الانسجاب التكتيكي الإماراتي من اليمن يثير تساؤلات وتكهنات، حول مستقبل الوجود الإماراتي باليمن واحتلالها مناطق بجنوب وغرب البلاد، وحتمية الانسحاب السعودي، من حرب كبدت اليمنيين أرواحا وخسائر بشرية ومادية مهولة ولم تنه هيمنة الحوثيين.

دراسة لموقع “الشارع السياسي” بعنوان: “أبعاد الانسحاب التكتيكي الإماراتي من اليمن وانعكاساته على السعودية وصراعها مع إيران والحوثيين”.

سلطت الضوء على القرار الإماراتي، وذهبت إلى أن خطوة الإمارات بسحب بعض قواتها من اليمن، جاءت دون تنسيق مع الجانب السعودي، لتضارب المصالح بين الجانبين.

وفي 28 يونيو الماضي، كشفت وكالة “رويترز” عن سحب الإمارات جزءا من قواتها في اليمن، بسبب ارتفاع حدة التوتر بمنطقة الخليج بين إيران وأمريكا، ودخول الإمارات على الخط بعد استهداف 4 سفن في مينائها وإسقاط طائرة أمريكية مسيَّرة أقلعت من أراضيها.

وقامت الإمارات بسحب بعض القوات من ميناء عدن الجنوبي ومن الساحل الغربي لليمن، وهما من أكثر المناطق التي توجد بها قوات إماراتية.

3 أنواع

ووفقا لورقة بحثية أصدرها مؤخرا مركز “إيماسك” للدراسات، تمتلك الإمارات 3 أنواع من القوات في اليمن: النوع الأول قوامه 1500 جندي وضابط من الجيش الإماراتي يؤدون غالبا مهام تدريبية.

أما القوة الثانية فتتشكل من مجندين يمنيين يتلقون التدريب والتمويل والتسليح والأوامر أيضا من الإمارات، ولا يخضعون لإشراف قيادة الجيش اليمني.

والقوة الثالثة تتكوّن من مجندين من المرتزقة الدوليين بعدد تقريبي (1800 مجند/ مرتزق) من كولومبيا وبنما وسلفادور وتشيلي وإريتريا، ويتبعون هيكليا قوة حرس الرئاسة الإماراتية.

وذكرت دورية “إنتليجينس” الاستخباراتية، في يونيو 2018، أن “الإمارات استأجرت ضباطا أمريكيين سابقين حاربوا في العراق وأفغانستان، لتحسين أداء قواتها باليمن”.

مطلب شعبي

ومؤخرا أطلق ناشطون في اليمن حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل وسم “#طرد_الإمارات_مطلب_شعبي”، لمطالبة رئيس البلاد عبدربه منصور هادي بتحقيق هذا الأمر.

وسبق أن اعترف وزير الخارجية المستقيل خالد اليماني، مطلع أبريل الماضي، بوجود “خلل” بين بلاده والتحالف بقيادة السعودية، قائلاً: إن الحكومة “الشرعية” لم تستطع إقامة شراكة حقيقية مع التحالف في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأواخر فبراير الماضي، دعا نائب رئيس الحكومة وزير الداخلية اليمني، أحمد الميسري، إلى “تصويب” العلاقة مع التحالف، وقال إن خللاً يشوبها، مشيرا إلى أن جهات تنازع سلطات وزارته بالتحكم في الملف الأمني بعدن.

فضلاً عن هذا، وُجِّهت اتهامات إلى الإمارات بالتسبب في منع عودة الرئيس اليمني إلى بلاده، إضافة إلى محاولتها المستمرة السيطرة على جزيرة سقطرى، والتي فجَّرت أزمة كبيرة بين الحكومة اليمنية وأبوظبي منتصف العام الماضي.

يشار إلى أنه قتل أكثر من 90 ألف شخص في الحرب اليمنية، وفقا لموقع بيانات النزاع وموقع النزاع المسلح، حيث أسفرت الضربات الجوية السعودية وحدها عن مقتل نحو 8 آلاف مدني، وهو رقم قياسي أثار مخاوف كبيرة في واشنطن، فضلاً عن تفشي الكوليرا والمجاعة في اليمن.

