لا تختلف التقديرات والتقارير الدولية في توقعها اقتراب اندلاع ثورة جديدة في مصر بسبب القمع المستوحش والغلاء الفاحش، ولكنها تختلف في توقعها لطبيعة هذه الثورة المقبلة .. هل هي استكمال لثورة يناير السلمية؟ أم “ثورة جياع” أم “ثورة شاملة” أو “ثورة عنف وتدمير” على اعتبار ان سلطة الانقلاب تسلح نفسها حتى الاسنان وتكمم أي تعبير عن الرأي ومستعدة لقتل المزيد حفاظا على مصالح العسكر والمستفيدين من أعضاء الدولة العميقة (شرطة – قضاة – نيابة – بيروقراطية).

لذلك يبدو الاعلام الدولي في واد يتحدث عن كوارث تنتظر مصر علي يد الانقلاب وانهيار اقتصادي ثورة جياع علي اقل تقدير، وإعلام الانقلاب الرسمي الذي تديره الشئون المعنوية للجيش والمخابرات يتحدث عن تحسن الأوضاع والرخاء القادم و”اخبار سارة” عام 2019!!.

وتشير متابعة التقارير الدولية إلى أن توقعات 2019 حول المشهد المصري الداخلي متشائمة بالنظر الي استمرار نفس السياسات القمعية تجاه كافة القوي السياسية الداخلية، واستمرار رهن سياسات مصر الخارجية للقوي الاجنبية، وانظمة خليجية ضمن تيار “الثورة المضادة”، بما يجعل نتاج هذه السياسات مرهونا بمصالح القوي الخارجية مع سلطة الانقلاب لا مصالح الشعب ككل.

كما تشير لتوقع ثورة جياع؛ بالنظر لأن الاقتصاد علي كف عفريت والمخاطر التي تواجهه تتمثل في الاضطرابات الأمنية لهذا يزيد الانقلاب من القمع والبطش ويتصرف بتوتر بالغ قد يأتي بنتائج عكسية في ثورة جياع لو استمر رفع الأسعار والتضييق على الناس.

والعوامل التي يعول عليها الصندوق لتحسين الاقتصاد تحمل في طياتها بذور الفوضى والخراب مثل بيع الوقود بسعره العالمي للمصريين في يونية المقبل 2019، ما ينعكس على غلاء كافة مناحي الحياة.

السيطرة الأمنية

علي المستوي الداخلي لا تدع السلطوية الانقلابية الحاكمة في مصر مجالا أو قطاعا مؤثرا في الفضاء العام الداخلي إلا وتعمل على إخضاعه وإطلاق معاول السيطرة الأمنية عليه، سواء كانت وسائل الاعلام المختلفة أو الجمعيات والمنظمات الاهلية أو رجال الاعمال أو السوشيال ميديا وغيرها.

وبحكم وصولها للسلطة علي ظهر دبابة واستخدام القوة القمعية القاهرة والسلاح، تبدو سياسات وطرق استمرار هذه السلطة محتكمه للقوة لا القانون ومخالفة حتى للدستور الذي وضعته وتسعي لتبديله وتعديله كلما وجدت حاجة لشرعنه بقاءها مدي الحياة في السلطة أو ابعاد خصومها أو عقابهم أو تهيئة الاجواء السياسية لتشييد نظام قمعي ديكتاتوري طويل المدي.

القمع السياسي وإفقار المصريين مؤشران للثورة

تربط غالبية التقارير الدولية الملف السياسي في مصر بالملف الاقتصادي، وتتوقع ان يكون للتطورات الاقتصادية في مصر خلال الربع أو النصف الاول من العام الجديد 2019 علاقة بتصاعد حالة الاحتقان، وأن يكون “العنصر الاقتصادي” محرك محتمل لثورة شعبية، خصوصا في مجتمع نامي اعتاد على اسلوب القمع ولكن تاريخه اثبت أنه يتحرك حين يمس الحاكم رغيفه او خبزه على غرار ما حدث في 1977 و2011، وقبل ذلك في عهود سابقة.

زيادة الأسعار

لهذا يبدو أن زيادة الأسعار الحدث الأبرز في مصر لعام 2018 ستظل هي أبرز حدث في الربع الأول من عام 2019، بالنظر الي توقعات ارتفاع أسعار الدولار الي قرابة 19 جنية، وتسببها في موجة ارتفاع جديدة في الأسعار وارتباط بداية العام الجديد بسلسلة زيادات في: اسعار الوقود والغاز الطبيعي-زيادة اسعار تذاكر المترو مرة اخري -الغاء السلع التموينية والتعويض بمقابل مادي – الغاء الدعم عن الخبز والتعويض بمقابل مادي – إلغاء الدعم للابن الثالث في بطاقات التموين-تصفية مليون موظف اخر من الدولة .. إلخ.

