اتخذ العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، اليوم الخميس 27 ديسمبر 2018م، مجموعة أوامر ملكية، تقضي بإعادة تشكيل مجلس الشئون السياسية والأمنية برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وبحسب ما نشرت وكالة الأنباء السعودية (واس)، فقد شملت القرارات الملكية عدة إعفاءات لعدة وزراء، في الوقت الذي شملت أيضًا قرارات بتعيينات وجوه جديدة.

هذه التعديلات- بحسب مراقبين ومحللين- تستهدف إعادة إنتاج النظام السعودي بعد فضيحة تورط فريق إعدام تابع لولي العهد في اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، مطلع أكتوبر الماضي 2018م، بمقر القنصلية السعودية بمدينة إسطنبول التركية. وتستهدف بالطبع التخفيف من الضغوط الخارجية الممارسة على الرياض حاليًا، على خلفية مجموعة من الإخفاقات والفضائح والملفات، من بينها قضية قتل خاشقجي، وحرب اليمن، والسياسة الخارجية السعودية التي تسهم في عدم استقرار المنطقة.

التعيينات والإقالات 

التعيينات والإقالات الجديدة لا تخلو طبعا من الأبعاد الداخلية البحتة، وفيها ما يتعلق بإرضاء شخصيات كان “مغضوبا عليها” في الفترة الماضية، وما يتصل بحسابات عائلية قبلية تتعلق بالعائلة الحاكمة وبتوازنات محلية أخرى، من دون الحديث عن التخلص من شخصيات تعاني من استياء شعبي، مثل وزير التعليم المقال أحمد العيسى.

لكن نظرة تحليلية تكشف أن هذه التعديلات لم تحدث فارقا كبيرا؛ حيث إن تغيير نوعية المساحيق لن يخلق من القبح جمالا، ولن يجعل المجرمين أبطالا. لكنها في حد ذاتها تحمل عدة رسائل ودلالات، تؤكد تمسك العاهل السعودي بنجله وولي عهده، والإصرار على أن يكون  وريثا للعرش، رغم تورطه في مصائب قتل خاشقجي والحرب في اليمن وحصار قطر، وتشويه صورة البلاد عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا.

ولم تظهر من خلال هذه التغييرات أيّ بوادر على نية النظام السعودي تغيير سياساته، أو أفراد محمد بن سلمان الذين باتوا يسيطرون على الدولة أكثر من أي وقت مضى، إذ أن هذه الأوامر تؤكد ترسخ السلطات في يد الملك سلمان وابنه، مع تهميش كبير لبقية الأمراء الأقوياء؛ مثل الأمير متعب بن عبد الله نجل الملك الراحل، وولي العهد السابق محمد بن نايف، فيما جرت عدة ترضيات عبر تعيين الأمير تركي بن طلال، شقيق الوليد بن طلال، أميرا لمنطقة عسير.

ابن سلمان يحتفظ بمناصبه

أولا: لم تقترب هذه التغييرات مطلقا من نفوذ ولي العهد محمد بن سلمان، بل على الأرجح فإنه هو من قام بهذه التغييرات بعد فضيحة اغتيال خاشقجي؛ أملا في إعادة إنتاج صورته المشوهة. حيث بقي وليا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع ومشرفا على شركة أرامكو، كبرى شركات الطاقة في العالم، ورئيسا لمجلس الشئون الأمنية والسياسية، ورئيسا لمجلس الشئون الاقتصادية.

ثانيا: كما احتفظ وزراء الحقائب الاقتصادية بمناصبهم، وهم: وزير الطاقة خالد الفالح، والمالية حمد بن عبد الله بن عبد العزيز الجدعان، والاقتصاد محمد بن مزيد التويجري. وهم مقربون من ولي العهد وبعض رجاله، وكانت المملكة قد أعلنت، الأسبوع الماضي، عن موازنتها لعام 2019، والتي اعتُبرت الأكبر في تاريخ المملكة، لكنها توقعت عجزا جديدا للسنة السادسة على التوالي بقيمة 35 مليار دولار.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن السعودية ستسجل عجزا أعلى من المتوقع ونموا اقتصاديا أقل مما تلحظه الموازنة، بسبب تراجع أسعار النفط.

ثالثا: على المستوى الأمني، احتفظ وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، بمنصبه. لكن الملك أمر بتعيين كل من الأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز وزيرا للحرس الوطني، ليحل مكان خالد بن عبد العزيز بن محمد بن عياف آل مقرن؛ ومساعد بن محمد العيبان مستشارا للأمن الوطني مكان محمد بن صالح الغفيلي؛ وخالد بن قرار الحربي مديرا للأمن العام خلفا لسعود بن عبد العزيز هلال.

