هناك ثلاثة أنواع من التربية الجماعية للشعوب معروفة لدى العالم كله؛ أولها التربية العنصرية العدوانية، وهي التربية التي تقوم على حق العدوان على الآخرين بدعاوى  التفوق العرقي أو الديني  أو الطائفي أو غير ذلك من المبررات والمسوغات، وهي تربية تقوم على تصورات مشوهة تدعي لأصحابها التفوق والحق في فرض تصوراتها على الآخرين بقوة القهر والسلاح؛ وتعتبر مدينة "إسبرطة" اليونانية القديمة مثالا حيا لمثل هذه النوعية من التربية العدوانية العنصرية، فقد كان الشعب كله يتدرب على فنون القتال حتى النساء والأطفال ومنحت "إسبرطة"  لنفسها حق الاعتداء على الآخرين دون الحاجة لأي سبب من الأسباب؛ فمن حق الإسبرطي إخضاع الآخرين له دون الحاجة لمبرر. وتمثل "إسرائيل" حاليا هذه النوعية من التربية العدوانية والتي  تقوم على تفوق "اليهود" على غيرهم من الأمميين، وأن من حق اليهودي إخضاع الآخرين لسلطانه؛ وتحت هذه التصورات الشائهة جرى  احتلال فلسطين وتكرر العدوان الصهيوني  على بلاد عربية حتى  اليوم، ولا تزال غزة تتعرض لاعتداءات إسرائيلية لا تتوقف حتى اليوم رغم أن من حق الفلسطينيين الدفاع عن أرضهم ضد الاحتلال وفق قواعد ونصوص القانون الدولي.  نفس الأمر ينطبق على "أمريكا" التي تمنح نفسها حق شن الحروب الوقائية بدعوى الدفاع عن أمنها القومي، وهناك الكثير من بلاد العالم تمارس هذه التربية العدوانية وترى في امتلاكها أدوات القوة مسوغا لشن الحرب وقهر الآخرين ظلما وعدوانا.

أما النوع الثاني من التربية، فهو التربية الانهزامية؛ وهي التربية التي تفرض على الشعوب الخنوع للأعداء بدعوى الواقعية السياسية، والهدف من هذه التربية هو فرض أنماط الاستسلام على الشعوب أمام عدو قاهر له نفوذ واسع وقدرات مادية كبيرة تفوق الشعوب المقهورة؛ وقد كان الرئيس الأسبق محمد أنور السادات يبرر هرولته نحو اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني بأن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا؛ وخير مثال على هذه النوعية من التربية الانهزامية ما تقوم به النظم العربية حاليا ضد شعوبها أمام جميع أشكال الاحتلال؛ فالنظم العربية تفرض على الشهوب الخنوع والانهزامية والاستسلام المطلق أمام العدو؛ لأن هذه النظم لا هدف لها سوى البقاء على العروش وضمان وجودها على رأس السلطة والحكم دون النظر إلى الواجبات المفروضة عليهم وأهمها  تحرير الأمة من أي احتلال أو عدوان أجنبي. لكن النظم العربية تفرض "التطبيع" على شعوبها والذي يمثل في جوهرة  صك "إذعان" واستسلام للاحتلال والقبول به والتعايش معه ومنحه مشروعية زائفة؛ مقابل ضمان استمرارها في الحكم والسلطة.

النوع الثالث من التربية هو "التربية المتوازنة"، وهي التربية التي تقوم على تربية الشعوب وجميع الأفراد على احترام حق الأمم والشعوب الأخرى في الحياة وحرمة الاعتداء على أراضيها أو العدوان على ثرواتها أو تسويق مبررات زائفة لنهب أموالها أو حتى حقها في حرية الاعتقاد {لكم دينكم ولي دين ــ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، ما دامت هي الأخرى تلتزم بهذا الميثاق الأخلاقي العظيم الذي وضع القرآن قواعده { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} "البقرة".. فالمسلم لا يبدأ بالعدوان ولا يقاتل إلا من يقاتله وبالتالي فهي فلسفة تقوم على الحرب الدفاعية ردا على عدوان الآخر الذي لم يلتزم بالميثاق الأخلاقي للعلاقات بين الشعوب، التي يجب أن تقوم على أساس التعارف والتكامل وصولا إلى التكافل الإنساني، الذي يلزم الجميع بالوقوف مع الأمم التي تتعرض لكوارث طبيعية كصورة من صور التعاون الإنساني المنشود.

إذا.. هرولة النظم العربية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم  أنه لا يزال يحتل أراض عربية ولا يزال يواصل عدوانه على البلاد العربية يمثل فرضا لنمط التربية الانهزامية وتكبيلا لشعوبنا أمام عدو غشوم يتبنى أبشع صور التربية العدوانية والعنصرية ويتباهي بذلك ليل نهار، كما أن مباركة النظم العربية التي تنتمي لتحالف الثورات  المضادة لما تسمى بصفقة القرن الأمريكية هو فرض الاستسلام على الشعوب التي أثبتت التجربة أنها تملك الكثير لمقاومة العدوان لولا هذه النظم التي تواطأت مع العدو علينا.

دور النظم المستبدة هو تكريس خطة مركبة من جزأين: الأول هو ممارسة التربية العنصرية على الشعوب وقهرها وإضعاف مواطن القوة والمناعة الشعبية حتى تبقى الشعوب خانعة وراكعة أمام هذه النظم المستبدة وبالتالي أمام العدو باعتباره الراعي لهذه النظم والمبارك لوجودها. الثاني هو فرض صكوك الإذعان على الشعوب أمام العدو؛ فهذه النظم تستأسد على الشعوب وتبدو كالأرانب المذعورة أمام العدو في مشهد مؤلم يكبل الأمة العربية والإسلامية التي لن تنهض حتى تتحرر من هذه النظم التي ثبت عمالتها للأعداء وخيانتها للأوطان.

Facebook Comments