ولذلك تمتلأ التقارير الدولية بتوقعات متشائمة بشأن مستقبل سلطة الانقلاب، منها ما جاء في دليل بلومبرج المتشائم لعام 2019 بشأن حدوث “مظاهرات خبز” في مصر بعد أن يدفع الارتفاع الكبير في أسعار القمح الحكومة إلى إلغاء دعم الخبز، فيما يشبه انتفاضة الخبز عام 1977.

يقول التقرير على لسان الخبير المالي هاني شكر الله أن السيسي أوصل المصريين لحافة الفقر والشعب وصل إلى مرحلة “لا تفهم فيها كيف يتمكن الناس من البقاء على قيد الحياة”، مؤكدا: “نتجه نحو الأوقات العصيبة للغاية، بعدما تم دفع ملايين الناس إلى حافة المجاعة”.

https://www.bloomberg.com/graphics/pessimists-guide-to-2019/?srnd=premium-middle-east

وفي تقريرها “دليل المتشائم لعام 2019: النار، والفيضانات، والمجاعة”، تستعرض “بلومبرج” ما ستفعله هذه المجاعة العالمية المرتقبة والسيناريوهات المتوقعة متوقعة حدوث هذه المظاهرات (الخبز) بسبب الغاء سلطة الانقلاب الدعم للخبز، وهو أمر أكده وزير التموين ولكن في صورة دفع مقابل مادي ثابت لشراء الخبز بالسعر الحر (المتغير باستمرار).

عمليات قتل جماعية!!

بسبب الشهرة التي نالها انقلاب السيسي كنظام قاتل بعد سلسلة المذابح الشهيرة التي قام بها وأشهرها مذبحة رابعة، تتوقع تقارير دولية أن تشهد مصر عمليات قتل جماعية مستقبلا بفعل هذا الاحتقان الشعبي الذي ستواجهه سلطة الانقلاب بالقمع كما هو متوقع.

لذلك تصدر الحديث حول مصر في الصحافة العالمية دراسة تحليلية تؤكد أن مصر من أكثر ثلاث دول تواجه خطر حدوث عمليات قتل جماعية، بنسبة تصل إلى 24%، وذلك في وقت ما من هذا العام أو العام المقبل.

وبمقارنة الوضع في بداية عام 2018 كانت مصر تحتل المركز الـ 15 ضمن أكثر البلدان المعرضة للخطر، بحسب الدراسة التي أصدرها مركز سيمون سكودت لمنع الإبادة الجماعية بمتحف الهولوكوست بالولايات المتحدة.

والدراسة مرتبطة بالأحوال التي تعيشها مصر في ظل قيام الانقلاب بعمليات إبادة للمصريين وقتل جماعي في الشوارع والعريش بدعاوي الإرهاب (ما بين 12 الي 15 يعلن قتلهم كل فترة) وتدهور أحوال المصريين وغضبهم وتسلح سلطة الانقلاب حتى الاسنان واستعدادها لمزيد من المجازر للحفاظ على سيطرتها على السلطة.

https://earlywarningproject.ushmm.org/countries/egypt

وفي هذا الصدد كشف تقرير خطير تفاصيل تحميل المواطن ما تزعمه حكومة السيسي عن سعيها لتحويل مصر الي مركز للطاقة في المنطقة، عبر رفع أسعار الطاقة برغم أنها تدعي اكتفاءها الذاتي منها.

وأكدت صحيفة وول ستريت جورنال أن المواطن المصري يدفع فاتورة خطط تحول البلاد إلى مركز رئيسي للطاقة بالمنطقة!!.

وقال التقرير إن الحكومة تمكنت من إقناع كبرى شركات النفط العالمية للعودة إلى مصر عن طريق سداد أسعار أعلى لهم مقابل الغاز الطبيعي وجعل عبء السداد على عاتق المستهلكين من خلال زيادة أسعار الكهرباء والغاز.

وأوضح التقرير أن حالة السخط لدى المواطنين يزيد من حدتها ما ينشر حول الاكتشافات البترولية الكبيرة، وهو ما يترافق مع ارتفاع تكلفة المعيشة، مما يوحي بأن المشكلة تتعلق أكثر بعدم كفاءة التواصل وليس عدم كفاءة النظام.

