدها عبر البث المباشر لا يمكنه نسيان تلك اللحظات الفارقة في حياة المصريين، لقد كانت تلك المذبحة هي الأبشع والأكبر في تاريخ مصر كله، وكانت واحدة من أكبر المذابح العالمية التي خلدها التاريخ، وتواصت بحفظها الأجيال، وإذا كان اليهود لم ولن ينسوا محرقة النازي، وإذا كان الصينيون لن ينسوا مذبحة الميدان السماوي، فإن المصريين لن ينسوا محرقةرابعة والنهضة، مهما حاولت سلطة الانقلاب طمسها، وتغيير ملامح الميدان الذي سالت عليه تلك الدماء، وتغيير اسمه إلى اسم من أمر بالفض.

نحن أمام جريمة موثقة بالصوت والصورة، وموثقة في تقارير حقوقية دولية معتبرة ، ونحن أمام متهمين ومحرضين معروفين بالاسم والرسم، أدلة ضلوعهم موثقة وشهود الجريمة لن يفنوا بين عشية وضحاها, والعدالة المائلة حاليا لن تستمر هكذا دوما.

حق شهداء وضحايا رابعة ليس فقط مسؤولية تنظيم بعينه ولا تيار بذاته بل هو أمانة في رقبة كل المصريين وكل الأحرار في العالم، فقد قدم أولئك الشهداء أرواحهم نيابة عن شعب بأكمله، وإذا كانت الظروف السياسية أو حتى المادية قد حالت دون تحصيل هذا الحق خلال السنوات الست الماضية، فإن أمام كل دعاة الحرية متسع من الوقت لرد بعض الدين لأهل رابعة، عبر مواصلة الطرق القانونية المتاحة لملاحقة القتلة والمحرضين، وعبر السعي لتخليد ذكرى هذه المحرقة لتظل شاهدا على الثمن الذي دفعه المصريون طلبا للحرية التي سينالونها يوما، وتظل شاهدا على بشاعة الاستبداد الذي جثم على أنفاسهم عقود عددا، وتظل شاهدا على إخلاص الشهداء لمبادئهم التي آمنوا بها ودفعوا حياتهم ثمنا لها، ولتظل شارة رابعة مؤرقة لمضاجع الظالمين ومرعبة لقلوبهم، وفي الوقت نفسه شارة ثبات وصمود تلهم الأجيال المتعاقبة.

في الذكرى الثامنة لمحرقة رابعة من المهم التنوع في طقوس تخليد الذكرى، فلا تقتصر على مؤتمرات ومهرجانات ووقفات، بل تتعدى ذلك إلى أدوات أخرى أكاديمية وفنية وثقافية، ويمكن ذلك من خلال إنشاء جائزة سنوية باسم رابعة، تقوم عليها وقفية خيرية يساهم فيها كل مقتدر من جمعيات وشركات وأشخاص، ويكون لها مجلس أمناء محترم، وتمنح لأفضل الأعمال الفنية والثقافية والأكاديمية التي تعظم قيم رابعة وهي الحرية والعدالة والكرامة.

عيد أضحى مبارك للجميع.. تقبل الله أضحياتكم وتضحياتكم

نقلاً عن “عربي21”

Facebook Comments