وكانت السعودية قد أعلنت، الخميس 20 ديسمبر/كانون الأول 2018، عن أنها ستستحدث إدارات حكومية، لتعزيز الإشراف على أنشطتها الاستخبارية. وكانت الرياض قد أعفت نائب رئيس الاستخبارات العامة، أحمد عسيري، من منصبه على خلفية قضية خاشقجي. وكتب علي الشهابي، مؤسس «معهد الجزيرة العربية» القريب من الحكم، على «تويتر»، أن ولي العهد «يُحكم قبضته على السلطة بتعيينه حلفاء (…) ووزيرا جديدا للحرس الوطني».

معتقل سابق وزيرًا للخارجية

رابعا: تعيين إبراهيم العساف وزيرا للخارجية بدلا من عادل الجبير، الذي تم تعيينه «وزير دولة للشئون الخارجية»، والعساف هو أحد المعتقلين في فندق الريتز كارلتون، سبتمبر 2017م، وهو أكاديمي بهوى أمريكي، حيث عمل وزيرا للمالية بين عامي 1996 و 2016، ومديرا تنفيذيًّا لمجلس إدارة مجموعة البنك الدولي بين عامي 1989 و 1995، وعميدا لمجلس إدارة مجموعة البنك الدولي.

وتم احتجازه في ريتز كارلتون بتهمة تلقيه رشاوى وأموالا مقابل منح مناقصات في قضية توسعة الحرم المكي، بالإضافة إلى قضايا فساد مالي أخرى، لكن السلطات في الوقت نفسه لم تقم بإعفائه من منصبه كوزير للدولة ساعة اعتقاله.

وقالت السعودية عندما أفرجت عنه، إنها اكتشفت عدم صحة جميع البلاغات التي وردت خلال فترة عمله السابق كوزير للمالية. وحاز العسّاف على العديد من الدرجات العلمية: دكتوراه في الإقتصاد من جامعة ولاية كولورادو (بالإنجليزية: Colorado State University) كولورادو/ الولايات المتحدة عام 1981 م، ماجستير في الاقتصاد من جامعة دنفر (بالإنجليزية: University of Denver) كولورادو/ الولايات المتحدة عام 1971م، بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الملك سعود (بالإنجليزية: King Saud University) الرياض / المملكة العربية السعودية عام 1968م.

إعادة تدوير آل الشيخ

خامسا: إقالة تركي آل الشيخ من رئاسة هيئة الرياضة ليتولى رئاسة هيئة الترفيه، محاولة لاسترضاء قطاعات واسعة من الأندية السعودية وجمهورها الواسع بعد تعدد الشكاوى من سوء الإدارة من جانب آل الشيخ، كما أن ذلك لن يمثل فارقا عنده، فالرياضة هي بالأساس نوع من الترفيه، لكنه سوف يتفرغ للغناء والرقص والشعر والاستعراضات اتساقا مع توجهات النظام السعودي مؤخرا التي تتفلت من خصائصها عبر العقود الماضية، لتتحول إلى كيان آخر يعتقل الدعاة ويقدم العلمانيين ويحرم النقاب ويجيز الرقص والباليه، وينحاز إلى الكيان الصهيوني  برعاية أمريكية على حساب الحقوق العربية والإسلامية المشروعة وحقها في مقاومة الاحتلال الصهيوني.

كانت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية قد نشرت تقريرا موسعا، في 13 ديسمبر الجاري، توقعت فيه إجراء تعديلات في الحكومة السعودية بهدف الإطاحة بالفريق القديم المقرب من ولي العهد، والذي أدى إلى التورط في فضيحة اغتيال خاشقجي وتعيين آخرين، وبعد الإطاحة بسعود القحطاني تساءلت الصحيفة:  هل سنشهد التخلُّص من أشخاص آخرين في إطار محاولة الرياض تبرئة ساحة وريثها، البالغ من العمر 33 عاما، من أي إدانة؟ هل تتم التضحية بأسماء أخرى بينما ترغب في أن يُنظر إليها على أنَّها تتخذ تدابير لمعالجة أوجه الخلل بنظامٍ شديد المركزية؟.

خلاصة هذه التعديلات الوزارية أنها كالجري في المحل الذي يوحي بالتقدم إلى الإمام ظاهريا ولا يرجح أن تفضي إلى تغيير السياسات السعودية تجاه اليمن وقطر وبقية دول المنطقة، وتجاه المعارضين والناشطين السعوديين في الداخل، بل إنها ترسخ قبضة محمد بن سلمان الحديدية على البلاد أكثر فأكثر.

Facebook Comments