حالة السخط التي تتحدث عنها الصحيفة ستزيد مع الرفع القادم لأسعار الطاقة للمرة الثالثة على التوالي في ظل حكم السيسي بناءً على مطالب صندوق النقد الدولي وإلغاء الدعم كليا عام 2019 عنها؛ ما يهدد بثورة جياع أو ثورة شعبية يتخوف منها نظام السيسي ويزيد من القمع والبطش المبكر لإجهاضها.

https://www.wsj.com/articles/in-egypts-vision-of-energy-independence-egyptians-pay-more-1535367601?mod=searchresults&page=1&pos=1

غضب شعبي

ويقول تقرير لصحيفة واشنطن بوست Washington Post إن إجراءات السيسي الاقتصادية تضعه أمام غضب شعبي وتحدٍّ صعب بعدما أفقر الشعب المصري ووصل الامر لسحب عائلات أطفالها من المدارس، وغلق مشاريع وإلغاء اعراس وتقلص نسب الزواج وتزايد الطلاق بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع الأسعار والإجراءات الاقتصادية التقشفية التي أصابت داعمي السيسي في الأساسيين في الطبقة المتوسطة.

ونقل التقرير عن مصريين أنَّ “الزواج الآن لم يعد في المتناول، ولا يمكننا حتى تحديد موعد للزوج بسبب تضاعف أسعار السلع المسئول عنها السيسي، وأوضح أنه لهذا لجأ آلاف المصريين إلى موقع تويتر والشبكات الاجتماعية الأخرى للمطالبة بتنحي السيسي، وعبَّروا عن غضبهم في هاشتاج “ارحل يا سيسي”.

ونقلت عن المنتقدين للسيسي قولهم: “المال الذي أُنفِق على استثمارات ضخمة مثل تطوير فرع جديد لقناة السويس كان من الممكن استخدامه لتخفيف المعاناة الاقتصادية عن الشعب”.

البنك الدولي

وتزامن تقرير “واشنطن بوست” مع إعلان البنك الدولي عن تصنيفه الجديد لدول العالم في السنة المالية 2019، بحسب نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي سنويا بالدولار، ووضعه مصر في تصنيف متدن.

حيث قسم البنك الدولي الدول إلى أربع شرائح هي: بلدان مرتفعة الدخل، وأخرى متوسطة دنيا، ومتوسطة أدنى، وفي النهاية البلدان منخفضة الدخل، وجاءت مصر ضمن الشريحة الثالثة للدول متوسطة الدخل، مع السودان وتونس والمغرب والهند ضمن فئة الدول التي يتراوح متوسط دخل مواطنيها بين 996 و3.895 دولار سنويا، أي أقل من ليبيا.

أيضا كشف تقرير للبنك المركزي أن كمية النقود التي طبعها زادت خلال الربع الأول من العام الحالي بنحو 9.315 مليار جنيه، بنسبة نمو تتجاوز 2%، ليصل إجمالي النقود المطبوعة عبر البنك إلى 453.643 مليار جنيه بنهاية مارس الماضي، مقابل 444.328 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2017، وزعم مسئول أنه “لا تتم طباعة النقود دون غطاء، سواء من الذهب أو العملات الأجنبية والسندات”.

معدلات الفقر

اقتراب المصريين من ثورة جياع كما تتوقع التقارير الدولية بسبب زيادة معدلات الفقر في مصر التي ارتفعت إلى 30.2% في التقرير المنتظر صدوره من “التعبئة والإحصاء”

حيث أظهرت المؤشرات المبدئية لبحوث الدخل والإنفاق التي يجريها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معدل الفقر في مصر بلغ نحو 30.2% مقارنة بـ 27.8% في تقديرات عام 2015، والتي أصدرها الجهاز في عام 2016، وفق ما ذكرته مصادر حكومية لجريدة البورصة.

وهذا الرقم لم يأخذ بعين الاعتبار العينة الكاملة للأسر والتي سيجرى عليها المسح وستعلن في فبراير المقبل.

وأوضحت المصادر أن “تلك النسبة ربما ترتفع بنقطة أو نقطتين عند ظهور النتائج النهائية”. وكشفت أن الجهاز أجرى مراجعة لخط الفقر، ورفعه ليتراوح بين 700 و800 جنيه شهريا بعد أن كان 482 جنيها في عام 2016.

بحث الدخل والإنفاق هو عبارة عن إحصاء وطني شامل لظروف المعيشة وأنماط الاستهلاك يجرى كل عامين.

وطبقا للبنك الدولي “هناك حوالي 62% (أكثر من النصف) من الشعب المصري عايش على اقل من 5.5 دولار في اليوم أي اقل من 99 جنيه في اليوم أي اقل من 3000 جنيه في الشهر واقل من 36 ألف جنيه في السنة كلها”.

العاصمة الإدارية

ولأن الانقلاب يسعي لتسريع بناء العاصمة الادارية ونقل اجهزة الحكم لها كي يتحصن بها وسط الشرطة والجيش، فقد تناولت تقارير دولية مصير العاصمة وتحصن السيسي بها من هذه الثورة الشعبية المنتظرة أيا كان شكلها.