تبريرات إماراتية

فيما تبرر أوساط اماراتية ما يحدث بأنه عملية نقل للصواريخ المضادة للأجسام الطائرة من مأرب إلى عدن وضواحيها، تحسبا لعمليات استهداف حوثية بالطائرات المسيرة المفخخة للمنطقة العسكرية في عدن والمنشآت الحكومية.

وتعود خطوة الإمارات لرغبتها في تركيز اهتمامها على مناطق معينة تعتقد أنها أهم لها، مثل مناطق الجنوب، وتحديدا المناطق الساحلية وجزيرة سقطرى.

إلا أن خطوات الإمارات تؤكد صعوبة تمرير أجندتها وكلفتها في اليمن، التي قد تدفع مستقبلا إلى الانسحاب الكامل في حال زادت الكلفة السياسية والاقتصادية لبقائها، وهو أمر متوقع بالنظر إلى حالة الفوضى المتفاقمة التي تعيشها اليمن.

واشارت الدراسة إلى أن توقيت القرار الإماراتي يحمل الكثير من علامات الاستفهام، إلا أن الأوساط الإماراتية ترى ارتباط القرار بمدة الحرب، وأن دخول الصراع والحرب السنة الخامسة ستنتج عنه عواقب تتجاوز النتائج على الأرض.

كما أن أن الإمارات ترى أن دورها في اليمن يتركز في إبعاد الحوثيين من الجنوب ومواجهة الأنشطة “الإرهابية” لتنظيم القاعدة وغيره هناك، وتدريب قوات محلية للاستمرار في لعب الدورين، وتم إبعاد الحوثيين قبل نهاية 2017، ويبدو أن الإمارات “تأكدت” حاليا من أن القوات المحلية أصبحت مؤهلة للقيام بدورها مع حاجتها للمساعدة في مكافحة “الإرهاب”.

ويرى خبراء ان تركيز التدريب الإماراتي انصب على قوات انفصالية خارج سيطرة الحكومة الشرعية للرئيس هادي، وهو وضع سيؤدي إلى صراع مستقبلي في الجنوب.

مكاسب الحرب

وبحسب مراقبين عسكريين يعد الانسحاب الاماراتي بمثابة إعادة التقاسم المبكر لمكاسب الحرب، وتوزيع مناطق النفوذ في اليمن، خاصة بعد أن بدت الفجوة واضحة في الخطاب الإعلامي غير الرسمي بين السعودية والإمارات.

كما تستهدف الامارات عزل مدينة مأرب وتركها في مواجهة الحوثيين منفردة ومكشوفة، وربما هنالك ترتيب لعمل انقلابي أو تخريبي يفضي إلى واقع يرضي الإمارات وحلفاءها في حزب المؤتمر والمجلس الانتقالي التابع لهما.

وهو ما بدأ بالفعل، حيث قام الحوثيون، بعد ساعات من انسحاب القوات الإماراتية، بقصف منزل محافظ مأرب.

ومن ضمن الدوافع، أيضا، استهدفت الإمارات خلال الفترات الأخيرة “شيطنة” بعض الأطراف اليمنية، والعمل في مسار منفصل عن توجهات السعودية، التي من الواضح أنه بات بينهما صراع خفي سببه تقاسم المصالح والنفوذ باليمن.

بينما أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن الإمارات تسعى من وراء هذه الانسحابات للهروب من مستنقع حرب اليمن.

وخسرت الإمارات في تدخلاتها العسكرية خارج حدودها، منذ عام 2015 وحتى يونيو 2018، قرابة 111 فردا من قواتها العسكرية، أغلبهم في اليمن، فضلاً عن الخسائر المالية.

وكانت أكبر ضربة تلقتها الإمارات، بمقتل 48 في هجوم واحد بمأرب (45 قُتلوا في يوم الهجوم نفسه 4 سبتمبر 2015، و3 توفوا في أكتوبر متأثرين بجراحهم).

