أنهت سلطة الانقلاب ودولة الاحتلال الصهيوني الترتيبات النهائية لبدء استيراد الغاز الصهيوني عبر نفس أنبوب الغاز الذي كان يجري التصدير منه سابقا لتل أبيب، بالاتفاق على تقيص حجم التعويضات التي تدفعها مصر مقابل توقف التصدير عام 2012 إلى 500 مليون دولار بدلا من 1.8 مليار دولار.

وكانت هذه آخر عقبة في طريق بدء مصر استيراد الغاز الصهيوني، بعدما أعلنت شركة ديليك دريلنج الإسرائيلية أنها تقوم وشريكتها، نوبل إنرجي، ومقرها تكساس، بضخ الغاز في الأنبوب بين مدينتي عسقلان والعريش نهاية يونيو الجاري.

كيف سرق مبارك؟

حين اتفقت مصر مع دولة الاحتلال عام 2005 على تصدير الغاز المصري إلى تل أبيب عبر أنبوب شركة غاز شرق المتوسط التي يمتلكها حسين سالم نصت الاتفاقية على تصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز المصري لمدة 20 عاما، بثمن يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية بينما كان سعر التكلفة يصل إلى 2.65 دولار حينئذ؛ أي بخسارة ما بين دولار ونصف وقرابة دولارين لكل وحدة حرارية.

وأثارت الاتفاقية حملة احتجاجات شعبية وبرلمانية حين كان هناك نواب معارضون، وتحدث خبراء عن عمليات فساد وعمولات تذهب لمبارك وعصابته في صورة هذا الفارق في السعر الذي لا يدخل خزينة الدولة وإنما جيوب مبارك وحاشيته من الفاسدين.

ففي عهد مبارك تم تصدير الغاز لإسرائيل من مصر بسعر ثابت وهو في المتوسط دولار واحد للوحدة الحرارية (وبالتحديد بسعر يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية)

ولكن خريطة الأسعار التاريخية من بورصة الغاز حينئذ أظهرت أن متوسط السعر العالمي كان 3.54 دولار للوحدة الحرارية أي مليون متر مكعب، أي أن كل وحده تصدر كانت مصر تخسر منها 2.54 دولار للوحدة تحت اعين مبارك وحكومته، وكان الاتفاق على تصدير 1.7 تريليون متر مكعب سنويا لمده 20 عاما فتخيل حجم الفارق المالي الضخم وأين ذهب؟

والغريب أن سعر التكلفة للوحدة الحرارية حينئذ كان أعلى من السعر المباع به نفط مصر؛ حيث بلغ 2.65 دولار، وزاد الفساد أنه تم إعفاء التصدير من الضرائب!!.

كيف يسرق السيسي؟

الآن يستمر خراب مصر من تصدير الغاز لإسرائيل في عهد مبارك لاستيراد الغاز من إسرائيل في عهد السيسي وهو ما تفضحه الأسعار الفعلية من البورصات العالمية.

بموج الاتفاق الآن لاستيراد الغاز من إسرائيل سيكون السعر قرابة 7 دولارات للوحدة الحرارية؛ حيث أعلنت شركات الاحتلال أنها ستبيع الغاز لمصر بمبلغ 64 مليار متر مكعب بسعر 15 مليار دولار؛ أي أن السعر لمصر هو 6.70 دولارات للألف قدم مكعب، أي 6.72 دولارات للمليون وحدة حرارية، بالإضافة إلى الشحن.

ولو تم الرجوع لخريطة الأسعار الحالية سنجد أن متوسط الأسعار العالمية 2.5 دولار للوحدة الحرارية، أي أن كل وحده تستوردها مصر تخسر فيها 4.5 دولار تحت اعين السيسي وحكومته!!

وهو ما يؤكد أن السيسي وعصابته يسرقون كما فعل مبارك في اتفاقيات الغاز مع الصهاينة ولكن هذه المرة برعاية شركات تابعة لمخابرات عباس كامل.

إذ سبق لموقع “مدى مصر” أن كشف في تحقيق استقصائي بالمستندات أن من يشتري غاز إسرائيل هي شركة مملوكة للمخابرات المصرية، وأن “شركة غاز الشرق” شركة خاصة غالبية أسهمها مملوكة لجهاز المخابرات الذي يحصل على 80% من أرباحها لحسابه، وأن الرئيس التنفيذي للشركة محمد شعيب تم تعيينه بمجلس إدارتها ممثلًا عن الجهاز، ورئيس مجلس إدارة الشركة هو وكيل أو نائب رئيس جهاز المخابرات العامة.

كما كشفت المستندات وجود شركة أخرى دخلت فيها المخابرات العامة بقيمة النصف مع الشركة المصرية التي ستشتري الغاز الإسرائيلي؛ “دولفينوس القابضة”، وأنه من أجل إتمام الصفقة تم إخفاء اللاعبين المصريين الحقيقيين والمستفيدين من أرباحها، لإعفائهم من دفع الضرائب، وحمايتهم من أية مساءلة قانونية محتملة.

وكشف التقرير تسجيل شركات في دول أجنبية مملوكة للمخابرات المصرية، وأن عددا محدودا من رجال الأعمال من شركاء المخابرات، بهدف التهرب من دفع الضرائب والبقاء خارج مظلة مساءلة أو عقوبات القوانين المصرية بالكامل في حال حدوث أية تطورات سياسية غير متوقعة، وهو نفس ما فعله مبارك بإعفاء التصدير لإسرائيل من الضرائب ليزيد حجم الاموال المنهوبة من نفط مصر.

ويقول خبراء نفط مصريون إن الحلم الإسرائيلي منذ اكتشاف الغاز الطبيعي في حقل ليفيثان علي البحر المتوسط بكميات كبيرة وضخمة كان تصدير هذا الغاز لمصر؛ بحيث يجري استغلال منشآت تسييل الغاز المصرية المتعطلة حاليا لإسالة الغاز الإسرائيلي، ومن ثم توفير إنشاء بنية تحتية مكلفة للتصدير.

ويرون أن تذليل تل أبيب عقبات التعويضات هدفه إعادة تصدير غاز إسرائيل من مصر للعالم لصالح الخزينة الإسرائيلية، بحيث تستفيد مصر من شراء هذا الغاز، مقابل استغلال تل ابيب منشآت مصر النفطية الجاهزة في التصدير دون حاجة لتكاليف بناء منشآت جديدة لنقل الغاز.

وظل الحلم الإسرائيلي هو التغلب علي رفض المصريين لهذا “التطبيع النفطي” عبر توفير “طرف ثالث” يتوسط عملية النقل من إسرائيل لمصر، وأن تقبل مصر بالتالي شراء الغاز من “دولة عدو” هي إسرائيل، ومن ثم تجد حلا لتصدير الغاز لمصر دون أن تثير الرأي العام المصري، وهو ما تم التغلب عليه عبر شركات أجنبية تعمل بمصر تتولي هي استيراد هذا الغاز.

وكانت مشاركة تل أبيب في انقلاب السيسي علي الرئيس الشرعي محمد مرسي جزءا من هذه الخطة بعدما رفض مرسي أي اتفاقات مع الاحتلال بينما تعاون معهم السيسي وسمح لهم باختراق الأمن القومي المصري والتربح من صفقات الغاز مقابل عمولات سرية.

Facebook Comments