حيث كتبت “ميشيل دن” خبيرة معهد كارنيجي للشرق الأوسط، تصف العاصمة الادارية التي يبنيها السيسي في شرق القاهرة بأنها “منطقة السيسي الخضراء” التي يسعي للتحصن فيها مع جنرالات الانقلاب والشرطة والجهات السيادية من الشعب، وتتساءل: “هل تفلح عاصمة مصر الإدارية الجديدة منطقة السيسي الخضراء في حمايته من شعبه؟”.

وتقول “دن” في دراسة نشرها مركز ابحاث “كارنيجي” للسلام، أن السيسي بني العاصمة الادارية (منطقته الخضراء)، “مستلهما الغزو الأمريكي للعراق في بناء هذه المنطقة، يجسد مدي تملك نفسية الغازي منه ومدي رعبه من المصريين، فلا يكتفي بقتلهم وتعذيبهم بل ويقيم مدينة يتحصن بأسوارها منهم”.

وقالت الباحثة الأمريكية، في دراسة نشرتها مجلة “التاريخ المعاصر”، أو “كارنت هيستوري” الأمريكية في عدد ديسمبر 2018 إن العاصمة الإدارية الجديدة، تعد تجسيدا حقيقيا للمسار الذي يسلكه نظام عبد الفتاح السيسي خلال سنوات خمس مضت من عمر نظامه السلطوي حيث يتم استبعاد المواطنين المصريين، وحكم البلاد من وراء طوق أمني يحميه من مطالب المصريين وخوفه من ثورتهم عليه في يوم من الايام.

وأوضحت أن تلك المدينة التي يقوم الجيش المصري ببنائها على بعد 28 ميلا من العاصمة القاهرة، هي “إعادة بناء جدار الخوف الذي يفصل بين المواطنين والدولة”، مشيره لأنها سوف تكون أنيقة وعصرية وذكية بحيث تضم الهيئات والوزارات والمصالح الحكومية جنبا الي جنب مع البنايات السكنية، وتضم كافة مؤسسات الجيش والشرطة والجهات السيادية وفلل كبار الجنرالات والمسئولين والقضاة والبرلمان والحكومة.

وشددت على أن بناء هذه العاصمة لم يكن رغبة في تفريغ القاهرة من زحامها كما يقال، وإنما الاختباء وراء اسوارها من المتظاهرين الذين نجحوا في ثورة 25 يناير من إحراق المقر الرئيس للحزب الوطني الحاكم، كما اجتاحوا مقرات جهاز أمن الدولة في مطلع مارس من ذات العام 2011، كما كانت مواقع القصر الرئاسي ومقر وزارة الداخلية والمحكمة العليا من بين مواقع التظاهر المفضلة لدى المصريين بعد خلع مبارك في فبراير من العام 2011، وهو ما يسعى السيسي لتجنبه.

تعديل الدستور

وتقول دراسة “كارنيجي” أن نظام السيسي يعتزم تعديل الدستور للبقاء في الحكم بعد انتهاء مدته الرئاسية الثانية التي تنتهي في العام 2022، ومع أنه يعلم أنه سيمرر التعديل بسهولة في برلمان تم ترويضه واختياره بواسطة المؤسسة الأمنية في انتخابات العام 2015، وكذلك الموافقة في استفتاء شعبي صوري، إلا أنه يخشى رد الفعل الجماهيري عبر أعمال احتجاج واسعة النطاق.

لذلك، فإنه بحلول العام 2020 أو قريبا سيسعى السيسي للعمل على الانتقال بحكومته إلى “المنطقة الخضراء ذات الأسوار المحكمة”، محاطا بعدد كاف من ضباط الجيش والموظفين المدنيين والدبلوماسيين الأجانب بحيث لا يقلق مطلقا جراء قيام متظاهرين غاضبين بالتجمع بالآلاف حول القصر الرئاسي بالاتحادية إذا حدث وسمح لهم الامن اصلا بذلك.

وتقول “مشيل دن” أن شعب مصر الغاضب ربما يجدون وسائل بمقدورها هدم “قلعة الرمال” التي يتحصن فيها السيسي.

وتري الدراسة أن العاصمة الادارية بجانب انها المنطقة الخضراء المحصنة التي يسعي السيسي للاختباء خلفها، هي ايضا مدينة أحلام السيسي التي يضيع فيها اموال المصريين ويفرغ فيها طاقات نظامه عن المشاكل الأخرى التي تعاني منها البلاد مثل تناقص موارد البلاد من المياه العذبة، وتزايد معدلات النمو السكاني وعدم القدرة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية لمصر التي يحتاجها الاقتصاد لخلق المزيد من الوظائف.

Facebook Comments