في شهر مارس/ آذار خرج الزميل الكاتب الصحافي، عبد الله السناوي، بما وصفها بأنها مبادرة، صنفت فيما بعد ملفًا رئاسيًا، تتعلق بعودة الصحافيين والمشتغلين بالإعلام في الخارج، من المعارضين لنظام عبد الفتاح السيسي، معلنًا أن هناك قوائم بالراغبين في العودة. في ذلك الوقت، كتب السناوي وأطل عبر شاشات تلفزيونية، متحدثًا عن اشتراطات العودة، ولخّصها في خمس نقاط هي: أن يعترف الشخص الراغب بالعودة بشرعية عبد الفتاح السيسي. أن يعتذر عن كل ما بدر منه في الوقت السابق من إساءة لقيادات النظام الحالي. ألا يكون متورطًا في عنف أو حرّض عليه. أن يتقدم الشخص الراغب بالعودة بطلب لرئاسة الجمهورية. دراسة حالته و مدى توافر الشروط فيها.
كان ذلك عقب لقاء أول بالسيسي شارك فيه السناوي، صحبة مجموعة من الكتاب والمثقفين، خرج بعده، ملمحًا من بعيد إلى أن الدعوة جادّة، وتحظى بضوء أخضر من مؤسسة الرئاسة، ثم بدأ يتحدث عن أسماء، لم يذكرها، لصحافيين في الخارج متحمسين للعودة وفق الشروط الخمسة التي وصفتها في ذلك الوقت بأنها محرّرة بحروفٍ فاشية، وتحدّيت أن يفصح السناوي عن اسم معارض طلب العودة إلى مصر.
مضت أكثر من ثلاث سنوات على تلك التي تسمى “مبادرة”، والحصيلة الوحيدة المتحققة لها الآن أن الزميل السناوي يكاد يكون ممنوعًا من الكتابة والنشر في الصحف المصرية، إذ اختفى مقاله الأسبوعي، وإن ظهر على فترات متباعدة، فإنه يكون أبعد ما يكون عن الاشتباك مع الواقع وقضاياه وأحداثه، ثم لحق به في قائمة المحظورين كتّاب آخرون من المنتمين إلى مشروع الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013، ويرون في السيسي الرئيس الضرورة.
الشاهد هنا أننا بصدد نظام ليس على استعداد للتخلي عن فاشيته واستبداده، ولا يمكن، بحال من الأحوال، تصور ذهابه إلى ما يسميه بعضهم مصالحة وطنية، حتى وإن تأسست على الإذعان الكامل للفاشية واشتراطاتها.
على ضوء هذه الحقائق، يجب قراءة هذا السيل من التسريبات عن مبادرات مزعومة للإفراج عن السجناء والمعتقلين، تتضمّن شروطًا عجيبة مثل أن يدفع كل محبوس خمسة آلاف دولار لصندوق تحيا مصر، لكي يحصل على حرية هي للاستعباد أقرب، ثم يعلن توبته عن الثورة وعن المعارضة، وأن ينأى بنفسه عن الشأن العام، لا يتكلم أو يشارك أو يفكر، وأن يعتذر عن كل موقف منحاز لقيم العدل والحق… فقط يكون مسموحًا له بالبقاء على قيد الحياة، أو باختصار يقبل بأن يكون “الكائن البدون” بدون أية حقوق، إلا التنفس والأكل والشرب.
في ذلك، تناولت نوافذ إعلام السيسي ما تسمى المبادرات بمزيج من السخرية والإمعان في الازدراء للطالب والمطلوب، بلغت حد الإعلان عن حصول كل سجين على ضعف المبلغ المعروض، ويرحل تمامًا عن “مصر الفاشية”، ويتنازل عن مصريته، مع كثير من التحريض على المحبوسين، باعتبارهم أعداء سيفترسون الوطن إن فتحت لهم أبواب الزنازين.
وعلى الرغم من ذلك كله، ليس من حق أحد أن يصادر حق سجين أو معتقل في البحث عن أي ثقب في جدار الزنزانة، يخرج منه إلى الحياة، ويسترد حريته، بالشروط التي يحدّدها السجان. لكن المشكلة هنا أنه ليس ثمّة ما يقطع بأن هذه المبادرات تعبر عن رغبة عامة لدى المحبوسين، كما أنه لا يوجد في الوقت الراهن، أو في الماضي، أن النظام مهتم بمثل هذا النوع من المبادرات، بل أن الشيء الملموس الوحيد في اللحظة الراهنة هو استثمارها إعلاميًا، وعلى نطاق واسع في تحقير وإهانة المبادئ والقيم والمعاني التي انحاز لها السجناء وعوقبوا بكل صور البطش والتنكيل والتعذيب بسببها.
تبقى خطورة هذا النوع من العروض أنها تقر صيغًا ومفاهيم ومعانٍ فاسدة للمواطنة وللوطن، ومن يرفض شروطها يكون مستباحًا داخل السجن وخارجه، أو بالحد الأدنى من المزايدين المتاجرين بآلام ساكني الزنازين.
فليقبل من يقبل بهذا الإذعان، وليبحث كل عن الطريق الذي يناسبه للخلاص، ولكن من دون أن يدّعي أن هذا هو عين الصواب وجوهر الحق والعدل.
نقلا عن “العربي الجديد”

فيسبوك