مطار أبوظبي الدولي

بالإضافة إلى هذا، يهدد الحوثيون مرارًا باستهداف العمق الإماراتي؛ حيث بث الحوثيون، في مايو 2019، مقطع فيديو قالوا إنه يرصد استهدافهم منشآت في مطار أبوظبي الدولي عام 2018 بطائرة مسيَّرة، في حين نفت الإمارات تعرض المطار لأي هجوم، وقالت إن الحادث تسببت فيه مركبة إمدادات.

وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة الايكومنست، مؤخرا، أن إمارة دبي لا ترضى عن استمرار الحرب في اليمن وتكلفتها المالية الباهظة، بجانب الضغوط البريطانية المتصاعدة على الإمارات، بجانب تهديدات ايرانية متصاعدة ضد الامارات في حال استمرار العمل العسكري الإماراتي في اليمن، وأن السفن ومؤسسات النفط الاماراتية ستكون هدفا للصواريخ الإيرانية، وسبق أن استهدفت إيران مطار أبوظبي بطائرات مسيرة، بجانب استهداف مجهول الجهة حتى الآن، استهدف مواني وسفن نفطية في مياه الإمارات الإقليمية الشهر الماضي، مثل رسالة ضغط غير مباشرة من قبل إيران.

ومن دوافع الانسحاب الإماراتي كذلك، ما تخشاه أبوظبي من أن تكون هي بين أول أهداف الرد الإيراني إذا أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتنفيذ ضربة عسكرية على إيران.

هدنة الحديدة

بينما قال أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، المستشار السابق لولي عهد أبو ظبي عبد الخالق عبد الله، إن جملة من الأسباب تقف خلف قرار بلاده خفض تواجدها العسكري في اليمن.

عبد الله أوضح في تغريدة له على “تويتر” أن ذلك يعود لاستمرار الهدنة في مدينة الحديدة (غرب) التي توصل إليها اتفاق السويد نهاية العام الماضي، فضلا عن التحسن الملحوظ في كفاءة وجاهزية القوات الحكومية.

وأضاف عبد الله أن من بين الأسباب أيضا تراجع حدة المواجهات والعمليات العسكرية منذ بدء العام الجاري؛ “ما دفع الإمارات لخفض قواتها بعد أن أدت مهامها على أكمل وجه، كما أنه يمكنها العودة في أي وقت”.

نتائج القرار

وفي تقدير استراتيجي لمعهد واشنطن للدراسات وصف الانسحاب الإماراتي من اليمن بأنه نقلة إستراتيجية ربما تؤدي إلى عزل السعودية هناك، مرجحا أن يكون إقرارا من أبو ظبي بأنها لم تعد قادرة على تحمل مأزقها السياسي والعسكري والمالي باليمن.

وكتبت الباحثة في برنامج “بيرنشتاين للسياسة الخليجية والطاقة” بالمعهد إلانا ديلوزييه بموقع المعهد؛ أنه من المؤكد أن يؤدي قرار الإمارات إلى توتر مع السعودية، التي يجب عليها الآن مراجعة نهجها إزاء الحرب في اليمن؛ ففي السابق صبرت الإمارات على مشقة مشاركتها في الحرب، واستمرت في الحفاظ على جبهة موحدة مع السعودية، لكن يبدو أن ذلك قد تغير لدى الإمارات لسبب أو لآخر؛ الأمر الذي يهدد بالتباعد بين البلدين، وخلق المزيد من التوتر بينهما في وقت عالي الحساسية بمنطقة الخليج.

لافتة إلى أن التباعد بين البلدين مقلق، لكنه ليس مفاجئا أو غير متوقع؛ فرغم أن السعودية والإمارات حافظتا على صورة خارجية مشتركة، فإنه لا يوجد -عموما- تنسيق بين قواتهما في اليمن يجعلهما تعملان جنبا إلى جنب، بل قامت قوات البلدين بتقسيم المسئوليات بينهما.

وعموما، ظلت القوات السعودية تعمل في الشمال، في حين تعمل القوات الإماراتية في الجنوب، وعندما تدخل واحدة منهما منطقة الثانية تغادر قوات الدولة الأخرى المنطقة.

