عندما يكون الطريق طويلا بحيث يمتد لمسافات غير منظورة، وأحقاب متوإلىة؛ ليس من المنتظر أن يكون خيطا منتظما متصلا بلا جسور وأعمدة ووشائج داخلية تمنعه من الانهيار من جهة، وتشدد على أركانه ولبناته من جهة أخرى، وتُعين العابرين فوقه من الانتقال عليه بخطوات واثقة بل وبقفزات وثابة.

إن تلك المتصلات على الطريق تقلل من مخاطر الطرق المنقطعة القصيرة التي يسير فيها العابرون بعض الوقت ثم يرحلون ويأتي غيرهم ليبدءوا الطريق القصير هو نفسه من أوله، وكأن من قبلهم لم يسيروا به يوما أو مروا عليه لحظة. وهكذا يأتي كل المارين ليسيروا على الطريق القصير ذي نقطة البداية والنهاية نفسها، دون أن يتمكنوا من الولوج منه إلى الطرق الأخرى لاستكمال المسيرة، فقد فاتهم العبور إلى تلك الطرق عبر الممرات الممتدة والجسور التي تصل ما لحق بما سبق.

*****

نلاحظ عندما يلقى أحد رموز الدعوة ربه على ما نحسبه عليها من شهادة بإذن الله تعالى، كيف أن له حفظا وافرا من التلاميذ ورفقاء الطريق، يبادرون إلى ذكر محاسنه وفضائله وما تعلموه منه.. وهنا نكتشف ما نعاني منه من تقصير شديد في حق دعوتنا عندما نغفل عن تسجيل هذا الميراث العظيم من عمل السابقين لنا أو حتى المرافقين، هؤلاء الذين تعلمنا منهم الكثير والكثير.. وكان لهم من التواضع وإنكار الذات ما جعلهم يبتعدون عن أضواء الشهرة وفتنة الإعلام.. وإذا كان البعض منا معذورا بفكرة أن الحي لا تؤمن فتنته(1).. فهذا لا يمنع من سرد المناقب والمعاني النبيلة ونسبة الفضل لأهله.. مع تأكيد اتباع المبادئ لا اتباع الأشخاص، وأن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

تقف الأجيال على ممرات الطرق والزمن ليسلم بعضها بعضا، فلولا هذا الجسر من علم وعمل ودعوة وجهاد وثبات جيل سابق لما وجد جيل لاحق ما يرثه ليبدأ منه، ولكان مثله الآن مثل من يبدأ في البحث عن الحطب والحجارة ليتعلم إشعال النيران ويعيد اكتشاف ما سبق وأن اكتشفه الآخرون.

إنه دين كبير أن نكون وارثين في حركة يتآمر عليها العالم كله؛ وما ذاك إلا لمعرفتهم بدورها ومكانتها تلك التي بات يغفل عنها بعض أبنائها.. وإنه في رقابنا من معاني الديون التي يصعب بل يستحيل الوفاء بحقها، مثلما للآباء والأمهات دين في أعناق أبنائهم لا يوفون قدره مهما فعلوا؛ ولذا فالأحري أن يكون الاجتهاد لتأدية حق هذا الدين إنما هو في نقل ميراثه والتعريف بفضله وجميل خصاله.. تلك القيم التي شكلتنا نحن وغيرنا.. فلا نصنع من أنفسنا حجبا لها عن أن تصل لآخرين..

إنه كذلك مسؤولية كبيرة.. فكونك تمسك في يديك تركة كبري، فهذا يعني أنك تصبح منذ أن تصلك مسؤولا عنها محاسبا عليها؛ فطالما بلغتك.. فقد صارت ضمن جعبة الأمانات في رقبتك، فاستمرارها والسير بها لامتدادات أخري، وحتي فكرة تخليتها من عوامل ضعفها واستكمال عدة قوتها، كل ذلك قد صار أمانة على من تسلم تلك الحركة. مسؤول فيها عما ورثه، وعما سيورثه.. فهي تبعة مضاعفة نحو أجيال سابقة، وأخرى لاحقة..

*****

منذ سنوات ليست بالطويلة بدأت الأسر المسلمة تتأثر بالنظريات والفكر النسوي الغربي والذي يحاول تقديم الأسرة على أنها خلية أو نواة لعالم متصارع على الزعامات ومناط القوة والتحكم، فبدأنا نلحظ نسب الطلاق المرتفعة والأزمات المتتالة داخل البيوت؛ لأن كل عضو فيها صار فردا واحدا كطرف في مؤسسة للنزاع وليس جزءا من كيان أسري يقوم على التراحم والتكامل..

ومن داخل الأسرة إلى المجتمع ككل.. وحتى الحضارات، فالأمر يُقدم على أنه نزاع أنا أو أنت.. إما.. أو.

أخشى ما أخشاه أن يكون ما نلحظه من نقد عام فج لقيادات وشيوخ الحركات الإسلامية رغم ما يبدو عليه بعض أصحابه من نيات طيبة غرضها الإصلاح أو التقويم، إلا أن خشيتي أن يكون هناك من يحرك كرة الثلج ومراده في ذلك يلتبس بكلمة حق؛ ما يدفع في أن يكون مصير تلك الحركات كمصير الأسر التي تتفكك أو تضمحل.. ولا أقصد هنا أن من يتحدث ناقدا إنما هو في ذاته كيان متآمر عملاق بل يكفي أن تتسرب معاني وأفكار الصراع من النموذج الفكري ذي المرجعية المغايرة إلى داخل مساحة من الوجدان أو العقل اللاواعي لدي البعض فيكونون من حيث لا يدروا أدوات للنيل والهدم أكثر من كونهم وسائل تقويم وبناء..

إن الفكرة التي جعلت من الرجل والمرأة طرفين متضادين وليس زوجين متكاملين، تكاد في الآونة الأخيرة أن تجعل الشباب والشيوخ، والقادة والصف على نفس هذا النهج.. وهو أمر لن يصب في مسار الإصلاح الذي يريده أهل الحق والدعوة.. وهذا الحديث ليس مجاله الخوض في قضايا محاسبة المخطئين أو البحث عن منافذ الثقوب لرتقها.. فكل هذا مما قد يتم هو وأكثر منه دون صراع أو معاداة أو دعاوى هدم وكراهية.

Facebook Comments