وعلى سبيل المثال، عندما بدأت الإمارات إدارة العمليات في الحديدة، تقلص الوجود السعودي هناك إلى وجود رمزي؛ وعندما دخلت القوات السعودية المهرة، غادرها الإماراتيون. وحتى وجود ضباط اتصال لأحد الأطراف لدى الطرف الآخر يبدو في كثير من الأحيان – كما تقول الكاتبة – مجرد وجود رمزي.

وتضيف ديلوزييه أن تحاشي تواجد قوات كل بلد مع قوات البلد الآخر يبدو كأنه مقصود؛ الأمر الذي يثير التساؤل حول آراء الجانب الإماراتي بشأن كفاءة القوات السعودية.

أولويات

وتمضي الكاتبة في توضيح التباين بين السعودية والإمارات إلى القول إنه وحتى في الوقت الذي تتفق فيه رؤية الجانبين حول التهديدات الإقليمية، فإنهما يرتبان أولويات هذه التهديدات بشكل مختلف، بما في ذلك اليمن.

وعلى سبيل المثال، تركز الإمارات على مواجهة الإخوان المسلمين أكثر من السعودية، وتبدو أقل قلقا من تمكين الانفصاليين اليمنيين في جنوب البلاد. بالإضافة إلى أن البلدين اختلفا في تعاملهما مع التهديد الإيراني خارج اليمن، إذ نجد أن الرياض تحمّل إيران بشكل مباشر مسؤولية الهجمات الأخيرة على السفن في الفجيرة، في حين لم تجرؤ الإمارات على اتهام إيران مباشرة.

وخلصت الكاتبة إلى أنه إذا بدأ الوجه المشترك للبلدين يتلاشى، فإن خلافاتهما الموجودة منذ وقت طويل ستتفاقم.

انعكاسات الانسحاب على اليمن والسعودية

وعلى الصعيد اليمني، وأفق الأزمة السياسية فإن الانسحاب الإماراتي قد يطلق عملية سياسية، لحل الأزمة اليمنية، خاصة مع تكثيف الكونكرس الأمريكي ضغوطه في هذا الاتجاه، والآن مع الانسحاب الإماراتي، والقصور العسكري السعودي؛ يبدو أنه لا حل إلا خيار واحد، وهو الحل السياسي.

فالسعوديون لا يمكنهم زعم نجاح كبير في تحقيق أهدافهم العسكرية مع استمرار التهديد الدائم لأراضيهم من قبل الحوثيين، ومع فشلهم في استعادة العاصمة صنعاء لتكون تحت سيطرة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دوليا. أما رغبة الإمارات في الاستمرار بدعم الغارات السعودية والعمليات العسكرية السعودية الأخرى شمال اليمن فليست واضحة، حسب تقديرات معهد واشنطن للسياسات.

حل سياسي

وتفرض التطورات الميدانية عقب الانسحاب الإماراتي، على السعوديين التفكير السريع، لأنهم إذا لم يسعوا لحل سياسي بمبادرات نشطة، فسيتركون وحدهم في حرب لا يستطيعون الانتصار فيها.

وعلى اية حال، فالانسحاب الإماراتي وسط الغارات السعودية المستمرة ربما يكون أسوأ خيار، نظرا إلى أن الحوثيين سيرونه فرصة لاختبار قدرات القوات اليمنية في الجنوب. وفي المقابل، فإن انسحابا سعوديا-إماراتيا مشتركا من الممكن أن يوفر إمكانية لمحادثات ثنائية سعودية-حوثية لوقف التصعيد، ربما بإزالة السبب الكامن وراء الهجمات ضد الأراضي السعودية على المدى الطويل، بغض النظر عن استمرار إيران في حثها لهم على الاستمرار في هذه الهجمات.

وهو ما أكده الكاتب والمحلل السياسي البريطاني بيل لاو، في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي”- مشيرا إلى أن تغير نظرة السعودية والإمارات لحربهما في اليمن، قائلا إن قرار ولي عهد الإمارات محمد بن زايد سحب قواته قد يمثل البداية التي يحتاج إليها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

Facebook Comments